اخبار دولية
أخر الأخبار
قولوا للسيد طوني بلير: أما آن لضميرك أن يتحرّك؟
سوريا لا تحتاج مزيدًا من الوصاية، ولا مزيدًا من التجارب الفاشلة. تحتاج دولة تحمي جميع أبنائها، وتفصل الدين عن آلة القتل، وتعيد الاعتبار للإنسان بوصفه قيمة لا غنيمة. أما الاستمرار في تغذية هذا المشروع، فمعناه مزيد من الدم، ومزيد من الخراب، ومزيد من الوحوش التي لن تتوقف عند حدود سوريا

قولوا للسيد طوني بلير: أما آن لضميرك أن يتحرّك؟
✍️ عمر حمد
باحث في الشؤون الاستراتيجية .
في ظلّ الحكم السلفي الجهادي القائم في سوريا اليوم، لم تعد الأقليات مجرّد مكوّنات وطنية تعيش قلق التحوّلات، بل تحوّلت إلى وليمة مفتوحة على مائدة الوحوش، تُستباح كلّما دعت الحاجة السياسية أو الأمنية أو العقائدية. هذا ليس توصيفًا انفعاليًا، بل خلاصة مسار دمويّ بات واضحًا لكل من يملك شجاعة النظر.
مجازر بحقّ العلويين تُرتكب تحت عناوين الثأر والتطهير، وجرائم ضدّ الدروز والشيعة تُبرَّر بخطاب التكفير، وتفجير كنائس وقتل مسيحيين باسم “الجهاد”، واستهداف المرشديين، ثم تصفية السنّة المعتدلين من صوفيين وأشاعرة لأنهم لا يشبهون النموذج المتطرّف. واليوم، جاء الدور على الأكراد، في حلقة جديدة من مسلسل الإلغاء المنهجي لكل من يرفض الانصهار في مشروع واحد: السلفية الجهادية السياسية.
ما يجري في سوريا ليس انفلاتًا أمنيًا ولا أخطاء مرحلة انتقالية، بل منظومة حكم قائمة على العنف العقائدي، ترى في التنوع خطرًا، وفي التعددية كفرًا، وفي الدولة الوطنية عائقًا أمام مشروعها. إنها سلطة لا تحكم بالقانون، بل بالفتوى، ولا تدير المجتمع، بل تُدجّنه بالخوف. وكلما ضاقت بها التناقضات، فتحت أبواب الدم لتعيد إنتاج السيطرة.
وهنا لا يمكن فصل الحاضر عن الجذور. قولوا للسيد طوني بلير، أحد مهندسي الخراب الكبير في منطقتنا، إن هذه الوحوش لم تولد من فراغ. لقد صُنعت في مختبرات السياسات الغربية، تحت شعارات “الديمقراطية” و“تغيير الأنظمة”، ورُعيت حين كانت تؤدي وظيفة، وغُضّ الطرف عنها حين كانت تحرق مجتمعاتنا. أما آن الأوان لأن يتحرّك ضميرك؟ أما آن لأن تُغلق مشروعك الذي فتح الباب واسعًا أمام الجهادية الإسلامية السلفية السياسية لتتحوّل إلى سلطة وسكين؟
إن الصمت الدولي، والتواطؤ الإقليمي، والبراغماتية الغربية، كلها تشارك اليوم في الجريمة. فحين تُترك الأقليات وحدها في مواجهة وحش أيديولوجي، وحين يُختزل الاستقرار بمصافحات مع أمراء الدم، يصبح العالم شريكًا في المذبحة، ولو ادّعى الحياد.
سوريا لا تحتاج مزيدًا من الوصاية، ولا مزيدًا من التجارب الفاشلة. تحتاج دولة تحمي جميع أبنائها، وتفصل الدين عن آلة القتل، وتعيد الاعتبار للإنسان بوصفه قيمة لا غنيمة. أما الاستمرار في تغذية هذا المشروع، فمعناه مزيد من الدم، ومزيد من الخراب، ومزيد من الوحوش التي لن تتوقف عند حدود سوريا.
قولوا لطوني بلير، ولكل من يشبهه: الضمير لا يسقط بالتقادم، والدم لا يُمحى بالتصريحات. لقد آن الأوان لإغلاق هذا المشروع… قبل أن يبتلع ما تبقّى من إنسان في هذه المنطقة.



