اخبار دولية
أخر الأخبار
كاراكاس والكاوبوي.. كيف تُصدِّر الولايات المتحدة أزماتها… وما الذي ينتظر فنزويلا؟
ما حصل في فنزويلا لم يكن حدثًا استثنائيًا، ولا يمكن اعتباره انحرافًا عابرًا في السلوك السياسي الأميركي، بل هو صورة واضحة كشفت حقيقة واشنطن وعقيدتها الراسخة: التدخّل وفرض الإرادة بالقوة، أو في أفضل الأحوال الوصاية.

كاراكاس والكاوبوي.. كيف تُصدِّر الولايات المتحدة أزماتها… وما الذي ينتظر فنزويلا؟
📰✍️: الدكتور محمد هاني هزيمة – محلل سياسي وخبير استراتيجي
ما حصل في فنزويلا لم يكن حدثًا استثنائيًا، ولا يمكن اعتباره انحرافًا عابرًا في السلوك السياسي الأميركي، بل هو صورة واضحة كشفت حقيقة واشنطن وعقيدتها الراسخة: التدخّل وفرض الإرادة بالقوة، أو في أفضل الأحوال الوصاية.
أسلوبٌ اعتمدته الولايات المتحدة حين نصّبت نفسها شرطيًّا للعالم، بتفويضٍ استمدّته من فائض قوتها لا من القانون الدولي، فضربت سيادة الدول، وتجاهلت الكلفة الإنسانية والسياسية لتدخلاتها في حياة الشعوب واستقرار الأمم.
النهج الذي اعتمدته أميركا، وأفرطت فيه منذ قيام النظام العالمي الحالي حتى اليوم، بلغ ذروته في عهد دونالد ترامب، حين سقطت آخر أوراق التين عن الجسد الأميركي، وانكشفت واشنطن أمام العالم، تمارس أفعالًا لا تليق بدولة، بل تُشبه أعمال العصابات.
فالاعتداء على دولة مستقلة جريمة وسمت سجلّ الولايات المتحدة ماضيًا وحاضرًا، من العراق إلى ليبيا وتشيلي، وقبلهم وبعدهم ساحات لا تُعدّ ولا تُحصى، دفعت أثمانًا باهظة من دماء الأبرياء ودمار الأوطان باسم «الديمقراطية الأميركية»؛ ديمقراطية لم تُنتج سوى الخراب، والتفكك الاجتماعي العميق.
العراق وسوريا وليبيا… ديمقراطية الخراب
العراق الذي بشّرت به واشنطن نموذجًا ديمقراطيًا للشرق الأوسط، تحوّل إلى مثال صارخ لدولة أنهكتها الانقسامات الطائفية، والعنف المسلح، والفساد البنيوي، وكان المواطن الخاسر الأكبر في معادلات الهيمنة.
العراق الذي بشّرت به واشنطن نموذجًا ديمقراطيًا للشرق الأوسط، تحوّل إلى مثال صارخ لدولة أنهكتها الانقسامات الطائفية، والعنف المسلح، والفساد البنيوي، وكان المواطن الخاسر الأكبر في معادلات الهيمنة.
وفي سوريا، كشف التدخل الأميركي نتائج كارثية: تفكك بنية الدولة، زعزعة الاستقرار، تمدّد الجماعات المسلحة، فيما دفع الشعب وحده فاتورة الصراع.
أما ليبيا، فقد تجسّد فيها التدخل الغربي بأبشع صوره، حين أُطيح بمؤسسات الدولة ودُفعت البلاد إلى نفق فوضى مفتوح.
كل ذلك جرى باسم «الديمقراطية»، التي لم تكن سوى غطاء لمصالح استراتيجية واقتصادية وعسكرية، على حساب الشعوب واستقرارها، لتثبت حقيقة لا تقبل الشك: أن الولايات المتحدة ما تزال محكومة بعقلية أفلام الكاوبوي، تفرض مصالحها من فوهة البندقية، وتُصيغ القوانين على مقاس رغباتها، وتطالب العالم بالتصفيق.
عقيدة القوة وإدارة الفوضى
اختزلت واشنطن العالم بمنطق ساذج قسّم البشر إلى «خير وشر» وفق مقياس مشروعها، وأثبتت أنها عامل رئيسي في زعزعة الأمن الدولي، عبر الحروب، وإدارة الفوضى، ورعاية الانقلابات، وخلق أزمات تُدار بأدوات محلية ودماء غير أميركية.
اختزلت واشنطن العالم بمنطق ساذج قسّم البشر إلى «خير وشر» وفق مقياس مشروعها، وأثبتت أنها عامل رئيسي في زعزعة الأمن الدولي، عبر الحروب، وإدارة الفوضى، ورعاية الانقلابات، وخلق أزمات تُدار بأدوات محلية ودماء غير أميركية.
فنزويلا… الصراع على الثروة لا الديمقراطية
فنزويلا نموذج واضح لحرب سيطرة تقودها الولايات المتحدة على دولة مستقلة، غُلّفت بشعارات حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية، فيما الهدف الحقيقي هو الثروات الطبيعية: النفط والمعادن، إذ تمتلك كاراكاس أحد أكبر الاحتياطات في العالم، ولا يُسمح لها برسم سياساتها بعيدًا عن المصالح الأميركية.
فنزويلا نموذج واضح لحرب سيطرة تقودها الولايات المتحدة على دولة مستقلة، غُلّفت بشعارات حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية، فيما الهدف الحقيقي هو الثروات الطبيعية: النفط والمعادن، إذ تمتلك كاراكاس أحد أكبر الاحتياطات في العالم، ولا يُسمح لها برسم سياساتها بعيدًا عن المصالح الأميركية.
وقد زادت الأزمة الاقتصادية الداخلية الأميركية من شراسة هذا السلوك، في ظل ديون متضخمة، تضخم متسارع، فجوة اجتماعية متسعة، وتراجع نسبي في القدرة الإنتاجية أمام صعود قوى دولية منافسة.
هذه الأزمات تُخفَّف تقليديًا عبر الهروب إلى الخارج: تصعيد سياسي أو عسكري، تنشيط الصناعة الحربية، وصناعة «عدو خارجي» صالح للاستهلاك الإعلامي والانتخابي.
بهذا المعنى، ما حدث في فنزويلا ليس شأنًا محليًا أو إقليميًا، بل صورة عن أزمة نظام دولي مختل تقوده قوة اعتادت تصدير أزماتها، وتغليف أطماعها بخطاب أخلاقي لا تعرفه السياسة الأميركية.
عقيدة مونرو بلباس جديد
العدوان على فنزويلا يعيد إحياء عقيدة مونرو، التي حكمت السلوك الأميركي في أميركا اللاتينية منذ القرن التاسع عشر. وحين يستحضرها ساكن البيت الأبيض، ولو تلميحًا، بوصفها مرجعية سياسية، يتحول ذلك إلى إعلان صريح عن استمرار منطق الوصاية والاحتكار الجغرافي، وإحياء شعار «أميركا للأميركيين»، لكن بلغة القرن الحادي والعشرين وأدواته.
العدوان على فنزويلا يعيد إحياء عقيدة مونرو، التي حكمت السلوك الأميركي في أميركا اللاتينية منذ القرن التاسع عشر. وحين يستحضرها ساكن البيت الأبيض، ولو تلميحًا، بوصفها مرجعية سياسية، يتحول ذلك إلى إعلان صريح عن استمرار منطق الوصاية والاحتكار الجغرافي، وإحياء شعار «أميركا للأميركيين»، لكن بلغة القرن الحادي والعشرين وأدواته.
الإعلام… الذراع الناعمة للعدوان
لا يكتمل المشهد دون دور الإعلام، الذراع المكمّلة للفعل السياسي والعسكري. فقبل كل تدخل، تُشن حرب دعائية تُفبرك صورة نمطية جاهزة: نظام ديكتاتوري، رئيس فاقد للشرعية، وشعب ينتظر الخلاص.
لا يكتمل المشهد دون دور الإعلام، الذراع المكمّلة للفعل السياسي والعسكري. فقبل كل تدخل، تُشن حرب دعائية تُفبرك صورة نمطية جاهزة: نظام ديكتاتوري، رئيس فاقد للشرعية، وشعب ينتظر الخلاص.
يُختزل واقع معقّد في عناوين سريعة، ويُقدَّم التدخل بوصفه واجبًا أخلاقيًا لا مشروعًا مصلحيًا.
سيناريوهات ما جرى وما سيجري
يبقى السؤال الجوهري: لماذا لم يسقط النظام في فنزويلا؟ هنا تُطرح فرضيات متعددة، أبرزها احتمال وجود تفاهم مسبق مع أركان من «الدولة العميقة»، يقوم على التضحية بمادورو مقابل بقاء النظام ومؤسساته.
يبقى السؤال الجوهري: لماذا لم يسقط النظام في فنزويلا؟ هنا تُطرح فرضيات متعددة، أبرزها احتمال وجود تفاهم مسبق مع أركان من «الدولة العميقة»، يقوم على التضحية بمادورو مقابل بقاء النظام ومؤسساته.
ففكرة إنزال أميركي وخطف رئيس دولة محصّن، دون مقاومة تُذكر، ودون تفعيل منظومات الدفاع الجوي، ودون ردّ فعل حاسم من الجيش الفنزويلي، تدعم بقوة هذه الفرضية.
صفقة بلا ضجيج
إن صحّ هذا السيناريو، فإن الربح سيكون مزدوجًا: النخبة الحاكمة والجيش يحافظون على مواقعهم، وتُخفَّف العقوبات عن الشعب، فيما يحقق ترامب نصرًا سياسيًا وإعلاميًا، ويضع يده على نفط فنزويلا دون تدمير البنية التحتية أو الغرق في حرب لا يريدها الداخل الأميركي.
إن صحّ هذا السيناريو، فإن الربح سيكون مزدوجًا: النخبة الحاكمة والجيش يحافظون على مواقعهم، وتُخفَّف العقوبات عن الشعب، فيما يحقق ترامب نصرًا سياسيًا وإعلاميًا، ويضع يده على نفط فنزويلا دون تدمير البنية التحتية أو الغرق في حرب لا يريدها الداخل الأميركي.
ترامب، بوصفه رجل صفقات، لا يريد تكرار خطأ العراق، بل يسعى إلى «النفط والاستقرار». وإذا كان جنرالات فنزويلا قادرين على تأمين ذلك بعد التخلص من «الرأس المزعج»، فسيكون التعامل معهم خيارًا مفضلًا على معارضة مشتتة لا تسيطر على الأرض. وفي هذا السيناريو، تُملأ فجوة القيادة سريعًا، وتُعاد صياغة العلاقة مع واشنطن بما يضمن بقاء النخبة في الحكم، مقابل حصول الأميركيين على مكاسبهم، ورفع الحصار عن الشعب الفنزويلي.



