باقلامهم
أخر الأخبار

باربي وماشا: صراع القيم بين المدينة والطبيعة

باربي عروسة أمريكية، وماشا عروسة روسية. الإثنتان على النقيض التام من بعضهما البعض، وكل واحدة منهما تغذي في الأجيال الناشئة بعض الأفكار والقيم المهمة والخطيرة في الوقت نفسه

باربي وماشا: صراع القيم بين المدينة والطبيعة

✍️📰 كتبت فاطمة مقني

 

باربي عروسة أمريكية، وماشا عروسة روسية. الإثنتان على النقيض التام من بعضهما البعض، وكل واحدة منهما تغذي في الأجيال الناشئة بعض الأفكار والقيم المهمة والخطيرة في الوقت نفسه.

باربي تهتم بالأزياء والشعر والتجميل، وهي بنت المدينة، بينما ماشا فتاة بسيطة جداً وريفية، طيبة وهادئة وتلقائية لكنها شقية. باربي تعكس مقاييس هوليوود في الجمال والتطلعات الاستهلاكية والمظهرية: طويلة، رفيعة، شعرها أشقر طويل. في المقابل، ماشا تمثل البساطة والتلقائية: قصيرة، تلف شعرها بإيشارب لا تنزعه إلا نادراً، وترتدي عادة فستاناً واحداً طويلاً.

باربي تغذي قيم الاستهلاك في المجتمع الأمريكي، وتنشر صورة عن الفتاة باعتبارها سلعة، وتقدم نفسها بمظهر ملفت وجذاب، دائم التغيير. عادة ما تكون باربي بصحبة صديقها الوسيم وصديقاتها المشابهن لها. أما ماشا، فهي لا تهتم بالملابس وتظل ترتدي زيها الموحد، وصديقها هو دب روسي! وأصدقاؤها حيوانات الغابة: كلب وجدي وخنزير. ماشا تعيش في الريف بين الأشجار والمساحات الخضراء، في حين تقضي باربي أوقاتها في الشراء والرحلات وحمامات السباحة.

باربي لا تواجه مشاكل حقيقية، فهي تستمتع بحياتها الاستهلاكية وبنفسها، أما ماشا فتواجه المشاكل لكنها غالباً ما تكون نتيجة براءتها وتلقائيتها ورغبتها في اللعب، ويأتي صديقها الدب لينقذها. باربي هي إبنة المدينة، إبنة الرأسمالية الاستهلاكية والعولمة، فيما ماشا إبنة الريف المحلي الأصيل والطبيعة.

إذا كانت باربي منفتحة على العولمة الاستهلاكية، فإن ماشا منفتحة على الطبيعة، ما يعكس تناقضاً حاداً بين تصورين للعالم: أحدهما حضري مادي استهلاكي، والآخر طبيعي خلاق بسيط.

يبدو أن ماشا صُممت لتكون نقيضة باربي، لنقل قيم معاكسة تماماً. ظهرت باربي عام 1959، في أوج الحرب الباردة، لنشر القيم الاستهلاكية والمادية الأمريكية عالميًا. بينما ظهرت ماشا عام 2008، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كجزء من مرحلة التعافي الروسي وإعادة تقديم صورة جديدة للعالم.

المجال الثقافي هو ساحة لصراعات أيديولوجية حول معنى الحياة، حيث تحاول كل ثقافة تقديم تصورها عن الإنسان والعالم للآخر. عرائس الأطفال ليست مجرد ألعاب، بل منتجات ثقافية تعكس الأوضاع الأيديولوجية للبلدان المنتجة لها، وتربّي الأجيال على رؤى معينة لأنفسهم وللعالم.

إذا كانت باربي تمثل الثقافة الاستهلاكية الأمريكية والحياة المادية والرأسمالية، فإن ماشا تعكس الحياة البسيطة في الطبيعة وسط الحيوانات، وهي قيم ثقافية معاكسة للثقافة الأمريكية. التناقض بين باربي وماشا يعكس صراعاً ثقافياً بين أيديولوجيتين ما زالتا في مواجهة مستمرة.


المصدر:

بيروت يا بيروت

عن الكاتب:

فاطمة مقني: صحفية وإعلامية تونسية متخصصة في الاتصال البيئي وملفات الطاقة والطاقات المتجددة، إضافة إلى الصحافة الاستقصائية وبرامج الشأن العام على المستويين الوطني والدولي. حاصلة على الإجازة في سياسات السوق من كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بصفاقس، وتعمل في مؤسسة الإذاعة التونسية – إذاعة صفاقس حيث راكمت خبرة ميدانية وإعلامية عميقة في إنتاج وتقديم المضامين الإذاعية ذات البعد التنموي والمجتمعي. تركز في عملها على ربط الإعلام بقضايا البيئة والطاقة، مع إبراز دور الإعلام العمومي في خدمة المصلحة العامة وتقديم محتوى مسؤول يساهم في رفع الوعي وتحفيز الحوار المجتمعي.
المزيد عن فاطمة مقني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »