كتب د. أحمد مصطفى:مسرح الأوهام في ميونيخ: كيف سيفقد الغرب السيطرة على المشهد في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026
ميونيخ — مع استقرار برد الشتاء البافاري فوق أروقة فندق Hotel Bayerischer Hof، ينعقد مؤتمر ميونيخ للأمن الثاني والستون بين 13 و15 فبراير 2026 تحت عنوان بدا وكأنه التقط اللحظة دون قصد: "تحت التدمير".

مسرح الأوهام في ميونيخ: كيف سيفقد الغرب السيطرة على المشهد في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026
📰✍️د. أحمد مصطفى
مدير ومؤسس مركز آسيا للدراسات – مصر
ميونيخ — مع استقرار برد الشتاء البافاري فوق أروقة فندق Hotel Bayerischer Hof، ينعقد مؤتمر ميونيخ للأمن الثاني والستون بين 13 و15 فبراير 2026 تحت عنوان بدا وكأنه التقط اللحظة دون قصد: “تحت التدمير”.
غير أن ما سيجري خلال الأيام الثلاثة لن يكون مراجعة جادة لتراجع الغرب، بقدر ما سيكون عرضًا منظمًا للإنكار، يكشف عن تصدعات داخل NATO وإفلاس التفكير الاستراتيجي عبر الأطلسي أكثر مما يستطيع أي بيان ختامي الاعتراف به.
لطالما قدّم المؤتمر نفسه بوصفه المنتدى الأول للسياسة الأمنية الدولية.
إلا أن نسخة 2026 ستكشف ما هو أكثر إزعاجًا: حدثًا تهيمن عليه المصالح المؤسسية، تعرقله تناقضاته الداخلية، ويتجاهل التحولات البنيوية التي تعيد رسم خريطة القوة العالمية. النتيجة لن تكون منصة حلول، بل مرآة تعكس تسارع التراجع الجيوسياسي للغرب.
مكنزة الأمن: حين تتحول الاستراتيجية إلى عرض استشاري
لفهم شعور الفراغ الذي يخيّم على المؤتمر هذا العام، يجب تتبّع المال — والمستشارين. لأكثر من عقد، لعبت شركة McKinsey & Company دور “الشريك المؤسسي” للمؤتمر، مقدّمة البيانات والرسوم البيانية، والأهم الإطار السردي لتقرير ميونيخ الأمني السنوي. ورغم نفيها امتلاك سلطة تحريرية، فإن بصمتها حاضرة في كل زاوية: من التركيز على دمج الصناعات الدفاعية، إلى تبني مفهوم “المرونة” كعدسة لفهم التحديات الأمنية.
المسألة ليست دعمًا تقنيًا بريئًا، بل تمثل تحولًا في خطاب الأمن نحو منطق الشركات، حيث تُختزل التعقيدات الجيوسياسية إلى قوالب إدارية. للشركة مصلحة مباشرة في تعزيز الإنفاق الدفاعي وإعادة هيكلة الصناعات، وهي تحولات تحتاج — بطبيعتها — إلى خدمات استشارية مكلفة. أن تقوم مؤسسة ألمانية ترعاها الدولة بالاستعانة المكثفة بشركة أمريكية لصياغة بنيتها الفكرية، يطرح سؤالًا صريحًا: من يخدم المؤتمر فعليًا؟
سينعكس ذلك على جدول الأعمال: جلسات عن “القدرة الصناعية وسلاسل الإمداد السيادية” و”التحول الرقمي للناتو” أقرب إلى عروض تقديمية منها إلى نقاشات استراتيجية. أما القضايا الأعمق — تآكل المعايير الديمقراطية، تسليح الاعتماد الاقتصادي، انهيار التعددية — فستُطرح بلغة عامة تتجنب الخلاصات السياسية الحادة.
أزمة هوية الناتو
سيصل NATO إلى ميونيخ وهو يواجه أزمة وجودية غير معلنة. الولايات المتحدة، تحت إدارة شككت علنًا في قيمة الالتزامات الأمنية الأوروبية، سترسل وفدًا برئاسة وزير الخارجية Marco Rubio — حضور سيبدو أقرب إلى وصاية منه إلى شراكة.
السفير الأمريكي لدى الحلف Matthew Whitaker سيؤكد أن واشنطن لا تسعى لتفكيك الناتو، رغم أن سياسات الإدارة — التي وصفها تقرير المؤتمر ذاته بأنها “سياسة تدمير” — قوضت أسسه.
المطالبة بإنفاق 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، التلويح بورقة غرينلاند، التراجع عن دعم أوكرانيا — هذه ليست تصرفات حليف مطمئن، بل ممارسات أقرب إلى منطق الابتزاز.
في المقابل، سيقدم المستشار الألماني Friedrich Merz والرئيس الفرنسي Emmanuel Macron خطابات حماسية عن السيادة الأوروبية، دون التزامات ملموسة. أوروبا لا تزال تعتمد على المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها تفتقر في الوقت ذاته إلى الإرادة السياسية لبناء استقلالية استراتيجية حقيقية.
أما دعوة رئيس المؤتمر Wolfgang Ischinger إلى “إعادة بناء الثقة عبر الأطلسي”، فستبدو أقرب إلى أمنية بروتوكولية.
فالثقة لا تُبنى في قاعات الكوكتيل، بل على المصالح المتبادلة والالتزامات الصلبة — وهما عنصران غائبان.
العامل الصيني
بينما ينشغل الغرب بخلافاته، تتحرك بكين بهدوء. حضور وزير الخارجية الصيني Wang Yi وخطابه المحسوب سيؤكد قدرة الصين على استثمار الانقسام الأطلسي. بكين فتحت قنوات دبلوماسية مكثفة مع عواصم أوروبية، محاولة اللعب على التناقض بين بروكسل وواشنطن.
زيارة وانغ إلى المجر قبل المؤتمر، ولقاؤه بحكومة تُعد الأكثر قربًا من موسكو داخل الاتحاد الأوروبي، رسالة واضحة: الصين تبني شبكات نفوذ بديلة تتجاوز المؤسسات الغربية التقليدية.
المشكلة أن مؤتمر ميونيخ سيتعامل مع الصين كموضوع نقاش، لا كتحدٍ استراتيجي حاسم. بينما تمضي بكين في بناء نظام دولي موازٍ عبر مبادرات وتحالفات جديدة، يكتفي الغرب بإدارة نقاشات نظرية حول “إدارة التنافس”.
الطاقة… نقطة الضعف الأوروبية
ثلاث سنوات بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، لا تزال أوروبا تعاني هشاشة بنيوية في ملف الطاقة. ستدور النقاشات حول “أمن الطاقة” و”التنويع”، لكن دون مراجعة جدية لحقيقة أن اعتماد أوروبا على الطاقة المستوردة — من روسيا سابقًا، ومن الولايات المتحدة والشرق الأوسط لاحقًا — يقيد خياراتها الاستراتيجية.
أنفقت أوروبا مليارات لفك الارتباط مع الغاز الروسي، لتجد نفسها معتمدة على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، بشروط سياسية ضمنية. أما التحول الأخضر، ففتح باب منافسة شرسة مع الصين على المعادن الحيوية وسلاسل التوريد.
الرعاة من شركات الطاقة والدفاع لن يكونوا متحمسين لإبراز هذه الحقائق. وهكذا تُستبدل المصارحة بمفردات عامة مثل “المرونة” و”التنويع”، بينما يظل السؤال الجوهري بلا إجابة: هل أوروبا لاعب مستقل أم ساحة تنافس؟
الرابحون الحقيقيون
الحقيقة التي لن يصرّح بها المنظمون: الغرب يخسر، والمؤتمر نفسه أحد أعراض هذا التراجع.
روسيا، رغم العقوبات والعزلة، أظهرت قدرة على التكيف في أوكرانيا. إيران عززت موقعها كمورد عسكري مهم لموسكو ووسعت نفوذها الإقليمي. كوريا الشمالية اكتسبت خبرة ميدانية وروابط أعمق مع روسيا. والصين راقبت وتعلمت وأعادت تموضعها استعدادًا لمرحلة ما بعد الهيمنة الغربية.
هذا ليس تحالفًا رسميًا، بل تقاطع مصالح بين قوى استنتجت أن النظام الغربي يترنح. يكفيها استثمار الانقسامات وتسريع الاتجاهات القائمة.
مؤتمر ميونيخ 2026، بأجندته الضعيفة وطابعه المؤسسي، سيخدم هذا المسار دون قصد. سيمنح صورة تماسك، بينما الواقع تفكك.
في الختام
مع مغادرة الوفود ميونيخ، ستذوب الثلوج في شوارع بافاريا، لكن الجليد في العلاقات عبر الأطلسي سيبقى. سيغدو المؤتمر مسرحًا للأوهام: مكانًا تطمئن فيه النخب الغربية نفسها بأنها لا تزال مركز العالم، بينما يتحول مركز الثقل بعيدًا.
التحديات الكبرى — تغير المناخ، الأوبئة، الانتشار النووي، حوكمة الذكاء الاصطناعي — تتطلب تعاونًا حقيقيًا. لكن التعاون يحتاج إلى ثقة وقيم مشتركة ومؤسسات ذات مصداقية. وهذه العناصر باتت نادرة.
لن يُذكر مؤتمر ميونيخ للأمن 2026 بما أنجز، بل بما كشف: غرب فقد بوصلته الاستراتيجية، منظومة تحالفات في تآكل، وقوى صاعدة لم تعد بحاجة لحضور المؤتمر كي تشكل العالم. اللعبة تغيّرت. لكن ميونيخ لم يلحظ بعد.



