
لا تجعل من نفسك كتابًا مفتوحًا… فبعضهم لا يقرأ، بل يمزّق.
📰✍️ كتبت : فاطمة يوسف بصل
تاهت الأقنعة في متاهات الزمن، فصار الصدق جريمة، والانكشاف ضعفًا، والقلب المفتوح ساحةً للعبث. فاحفظ سرك، وأغلق أبوابك، ولا تترك قلبك عرضةً للرياح.
في البدء، لم يكن القلب صفحة، بل كهفًا. يدخله من يعرف الصمت، ويضلّ فيه من جاء يحمل مصباح الفضول. الأسرار لا تُقال، بل تُحمل كأحجار في الصدر، ومن يفرغ صدره يخفّ… ثم يتلاشى.
ليس كل نور هداية، فبعضه يفضح، وليس كل اقتراب وصالًا، فبعضه اقتحام مقنّع بالمحبّة. في طريق المعرفة، تتعلّم أن تُغلق كي تبقى، وأن تحتجب كي لا تُستهلك. فالروح التي تُرى كثيرًا تفقد هيبتها، والقلب الذي يُكشف بلا ميزان يُؤخذ… ولا يُعاد.
حين يصبح الصدق فخًّا في هذا العالم، الصدق لا يُكافأ، والانكشاف لا يُحترم. كل ما تقوله يُحفظ في الذاكرة لا ليُفهم، بل ليُستدعى عند أول خصومة. وكل ضعف تُظهره يتحوّل زرًّا تُضغط عليه يدٌ تعرف جيدًا أين يؤلمك أكثر.
الناس لا يفتحون القلوب بدافع الفهم، بل بدافع السيطرة. لا يبحثون عن المعنى، بل عن الشقوق. يريدون أن يعرفوا من أين ينزف الضوء لا كيف يضيء.
أن تكون كتابًا مفتوحًا يعني أن تترك صفحاتك في ساحة رياح، وأن تتوقع من العابرين أن يقلبوها بلطف. لكن العابرين يمزّقون الصفحة ثم يسألونك ببرود: لماذا تغيّرت؟
حين يصبح الجدار فعل نجاة الحدود ليست قسوة، بل وعي متأخر. من لا يبني جدارًا حول روحه تغزوه الأقدام. ومن لا يقول «لا» يُمحى بالتدريج حتى لا يبقى منه إلا ظلّ تعبٍ قديم.
قل «لا» كما يُغلق الجفن في وجه الغبار. أغلق الأبواب لا لأنك بلا قلب، بل لأن الريح لا تفرّق بين بيتٍ وآخر.
أسرارك ليست صلاة جماعية، ومشاعرك ليست ماءً مباحًا، وحياتك الخاصة ليست ساحة تجارب لضمائر الآخرين. من لا يحترم صمتك سيشوّه صوتك.
رؤية الأنياب خلف الابتسامة ليس كل من أنصت كان يسمعك، بعضهم كان يعدّ المسافة بين قلبك وسكينه. وليس كل من اقترب كان دافئ النية، بعضهم كان يقيس مدى صلاحيتك للاستخدام.
هناك من لا يريدك شجرةً ولا يريدك حطبًا، يريدك ظلًا مؤقتًا يستظل به، ثم يرحل حين تتعب الأغصان. الخذلان الحقيقي ليس في الطعنة، بل في لحظة الإدراك: أنك فتحت صدرك في ساحة رمي.
حين تتحوّل القسوة إلى حكمة أن تحمي نفسك يعني أن تُتَّهم بالجفاء. وأن تختار ذاتك يعني أن تُسقِط امتياز الوصول عن كثيرين.
اعتنِ بعقلك، لأنه البيت الأخير الذي ستعود إليه مكسورًا. واعتنِ بجسدك، فالألم حين يُهمَل يتحوّل إلى صمتٍ ثقيل يسكن العظام. ابحث عن سلامك حتى لو كان وحيدًا، فالسكينة المنفردة أرحم من ضجيج ينهشك ببطء.
لا تكن فريسة مهذّبة كن واضحًا كحدّ السكين. لا تبرّر، فالإفراط في الشرح يشبه الاعتذار عن وجودك. لا تتوسّل، فالقلوب التي لا ترحم لا تشبع.
أنت لست ملجأً عامًا، ولا جسرًا يعبره الجميع. لا تجعل روحك مكبًّا لما فشل الآخرون في احتماله.
بعض الناس لا يريدون النجاة، يريدون شاهدًا على غرقهم
الإنسان ليس كتابًا للعرض، بل سرًّا يُمتحن. وأنت كنز، لكن الكنز الذي يُترك بلا حارس تأكله الأيدي قبل العيون. فلا تكشف كل خرائطك، ولا تفتح كل جروحك للضوء، ولا تمنح مفاتيحك لمن لا يعرف قيمة الأبواب.
كن غامضًا كما تُخفي النار شرارتها، وقاسيًا كما تحمي الصخور قلب الجبل، وحكيمًا لتعرف أن من يستحقك سيقرأك بتواضع… لا يمزّقك بسطحية.
“في النهاية، لا تبحث عن قارئ لك، بل عن حارس لسرك. فالكنز الحقيقي ليس في أن تُقرأ، بل في أن تُحترم.
وخيرُ جليسٍ في الزمان كتابٌ
إذا أغلقت دونك النوافذُ.



