اخبار دولية
أخر الأخبار

كتب د.زياد منصور:على حافة الاشتعال: باكستان وأفغانستان بين الحرب الشاملة وصراع النفوذ الإقليمي

اندلعت مواجهة شاملة بين باكستان وأفغانستان، في سياقٍ يتجاوز الخلافات الحدودية التقليدية ليعكس تداخلًا معقّدًا بين البنية القبلية، والحسابات الجيوسياسية، وصراع القوى الكبرى في آسيا.

على حافة الاشتعال: باكستان وأفغانستان بين الحرب الشاملة وصراع النفوذ الإقليمي
✍️✍️كتب الدكتور زياد منصور 

 

اندلعت مواجهة شاملة بين باكستان وأفغانستان، في سياقٍ يتجاوز الخلافات الحدودية التقليدية ليعكس تداخلًا معقّدًا بين البنية القبلية، والحسابات الجيوسياسية، وصراع القوى الكبرى في آسيا.

 

تُعدّ المناطق القبلية في غرب باكستان—وخاصة إقليم خيبر بختونخوا والمناطق المحاذية لخط دوراند—ذات أغلبية بشتونية، وهي الامتداد الديموغرافي للمجموعة العرقية الرئيسة في أفغانستان. ويشكّل البشتون العمود الفقري لـحركة طالبان، التي يمزج حكمها بين التأويلات السلفية للشريعة ومنظومة الأعراف القبلية المعروفة بـ«البشتونوالي»، بما تحمله من قيم الثأر والضيافة والاستقلالية القبلية.

 

ازدواج السلطة في المناطق القبلية

تتسم البنية السياسية في المناطق القبلية الباكستانية بنوع من الازدواجية؛ إذ تُدار الحياة الاجتماعية وفق الأعراف البشتونية التقليدية، بينما تخضع الإدارة الرسمية—ولا سيما المؤسسة العسكرية—لسلطة الدولة المركزية في إسلام آباد. هذا التوتر البنيوي بين الولاء القبلي والسلطة الوطنية أسهم تاريخيًا في هشاشة الاستقرار على جانبي الحدود.

 

صراع يتجاوز الحدود: الهند والصين في الخلفية

لا يمكن فهم التصعيد دون إدراك دور القوى الإقليمية. فـباكستان ترتبط بشراكة استراتيجية وثيقة مع الصين، تجسّدها مشروعات كبرى مثل «الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني». في المقابل، عززت الهند علاقاتها بأفغانستان عبر الدعم التنموي والتعاون السياسي. وبذلك، يبدو النزاع—في أحد أبعاده—كأنه صراع نفوذ غير مباشر بين قوتين آسيويتين صاعدتين، ولكن على أرضٍ إسلامية.

 

موقع روسيا وإمكانات الوساطة

تحتفظ روسيا بعلاقات عمل مع الصين والهند على السواء، كما طوّرت قنوات تواصل مع كلٍّ من باكستان وأفغانستان خلال العقدين الأخيرين. هذا التموضع يمنح موسكو هامشًا نظريًا للعب دور الوسيط، خصوصًا في ظل تراجع الحضور الأمريكي في باكستان مقارنةً بمرحلة «الحرب على الإرهاب».

شهدت العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد توترًا متزايدًا، ولا سيما في عهد عمران خان، الذي سعى إلى تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية لبلاده قبل إقصائه من السلطة. أما أفغانستان، بعد الانسحاب الأمريكي، فتتعامل بحذر مع الولايات المتحدة، في ظل واقع سياسي جديد فرضته عودة طالبان إلى الحكم.

 

سيناريوهات التصعيد واحتمالات الردع

يكتسب المشهد خطورة إضافية إذا ما تزامن مع تصعيد أوسع في الإقليم—كاحتمال مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران—إذ قد تتشابك الجبهات. وتمتلك باكستان قدرات نووية، ما يطرح—نظريًا—فرضيات استخدام أسلحة نووية تكتيكية، وإن كان هذا الاحتمال يظل شديد الخطورة سياسيًا وعسكريًا نظرًا لتداعياته الدولية.

على المستوى الميداني، تُظهر الخبرة التاريخية أن إخضاع المناطق الجبلية ذات الطابع القبلي مهمة معقّدة؛ فالمقاتلون المحليون يعتمدون أساليب حرب العصابات، مستفيدين من التضاريس الوعرة والروابط الاجتماعية المتينة، ما يجعل الحسم العسكري السريع أمرًا غير مرجّح.

 

خلاصة

يتصاعد التوتر بين باكستان وأفغانستان في سياقٍ يتداخل فيه العامل القبلي مع الحسابات الإقليمية والدولية. وبينما تتشابك مصالح الصين والهند، وتبحث روسيا عن دورٍ توفيقي، يبقى احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع قائمًا، ما لم تُفعَّل قنوات الوساطة ويُعاد ضبط التوازنات الأمنية على جانبي الحدود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »