اخبار دولية
أخر الأخبار

كتب رامي الدباس:إيران بعد خامنئي: استراتيجية البقاء في مواجهة أمريكا وإسرائيل

في أواخر فبراير 2026، شنت إسرائيل غاراتها الأكثر دقة وفتكاً على الأراضي الإيرانية، استهدفة مباشرة المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من أبرز القيادات العسكرية والأمنية.

إيران بعد خامنئي: استراتيجية البقاء في مواجهة أمريكا وإسرائيل

✍️✍️كتب رامي الدباس -كاتب ومحلل سياسي

المقدمة: لحظة تاريخية فاصلة

في أواخر فبراير 2026، شنت إسرائيل غاراتها الأكثر دقة وفتكاً على الأراضي الإيرانية، استهدفة مباشرة المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من أبرز القيادات العسكرية والأمنية.

كان هذا الحدث بمثابة نقطة تحول جذرية في الصراع الإقليمي، ليس لأنه يمثل ضربة عسكرية وحسب، بل لأنه يهدد بنية النظام السياسي الإيراني نفسه. إن فهم كيفية استجابة إيران لهذه الأزمة يتطلب منا أن ندرك أولاً طبيعة المؤسسة الإيرانية وكيفية تصميمها للاستمرار في الوجود حتى في أحلك الظروف.

يتعين علينا أن نفهم أن إيران لم تكن يوماً ما دولة تعتمد على فرد واحد، على الرغم من أن دور المرشد الأعلى يحمل أهمية قصوى. خامنئي، الذي حكم لمدة 37 سنة منذ وفاة الخميني عام 1989، كان يمثل الاستمرارية والثبات في نظام معقد من المؤسسات المتشابكة. إزالته من المعادلة لا تعني انهيار النظام، لكنها تعني تحولاً عميقاً في توازنات القوى وأسلوب صنع القرار، في اللحظة التي تكون فيها إيران محاصرة في صراع وجودي ضد أقوى قوتين عسكريتين في المنطقة.

السياق: لماذا خامنئي؟ والمؤسسة الإيرانية

كي نفهم حجم الضربة، يجب أن نتوقف قليلاً لندرك دور المرشد الأعلى في النظام الإيراني. المرشد ليس مجرد رئيس دولة أو حتى رئيس حكومة؛ إنه الرمز الأيديولوجي والديني للثورة الإسلامية. يسيطر على الجيش، والحرس الثوري، والقضاء، والإعلام، والاستخبارات. إنه في الواقع العقل المركزي للنظام.

خامنئي لم يكن شخصية دينية بنفس وزن الخميني الروحي، لكنه امتلك شيئاً ربما كان أهم من هذا: الشرعية المؤسسية. لقد أمضى أكثر من ثلاثة عقود في بناء شبكة من الحلفاء والمؤيدين عبر المؤسسة العسكرية والأمنية. كان يعرف كل لاعب مهم في اللعبة الإيرانية، ويملك رأسمالاً سياسياً هائلاً راكماً على مدى سنوات.

لكن هنا يكمن المفتاح لفهم استجابة النظام: المؤسسة الإيرانية تم تصميمها فعلياً للعمل دون مرشد شخصي واحد في حالات الأزمات القصوى. الدستور الإيراني لديه آليات للانتقال. هناك مجلس يسمى مجلس الخبراء مسؤول عن انتخاب المرشد الجديد. وأهم من ذلك، هناك مؤسسات عسكرية وأمنية مهنية يمكنها أن تستمر في العمل حتى لو كان هناك فراغ في السلطة العليا.

الاستجابة الفورية: محاولة إظهار الاستقرار

عندما أعلنت إيران عن مقتل خامنئي في 28 فبراير، واجهت نفس اللحظة مهمة ستراتيجية صعبة جداً. كان عليها أن تفعل شيئين في نفس الوقت: أن تظهر الحزن والقوة، الانهيار والاستقرار، الضعف والقدرة على الرد. هذا توازن معقد جداً.

الخطوة الأولى التي اتخذتها القيادة الإيرانية كانت إعلان قيادة ثلاثية انتقالية. اجتمعوا على أن تتقاسم السلطة ثلاثة أشخاص حتى يتم انتخاب مرشد جديد: الرئيس مسعود بزشكيان، رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، وفقيه من مجلس صيانة الدستور. هذا الحل ليس مصادفة. إنه بالفعل حساب استراتيجي دقيق جداً.

بتوزيع السلطة على ثلاثة أشخاص، كانت القيادة الإيرانية تحقق عدة أهداف في آن واحد. أولاً، كانت توضح للعالم أنه لا يوجد فراغ في السلطة، بل هناك آلية دستورية تعمل. هذا مهم جداً لأن الخصوم – وخاصة إسرائيل وأمريكا – كانوا يأملون أن يؤدي مقتل خامنئي إلى فوضى داخلية تضعف قدرة إيران على الرد.

ثانياً، بتوزيع المسؤولية على ثلاثة أشخاص، كانت تجنب أن يصبح أي شخص واحد هدفاً سهلاً جداً. الخصم الآن لن يستطيع أن يقول “إذا قتلنا فلاناً، سينهار النظام”. هذا درس استراتيجي مهم جداً.

ثالثاً، هذا الحل يعكس التوازن الحقيقي للقوى داخل النخبة الإيرانية. الرئيس يمثل الجانب المدني والتقني. رئيس القضاء يمثل الجانب الديني والقانوني. والفقيه من مجلس صيانة الدستور يمثل الحرس الثوري والأجهزة الأمنية. بهذه الطريقة، كل قطاع يعرف أن له تمثيلاً في السلطة.

الرد الانتقامي: رسالة الصمود والقدرة

لكن إيران لم تستطع أن تعتمد على الاستقرار المؤسسي وحده. كانت بحاجة أيضاً إلى إظهار أنها قوية، وأن مقتل قيادتها لم يجعلها ضعيفة أو خائفة.

في الساعات التالية لإعلان مقتل خامنئي، شنت إيران موجة غير مسبوقة من الضربات الانتقامية. صواريخ باليستية، طائرات مسيرة، كل ما في الترسانة الإيرانية انطلق نحو الأراضي المحتلة والقواعس الأمريكية في المنطقة. كانت هذه الضربات رسالة على عدة مستويات.

على المستوى الداخلي، كانت القيادة الإيرانية تقول للشعب الإيراني: “لقد فقدنا قيادتنا، لكننا لسنا ضعفاء. سننتقم. سنستمر في القتال.” هذا مهم جداً في لحظة حرجة، لأن الضعف الموصوف قد يؤدي إلى انهيار الروح المعنوية وربما إلى احتجاجات داخلية.

على المستوى الإقليمي، كانت الرسالة موجهة إلى حلفاء إيران – حزب الله في لبنان، الحوثيين في اليمن، الميليشيات العراقية – وتقول لهم: “لا تستسلموا. قيادتكم تقف معكم. هذه ليست النهاية.”

على المستوى الدولي، كانت الضربات موجهة إلى إسرائيل وأمريكا لتقول: “سيكون لهذا ثمن. لن نقف مكتوفي الأيدي. إذا اعتقدتم أن قتل خامنئي سيكسر إرادتنا، فقد أخطأتم الحساب.”

لكن هناك شيء مهم هنا يجب أن نفهمه. الضربات الانتقامية الإيرانية لم تكن عشوائية أو غير محسوبة. كانت محدودة نسبياً. لم تستخدم إيران كل ترسانتها. لم تقصف المدن المأهولة بالسكان بشكل مباشر. هذا يعكس حساباً استراتيجياً أيضاً. القيادة الإيرانية تعرف أنها في صراع طويل الأمد، وأن استنزاف الموارد دفعة واحدة ليس في صالحها.

الخسائر القيادية والتحدي الحقيقي

لكن إذا عمقنا تحليلنا قليلاً، سندرك أن الصورة أعقد بكثير من مجرد استقرار مؤسسي أو ضربات انتقامية. الغارات الإسرائيلية لم تقتل مجرد شخص واحد. كانت عملية منسقة جداً استهدفت قادة عسكريين مهمين جداً. قُتل اللواء محمد باكبور، وهو قائد مهم جداً في الحرس الثوري. قُتل علي شمخاني، الذي كان سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي. قُتل حوالي 40 مسؤولاً إيرانياً كبيراً.

هذا يعني أن إيران فقدت طبقة كاملة من صُناع القرار والقادة الذين عملوا مع خامنئي لسنوات. هؤلاء الأشخاص امتلكوا معرفة عملية عميقة عن كيفية عمل النظام، وما هي الخيارات المتاحة، وكيفية التعامل مع الأزمات. فقدان هؤلاء لا يعني انهيار النظام، لكنه يعني أن صنع القرار الآن سيكون أبطأ، وستكون هناك أخطاء محتملة أكثر.

تخيل أن شركة كبيرة فقدت مدير عام وعدد من نواب المديرين الرئيسيين في حادثة واحدة. نعم، الشركة ستستمر في العمل، لكن فترة من الفوضى لا محالة ستحدث قبل أن يتعود الموظفون الجدد على المسؤولية.

التحديات الداخلية: الانقسامات المحتملة

هناك بعد آخر مهم جداً في هذه المعادلة. إيران لم تكن تواجه مشاكل خارجية فقط. كانت تواجه مشاكل داخلية حقيقية جداً. في أواخر عام 2025 وبدايات عام 2026، اندلعت احتجاجات كبيرة في العديد من محافظات إيران. كانت الأسباب اقتصادية أساساً: غلاء المعيشة، انهيار القيمة الحقيقية للعملة الإيرانية، البطالة بين الشباب، نقص السلع الأساسية.

هذا التوقيت ليس ليس مصادفة تماماً. الصراع مع إسرائيل وأمريكا كان يزيد من الضغط على الاقتصاد الإيراني. الحصار الاقتصادي (العقوبات) يعني أنه لا يمكن لإيران بيع نفطها بحرية. هذا يعني دخل أقل للحكومة. دخل أقل يعني قدرة أقل على إنفاق المال على الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية. النتيجة هي غضب شعبي متزايد.

عندما مات خامنئي، كانت هناك لحظة ضعف. قد يرى بعض المعارضين أن هذه فرصة. قد يتظاهرون بشكل أكبر. قد يحاولون تنظيم أنفسهم بشكل أفضل. هذا كان يشكل تهديداً حقيقياً للنظام، لأن الصراع الخارجي يتطلب وحدة داخلية. إذا كانت إيران مشغولة بقمع احتجاجات داخلية، فستكون أقل قدرة على القتال خارجياً.

لكن ماذا فعلت القيادة الإيرانية؟ أعلنت الحداد الوطني. طالبت الناس بالوحدة ضد العدو الخارجي. استخدمت الوطنية كأداة لإسكات الاحتجاجات الداخلية (على الأقل مؤقتاً). هذا حساب قديم جداً في علم السياسة: عندما تواجه مشاكل داخلية، اصنع عدواً خارجياً. الصراع الخارجي يوحد الناس.

الاستراتيجية الإيرانية: الاستنزاف على المدى الطويل

الآن، إذا أردنا أن نفهم ما ستفعله إيران في الأسابيع والأشهر القادمة، يجب أن نتخلى عن فكرة أن هناك حرب حقيقية “تقليدية” ستحدث. نعم، هناك ضربات انتقامية ستستمر. لكن الاستراتيجية الإيرانية الحقيقية أعمق بكثير.

إيران تدرك أنها لا تستطيع أن تحقق انتصاراً عسكرياً قاسماً ضد الجيش الإسرائيلي الحديث أو الجيش الأمريكي. القوة العسكرية ليست متوازنة. إسرائيل وأمريكا لديهما تفوق جوي وبحري ساحق. إيران لا تستطيع التنافس على هذا المستوى.

لكن ماذا تستطيع إيران أن تفعل؟ تستطيع أن تجعل الصراع مكلفاً جداً. تستطيع أن تطيله ليسنوات. تستطيع أن تستخدم “محور المقاومة” – حزب الله في لبنان، الحوثيين في اليمن، الميليشيات العراقية، حتى الفلسطينيين – كوسائط لفتح جبهات متعددة. كل هذه الجبهات تأخذ موارد وانتباه إسرائيل وأمريكا.

تستطيع إيران أيضاً أن تهدد حرية الملاحة البحرية. الحوثيون يمكنهم مهاجمة السفن في البحر الأحمر. الميليشيات العراقية يمكنها مهاجمة القواعس الأمريكية في العراق. كل هذا يزيد من التكلفة الاقتصادية والإنسانية للصراع.

أهم شيء: إيران تدرك أن بقاءها وليس الانتصار هو الهدف الحقيقي. إذا استطاعت أن تقاوم لسنوات، فقد تكون قد انتصرت بالفعل. لأن أمريكا وإسرائيل لن تستطيع الحفاظ على جهد عسكري مكثف إلى الأبد. هناك تكاليف سياسية واقتصادية. هناك تعب شعبي. هناك ضغوط دولية.

تشكيل القيادة الجديدة: من سيكون المرشد الجديد؟

سؤال مهم جداً هو: من سيكون المرشد الأعلى الجديد؟ هذا سيكون له تأثير كبير جداً على استراتيجية إيران.

الرئيس بزشكيان قد يكون مرشحاً. هو برغماتي وله علاقات جيدة مع الأوروبيين والدول الأخرى. لكنه قد لا يكون محبباً لدى الحرس الثوري، الذي يفضل شخصاً أكثر صرامة وتشدداً.

قد يكون الفقيه الذي يمثل مجلس صيانة الدستور مرشحاً قوياً. هو يمثل التقليد والثبات والارتباط العميق بالمؤسسة العسكرية.

قد يكون أيضاً أحد الفقهاء الآخرين الذين كانوا قريبين من خامنئي. هناك عدة خيارات.

لكن مهما كان المرشد الجديد، هناك احتمالية أن يكون أقل قوة شخصية من خامنئي. هذا قد يعني أن صنع القرار سيكون أكثر توزعاً، وأن هناك قوى مختلفة داخل النظام قد تتنافس على النفوذ. هذا قد يؤدي إلى تحركات عسكرية واستراتيجية أكثر عشوائية قليلاً.

العلاقات الدبلوماسية والوسطاء

شيء آخر مهم جداً: إيران ستحتاج إلى وسطاء دبلوماسيين. ستحتاج إلى دول أخرى تتحدث باسمها وتنقل رسائلها. روسيا والصين هما الخياران الواضحان. كلاهما لديهما مصلحة في إضعاف الهيمنة الأمريكية في المنطقة.

لكن هناك أيضاً دول عربية. السعودية قد تكون وسيطاً. الإمارات قد تكون وسيطاً. حتى تركيا قد تكون مهتمة في تحقيق نوع من “السلام الباردة” التي تمنع انهيار كامل للاستقرار الإقليمي.

المفاوضات ستكون معقدة جداً. لكن سيكون هناك ضغط دولي قوي على كل الأطراف للتوقف عن الحرب. الاقتصاد العالمي يتأثر. أسعار النفط ترتفع. التضخم يزيد. هذا يهم كل الدول، ليس فقط الدول المتورطة مباشرة.

السيناريوهات المحتملة: الأفق القريب والبعيد

ما الذي قد يحدث في الأسابيع والأشهر القادمة؟ هناك عدة سيناريوهات محتملة.

الأول: حدوث استقرار نسبي. يعني أن الطرفين يتوقفان عن الضربات الكبرى. قد تكون هناك ضربات صغيرة ومناوشات، لكن لا حرب كاملة. هذا قد يسمح لإيران بالتركيز على اختيار مرشد جديد وتثبيت السلطة داخلياً.

الثاني: تصعيد مستمر. قد تشن إسرائيل المزيد من الغارات. قد تحاول إيران الرد بشكل أقوى. الحرب تستمر في التطور. قد يؤدي هذا إلى تدمير أكبر لكلا الجانبين، وقد ينطوي على تدخل أمريكي أوسع.

الثالث: انهيار داخلي في إيران. إذا استمر عدم الاستقرار الاقتصادي والاحتجاجات الداخلية، قد يشعر بعض قطاعات النخبة الإيرانية أن النظام في خطر. قد يحاولون التفاوض على سلام أو استسلام جزئي. هذا سيناريو أقل احتمالاً، لكنه ممكن.

الرابع: التدويل. قد تتدخل دول كبرى أخرى بشكل مباشر. قد تحاول روسيا أو الصين توسيع الصراع لتحقيق أهدافها الجيوسياسية. هذا سيناريو الكابوس الحقيقي، لأنه قد يحول الصراع الإقليمي إلى صراع دولي.

الخلاصة: إيران والبقاء كاستراتيجية

ما نراه في إيران الآن هو نموذج كلاسيكي للنظام الذي يحاول البقاء في أسوأ الظروف. إنه ليس نموذج قوة، بل نموذج مرونة وتعقيد.

مقتل خامنئي كان ضربة حقيقية، لا شك. لكنها لم تكن الضربة القاضية. النظام الإيراني مصمم بطريقة تجعله قادراً على الاستمرار حتى عندما تفقد شخصيات رئيسية. هذا لا يعني أنه لا يضعف. إنه يعني أن الضعف يأتي بشكل تدريجي، وليس فجائياً.

في الأسابيع والأشهر القادمة، ستحاول إيران فعل عدة أشياء في نفس الوقت: إظهار القوة عسكرياً (من خلال الضربات الانتقامية المحسوبة)، بناء استقرار مؤسسي داخلي (من خلال انتخاب مرشد جديد)، السيطرة على السخط الداخلي (من خلال الوطنية والدعوة للوحدة)، والبحث عن طرق دبلوماسية للخروج من هذه الأزمة.

قد تنجح في بعض هذه الأشياء وقد تفشل في الآخرين. لكن الشيء المؤكد هو أن إيران ستستمر في القتال، ليس لأنها قوية بشكل خاص، بل لأن لديها مصلحة حيوية في البقاء، وأن الخروج من الصراع قد يعني سقوط النظام تماماً.

هذا هو جوهر الاستراتيجية الإيرانية الآن: البقاء هو الانتصار. وما دام النظام موجوداً، فهناك أمل في المستقبل، حتى لو كان الحاضر مؤلماً وغير مؤكد.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »