روسيا وأوكرانيا والشرق الأوسط: أوجه التشابه والتوازي
ألكسندر روداكوف، سفير روسيا لدى لبنان

في الوقت الحالي يمر الشرق الأوسط، كما والعالم أجمع، بأوقات عصيبة للغاية. لقد تفاقم الوضع تقريبًا في جميع “نقاط التوتر”للصراعات الدولية. فالعديد من المحللين يقومون بمحاولات لتنبؤ تطورات الوضع، ولكن يبدو لي أنه مع وجود العديد من المتغيرات، تصبح هذه “المعادلة” غير قابلة للحل عمليًا. ومع ذلك، فالنظر إلى الماضي يمكن أن يساعدنا في فهم ما يحدث الآن وما يمكن توقعه في المستقبل.
يشكل شهر نوفمبر من هذا العام لروسيا رمزية كبيرة. حيث أن في هذه الفترة الزمنية تحتوي على حدثيْن كبيرين لا يُنسيان في تاريخ روسيا وسياستها الخارجية، أود أن أتقاسم أهميتهما مع القراء اللبنانيين. قد يبدو أن لا علاقة لهم بـ”أرض الأرز”، لكن هذا الانطباع خادع. دعونا نرى ذلك بالترتيب.
في 6 نوفمبر 1943 – قبل 80 عامًا بالضبط – حررت القوات السوفياتية كييف من الغزاة الفاشيين. وبعد خوض أشرس المعارك، تمكن الجيش الأحمر حرفيًا من انتزاع العاصمة الأوكرانية من الفيرماخت بعد احتلال دام لأكثر من عامين. وقد تم إدراج هذه العملية في كتب الفن العسكري الاستراتيجي، مما مثّل نقطة تحول جذرية في الحرب العالمية الثانية. ويمكننا القول ان هذه هي الطريقة التي بدأ بها تحرير أوروبا من وباء الفاشية والنازية.
مَعْلَمٌ آخر في تاريخ دولتنا لا يقل أهمية لكنه عمره أصغر بكثير. في نوفمبر 2013، قبل 10 سنوات، بدأت أحداث ما يسمى بـ”الميدان الأوروبي”. في الأساس، حدث انقلاب غير قانوني ودموي في أوكرانيا، جسَّد الخسارة الكاملة لشرعية نظام كييف، وانزلاق إلى هاوية كراهية البشر، والإباحة، والفساد، والإفلات من العقاب. هذه الأحداث أصبحت نقطة بداية لاضطهاد غير مسبوق ضد السكان الروس، وبداية نهضة غير مسبوقة للنازية.
الآن في كييف يكرّمون النازيين ويقيمون النصب التذكارية لهم. وفي الوقت نفسه، يحاولون محْوَ ماضيهم الروسي بالكامل، بكل الطرق الممكنة. هكذا نشأت فجوة واسعة في وعي الشعب الأوكراني. ولملْءِ هذه الفجوة، وَجَبَ التوصل إلى هوية مصطنعة فارغة، الغرضُ الوحيد منها هو تجسيد وترسيخ كل ما هو مُعادٍ لروسيا قدر الإمكان. في مثل هذه التربة السيئة بدأ في النمو كل شيء قضى عليه الاتحاد السوفياتي، كما بدا في ذلك الوقت إلى الأبد بتكلفة باهظة للغاية بلغت عشرات الملايين من أرواح المواطنين السوفيات.
هذا التناقض في جوهر هذين الحدثين، من عصور مختلفة، من المؤكد أنه أمر مذهل. إن الشعب الذي كان ذات يوم شعبًا شقيقًا، والذي قاتل أجدادُنا (المشتركون!) واستشهدوا من أجل حريتهم، أصبح نتيجة “غسيل الأدمغة” (وتحت التوجيه الصارم لأجهزة المخابرات الغربية) يتخيل الروس أعداءهم بالدم. وانتشرت الدعوات المتطرفة لتدمير السكان الروس والقضاء على اللغة والثقافة الروسية. كما تم فجأة استبدال التاريخ الموحد الذي يعود إلى قرون من الزمن بـ “أوكرانيا القديمة” الأسطورية، التي لا يمكن العثور عليها على الخرائط، لأنها لم تكن موجودة على الإطلاق.
هذه الاتجاهات تثير المخاوف بلا شك. إن السهولة والحماسة التي إلتقط بها «الغرب الجماعي» هذه الأوهام المريضة، وبدأ يتلاعب بها على المستوى الرسمي، تشير إلى انخراطه المباشر في هذه العملية. حيث يشوهون في واشنطن والعواصم الأوروبية، حقيقة الصراع الأوكراني بسخرية، ويقلبون كل الأحداث رأساً على عقب. أولا وقبل كل شيء، لأنه بهذه الطريقة، من المفيد لهم إضعاف الشعوب وتقسيمها والسيطرة عليها – وهي “صيغة نجاح” قديمة مجربة للقضاء على منافسيهم الجيوسياسيين.
في فترة قصيرة من الزمن، ووفقاً للمعايير التاريخية، تغيرت مكانة أوكرانيا ومسارها على الساحة الدولية بالكامل. لكن ليس للأفضل على الإطلاق، في تقييمي الشخصي.
ويعود هذا إلى حد كبير إلى سنوات عديدة من التلقين السياسي المستهدف والرشوة والدعاية والمعلومات والتأثيرات النفسية الخاصة. والنتيجة الكارثية لكل جهود التخريب – ولا أخشى هذه الكلمة – أصبحت واضحة الآن. لقد تحولت أوكرانيا إلى دولة فاشلة: الى شبه دولة ميتافيزيقية تجسّد “معاداة” حقيقية لروسيا.
وأنا على يقين من أن اللبنانيين – وربما جميع دول الشرق الأوسط – على دراية جيدة بأساليب التأثير هذه. أعتقد أن الكثير من الناس هنا منزعجون لأنه على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي لا يُنظر إلى لبنان كدولة ذات سيادة كاملة. بل كورقة مساومة في ألعابهم الجيوسياسية. لا يمكن وصف سياسة واشنطن وأتباعها تجاه الجمهورية اللبنانية بأنها سياسة حوار متكافئ.
لنكن صادقين: لقد اتسمت أخلاق الغربيين دائمًا بالإهانة والتعالي وعدم الاحترام. إنهم يفرضون عقوبات غير مشروعة على أي شخص يشكل أدنى تهديد لمصالحهم الاقتصادية. يتدخلون في الشؤون الداخلية ويحاولون أن يُملوا على اللبنانيين طريقة العيش. إنهم يمنعون باستمرار عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم، مما يؤدي إلى تفاقم الوضع الاجتماعي والاقتصادي الصعب أصلاً في لبنان. يتصرفون وكأنهمأصحاب البلاد الوحيدين.
إن الصراع الدموي الفلسطيني الإسرائيلي الذي اندلع من جديديقوّض موقف لبنان أكثر. فاحتمال تصعيد الأعمال العدائية أمر يمكن أن يخرج عن نطاقه. ويمكن للقسوة والعنف في فلسطين أن تنتقلبسهولة الى المناطق الحدودية اللبنانية وصولاً إلى كل البلد، وعندها “ستشتعل” المنطقة بأكملها. ولا شك أن العواقب في هذه الحالة ستكون كارثية تماما.
ومن المهم بشكل أساسي أن نفهم أنه مع كل يوم من استمرارالقتال، يضيق أكثر وأكثر المجال المتاح للتوصل إلى تسوية دبلوماسية، وتتزايد حتماً مخاطر حدوث سوء تقدير مميت. لقد أصبح النطاق غير المسبوق للكارثة الإنسانية المتزايدة واضحا بالفعل.
هذه الكارثة محكوم عليها بالتفاقم إذا استمر الغرب في سياساته المزعزعة للاستقرار. وفي تصرفاته فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، من المستحيل عدم رؤية أوجه التشابه مع “القضية” الأوكرانية.
وعلى نحو مماثل، يتلاعب الأنجلوسكسونيون بهذه المواجهة القديمة التي لا يريدون حلها من أجل الحفاظ على مصالحهم الأنانية. لذلك هم يغضون الطرف عن الانتهاك المتكرر وغير الإنساني للقانون الدولي من جانب واحد، في حين أن الجانب الآخر متهم بشكل عشوائي بارتكاب جميع أنواع الجرائم والإرهاب. إنهم يقدمون وجهة نظر واحدة فقط باعتبارها “الوجهة الحقيقية الوحيدة”، ويرفضون حتى الاستماع إلى الآخر. إنهم يعيقون التسوية السياسية والدبلوماسية.
في هذا السياق، إن حقيقة إرسال الأسطول العسكري الأمريكي إلى شرق البحر الأبيض المتوسط تتطلب اهتمامًا خاصًا. وهذا ليس أكثر من عامل إضافي لزعزعة الاستقرار، وعنصر آخر يغذي الفوضى والعنف. وبطريقة مماثلة، دفع البيت الأبيض حلف شمال الأطلسي إلى الاقتراب أكثر فأكثر من الحدود الروسية وخلق تهديدات على طولحدودنا. لقد قام بتزويد الأسلحة وما زال يزودها، مما أدى إلى استبعادإمكانية التوصل إلى تسوية دبلوماسية.
ومن الواضح أن مثل هذه السياسة الأميركية هنا لم تعطِ نتائج إيجابية ولن تعطي أبداً. بل على العكس من ذلك، فإن الشرق الأوسط مغطى بجراح صعبة الشفاء ناجمة على وجه التحديد عن طموحات السياسة الخارجية الأميركية المدمرة. والآن تم فتح جرح آخر، ومرة أخرى بمشاركة مباشرة من الغرب.
لقد انقسم المجتمع الدولي مرة أخرى، كما حدث مع بداية الأزمة الأوكرانية. ولكن بوسعنا أن نقول بالفعل: إن الجنوب والشرق العالميّيْن، حيث تشترك روسيا في توجههما الأساسي في التعامل مع التسوية في الشرق الأوسط، يشكلان الأغلبية، وبالمقابل يمثل الغرب الأقلية. بمعنى آخر، فإن “الخطوط الفاصلة” فيما يتعلق بأوكرانيا وفيما يتعلق بفلسطين في العلاقات الدولية قريبة جدًا، وهي متطابقة عمليًا.
وفي الوقت نفسه، هناك احتمال كبير بأن يوجه «الغرب الجماعي» كل قواه السياسية والعسكرية والإعلامية إلى تقديم رؤيته للأزمة باعتبارها الرؤية الوحيدة المقبولة والموضوعية، وبالتالي سيحاول تغيير نظرة العالم للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وسيبذل قصارى جهده لإعادة كتابة التاريخ مرة أخرى وتقديم كل شيء بطريقة انتهازية مناسبة لمصالحه. علاوة على ذلك، سيسعى جاهدا للقيام بذلك بسرعة ومهارة، وتصحيح “حساباته الخاطئة” في سياق “التجربة” الأوكرانية.
من المثير للقلق والمخيب للآمال أن لبنان سيضطر على الأرجح إلى تحمل عواقب الجولة الحالية من الأزمة. وسيُقتل مدنيون ويصبحون ضحايا للقصف. وسيتم تدمير الطرق والمنازل، وكذلك حياة الأبرياء. ومن الصعب تقدير حجم التعقيدات الإنسانية المرتبطة بموجة جديدة محتملة من اللاجئين. من المؤسف أنه كلما زادت طموحات الغرب الاستعمارية الجديدة في المنطقة، كلما غلا الثمن الذي يتعين على لبنان أن يدفعه.



