اخبار دولية
أخر الأخبار

كتب د.محمد هزيمة :بين خيمة صفوان وطاولة عمان: قرار وقدرة

دائمًا يقال التاريخ يعيد نفسه ولو من أبواب مختلفة حتى وإن تغيرت الوجوه وتبدلت الظروف، فالبعض يعبر وينسى وقلة يخلدون على صفحات الزمن بصمة لن تمحوها الأيام، فيها كل نفس بما كسبت رهينة، حقيقة تفصل بين من صنع المجد ومن باع القضية، مسافة بعيدة لا يمكن تجاوزها وطمس معالمها أو تشويه تضاريس محفورة بذاكرة شعوب وكهوف معاناة في تربة يأس الأمل.....

بين خيمة صفوان وطاولة عمان: قرار وقدرة

📰✍️كتب: د. محمد هزيمة | كاتب سياسي وباحث استراتيجي

دائمًا يقال التاريخ يعيد نفسه ولو من أبواب مختلفة حتى وإن تغيرت الوجوه وتبدلت الظروف، فالبعض يعبر وينسى وقلة يخلدون على صفحات الزمن بصمة لن تمحوها الأيام، فيها كل نفس بما كسبت رهينة، حقيقة تفصل بين من صنع المجد ومن باع القضية، مسافة بعيدة لا يمكن تجاوزها وطمس معالمها أو تشويه تضاريس محفورة بذاكرة شعوب وكهوف معاناة في تربة يأس الأمل فيها طحالب تنمت أشواك في حقل استسلام، لتحصد مواسم فشل تجرعها الشعب سلال مملوءة بوهم في سوق تجارة رائجة تبيع المواقف تشتري الخنوع تقتات بقاء على قيد سلطة تحصى ثروات قادتها وأرصدتهم، تراقب استنفاذ قدرتهم وعمر حكمهم المرهون بقرار سلمت أنه للامريكي الأقوى.

بمعركة صعبة غاب فيها التوازن وخسر العراق كل أوراقه، أحرقها قبل بداية المواجهة والتي انتهت بتوقيع صك استسلام على أرض العراق في مكان عرف بـ خيمة صفوان الذي سيبقى وجعا في ذاكرة الأمة لجرح نازف على مر التاريخ نكأ وحدة الأمة وسلطان وحدتها.

لتدخل بغداد اسمًا في التاريخ وتدخل معها الشرق الأوسط كله حالة جديدة، ويسجل تاريخ الثالث من آذار لعام واحد وتسعين من القرن الماضي بداية استعمار متجدد أسقط العراق في غياهب نهاية دفع فيها الشعب العربي ثمن مغامرة احتلال الكويت بعد حرب ضروس على الجمهورية الإسلامية في إيران بدعم عربي خليجي وغطاء أمريكي غربي، وضعت فيها واشنطن حجر الأساس لـ شرق أوسطها الجديد القائم على إسرائيل الكبرى وإخضاع المنطقة وشعوبها للسيطرة على قرارها ومقدراتها.

وتويجًا لأحادية قطبية تفردت فيها أمريكا بقيادة العالم بعصا غليظة، مستغلة غياب التوازن الذي أورث العالم أزمات وحروب لا تحصى، لم يسجل أن أمريكا غابت عن أي منها حتى لو كانت حروبًا بالوكالة قلبت أنظمة وانتهت حكومات قسمت دول واحتلت شعوبًا، مرحلة ضجت بالأزمات المالية والسياسية والعسكرية.

حتى وصلت إلى قلب الشرق الأوسط وتحديدًا إيران، التي لم يتقبل الأمريكي منذ خمسة عقود خروجها عن طاعته ونهاية دورها “شرطي الأمريكي في الخليج”. ولم تقف عند هذا بل تحول دستورها بتبني دعم الشعوب المستضعفة وفي مقدمها فلسطين مبدأ ثابت وأساس، فإعلن حربه عليها منذ اللحظة الأولى ونجاح الثورة الإسلامية بذريعة مواجهة مد الثورة ومحاربة تصدير الوعي للشعوب، والتي ترجمتها طهران بدعم المقاومة بحركاتها التحررية المناهضة للأميركي والنظام الرأسمالي الاستعماري بثبات في الموقع والموقف.

وضعها هذا بمواجهة مشاريع الهيمنة الأمريكية الغربية بحرب مفتوحة مباشرة مع العدو الإسرائيلي، الذي يعيش هاجس الوجود أمام تعاظم قوة الجمهورية الإسلامية ودورها، فكان البرنامج النووي السلمي لإيران بوابة لمحاولة الدخول إلى قلب ظهران لتقويض نظامها الإسلامي الذي تحول إلى قلعة تحتضن قضية الشعوب المستضعفة وحصن يدافع عن الأمة ودرع المقاومة التي تدافع عن أرضها وحقها بالحياة.

يضاف لموقعها وواقعها الإقليمي ودورها ركيزة أساسية ضمن وحدة الأقطاب الأوراسية، مستفيدة من جغرافيتها الطبيعية وتكاملها مع روسيا العظمى والعملاق الصيني في قيامة نظام عالمي تعددي ينهي أحادية القطب الأمريكي، والخلل في التوازنات التي ملأتها أمريكا بحرب كونية لم توفر الحلفاء أو الأعداء، مرحلة هي الأصعب بتاريخ أمريكا بعد فشل حربها الأولى على إيران.

وطلب ترامب إنهاء الجولة التي لم تقنعه نتائجها فأعاد الكرة معتمدًا على المخربين داخل شوارع إيران، الذين انتهت حركتهم قبل اكتمال جهوزية جيشه وأساطيله واستعداد إسرائيل لحرب أراد تحقيق أهدافها قبل أن تبدأ، تهديدًا وعيدًا، تهويلاً واستعراضًا، لكن حسابات ترامب تغيرت وتكسرت أحلامه، ونقل المواجهة من جبهة الميدان إلى طاولة عمان وفق ضوابط حددها الإيراني بنود من موقع المنتصر والقادر مستفيدًا من كل الظروف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »