
“الغباء: سجنٌ بلا جدران… ودمارٌ باسم البساطة”
✍️كتبت المربية فاطمة يوسف بصل.
في هذا العالم المزدحم بالعقول، يبقى الغباء أشدّ الأوبئة فتكًا…
ليس لأنه يُضحك أحيانًا، بل لأنه يقتل الحقيقة، يُطفئ شموع الفهم، ويصنع من الخطأ طريقًا، ومن الجهل عقيدة.
الغباء ليس سذاجة بريئة، بل صخرة تقف في وجه التقدّم، حائط يعاند كل فكرة، وسدّ أمام كل محاولة للتغيير.
إنه سجن لا جدران له، لكن من فيه يرفض الخروج،
ويقاتل دفاعًا عن قضبان لا يراها…
الغباء لا يعني قلة المعرفة فقط، بل هو رفضها عندما تُعرض.
تجده في من يجادل بلا فهم، ويصرّ على رأي خاطئ رغم كل الأدلة، ويهاجم من يختلف معه لا لأنه مخطئ، بل لأنه “جرؤ على التفكير”.
قال المتنبي:
“لكل داء دواء يُستطبّ بهِ… إلا الحماقة أعيت من يُداويها”
وهنا تختصر بيت الشعر حكمة العصور: أن الغباء ليس عجزًا في الذكاء، بل هو عناد في الجهل.
مسؤول يتمسّك بسياسة فاشلة ويبررها كل مرة بحجج سطحية، غير مدرك أنه يغرق شعبه في مزيد من الأزمات.
– شخص يرفض التعلّم، ويصف كل فكرة جديدة بأنها “مؤامرة”، فيقود نفسه ومحيطه نحو الظلام.
– في وسائل التواصل، يلمع الجهل أحيانًا أكثر من الحكمة، وتنتشر الخرافة أسرع من المعلومة، لأن الغباء أحيانًا صاخبٌ… والعقل هادئ.
الغباء ليس مرضًا في العقل فقط، بل أحيانًا في الضمير.
هو أن ترى الألم وتضحك، أن تسمع الصراخ وتتجاهل، أن تعيش في كوكبك الخاص وتظن أنك محور الكون.
ليس أخطر ما في الغباء أنه موجود، بل أنه يعتقد أنه عبقري.
وهنا المأساة.
فالحذر كل الحذر من أن نصير أعداء العقل دون أن ندري…
فالغباء لا يقتل بفعلٍ، بل بعدم الفعل.
وبصمتنا عن مواجهة الغباء، نصنع منه طاغية يتوّج نفسه على العقول.
في نهاية المطاف، الغباء ليس مجرد نقص في الفهم، بل هو رفض واعٍ للنور حين يُعرض، وعناد قاتل في حضرة العقل. هو آفة إذا تسللت إلى النفوس قتلت الحلم، وإذا انتشرت في المجتمعات عطّلت التقدّم، وجعلت من الباطل حقًا يُصفّق له الجهلاء.
فلنحذر أن نُصفّق للغباء، أو نمنحه منابر، أو نبرره بسذاجة.
ففي عالم تتصارع فيه العقول، لا مكان لمن يختار أن يبقى في الظلمة، رافضًا أن يرى النور حتى لو أحرقه.
فالغباء ليس قَدَرًا… لكنه خيار،
ومن يختاره، لا يظلم نفسه فقط، بل يُفسد الأرض من حيث لا يشعر.



