باقلامهم
أخر الأخبار

من زمن القادة إلى عصر المهرجين: كيف تحوّل الشأن العام إلى أداة في يد الصغار؟

في الأمس، كان العظماء يتصدرون المشهد؛ فلم يكن يعتلي العروش إلا من امتلك الخبرة والحنكة، واتصف بالحكمة والشعور بالمسؤولية. أولئك هم من صنعوا الأفكار، وبنوا حضارات خالدة، لا تزال بصماتهم شاهدة على عظمة عصورهم.

من زمن القادة إلى عصر المهرجين: كيف تحوّل الشأن العام إلى أداة في يد الصغار؟

 ✍️كتبت الإعلامية هند نجم 

في الأمس، كان العظماء يتصدرون المشهد؛ فلم يكن يعتلي العروش إلا من امتلك الخبرة والحنكة، واتصف بالحكمة والشعور بالمسؤولية. أولئك هم من صنعوا الأفكار، وبنوا حضارات خالدة، لا تزال بصماتهم شاهدة على عظمة عصورهم.

أما اليوم، ففي زمن السرعة والسطحية، لم يعد للحكمة وقت، ولا للفكر ساحة. إنه زمن السلطة لا القيادة، زمن تُستبدل فيه العقول بالإثارة، وتُغتال الحكمة لصالح الاستهلاك، وتُقصى المعرفة لصالح المعلومة المجتزأة.

إنه عصر تُقصى فيه النخب الفكرية، ليصعد إلى الواجهة مهرجون وتافهون، ومجانين يلهثون خلف المال والشهرة والإثارة الزائفة. لقد أصبح هذا الزمن، بكل ما فيه من تناقضات، زمنَ الصعاليك بامتياز.

لقد صعد هؤلاء من قاع المجتمع إلى واجهته، مدفوعين بأدوات العصر الرقمي، دون مقاومة تُذكر، وبثقة عمياء، يقودون الآخرين نحو مصير بائس، كأنهم يسيرون إلى الهاوية وهم يصفقون.

وهنا، نستحضر تنبؤ المفكر الكندي آلان دونو في كتابه الشهير “نظام التفاهة”، حيث يرى أن سيطرة التافهين بدأت منذ تسلل التكنوقراط إلى الحكم. هؤلاء لم يأتوا بالسياسة بمعناها النبيل، بل استبدلوها بمفهوم الحوكمة، وحوّلوا المواطن إلى “شريك”، والفضاء العام إلى مجرد “تقنية إدارة”، مجردة من كل القيم الأخلاقية والإنسانية. 

لقد تحوّل الشأن العام إلى مشروع تجاري، وأصبحت الدول تُدار كما تُدار الشركات، فتلهث خلف الأرباح وتنسى الإنسان. هكذا تم تفريغ السياسة من مضمونها، وفرش السجاد الأحمر لرموز التفاهة، الذين تمكنوا من تأسيس نظام عالمي متكامل يخدمهم، ويحارب كل من يُهدّد مصالحهم.

رجال أعمال مهرّجون، شاذّون، حاقدون، صغار النفوس، تسلّقوا سُلّم السلطة بفضل هذا النظام. تغيّرت آراؤهم كما تتأرجح مؤشرات البورصات، يقولون الشيء ويفعلون نقيضه، يخطّطون للحروب دون أدنى اكتراث لأعداد الضحايا، ويرتدون البدلات العسكرية دون أن تطأ أقدامهم أرض المعارك. 

إنهم يشكّلون خطرًا على شعوبهم يفوق أي عدو خارجي. من خلف مكاتبهم، يطلقون تصريحات وهمية لا تمتّ للواقع بصلة، ويرفعون الشعارات الجوفاء على حساب الجغرافيا والشعوب. إنهم “نخب شعبوية ترفيهية” في زمن الصورة، حيث أصبحت الكلمات مشرّدة تبحث عن مأوى. 

في هذا العصر، عصر التكنولوجيا والتطبيقات، نحن بحاجة إلى حديث من نوع آخر، إلى مواقف جديدة، ومضامين أصيلة توقف هذا النزيف القيمي والمعرفي.

نحن بحاجة إلى مقاومة فكرية حقيقية، تضع حدًا لهذا الانحدار، وتمنع هؤلاء الطارئين من الوصول إلى القمة كي لا يسلخوا الشعوب عن تاريخها، ولا يسوقوها خلف شعارات كاذبة ووعود منافقة.

لقد تجاوزت المعركة مع التافهين كونها معركة نخبوية، وأصبحت معركة وجود. وجود الإنسان، وكرامته، وتاريخه، وقيمه. إنها معركة من أجل المعنى، حتى لا تتحوّل الحياة إلى جحيم، والناس إلى أرقام، والمعنى إلى سلعة تُباع وتُشترى في أسواق التفاهة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »