اخبار دولية
أخر الأخبار

كيف يدفع اليمن ثمن صراع النفوذ بين الإقليم؟

الحريق الكبير الذي بدأ يشتعل في الخليج، وما يجري حالياً في اليمن من أحداث مخيفة، ينذر بتداعيات كارثية قد تفتح باباً آخر من أبواب الجحيم على المنطقة العربية بأسرها. وكأنه لا يكفيها ما يحدث في غزة والسودان وسوريا ولبنان من خرابٍ ودمارٍ رجع بها سنوات طويلة للوراء، وأضاع معالمها، ووضعها في عداد الدول الفاشلة

كيف يدفع اليمن ثمن صراع النفوذ بين الإقليم؟

✍🏻 مشتاق هاشم العلوي

الحريق الكبير الذي بدأ يشتعل في الخليج، وما يجري حالياً في اليمن من أحداث مخيفة، ينذر بتداعيات كارثية قد تفتح باباً آخر من أبواب الجحيم على المنطقة العربية بأسرها.
وكأنه لا يكفيها ما يحدث في غزة والسودان وسوريا ولبنان من خرابٍ ودمارٍ رجع بها سنوات طويلة للوراء، وأضاع معالمها، ووضعها في عداد الدول الفاشلة.
لقد أصبح الوضع العربي كله على شفا الانهيار التام، بفعل حروب وصراعات جعلت من المنطقة “رجل العالم المريض” الذي لم يعد يُرجى شفاؤه. يتكالب الجميع الآن على تفكيكه وتقسيمه وإغراقه في دوامة من الفوضى، حتى يسهل عليهم اختراقه والعبث بمقدراته والاستحواذ على ثرواته.
وفي خضم هذا الانهيار، يأتي التصعيد الأخير في اليمن ليكون بمثابة القشة التي قد تقصم ظهر البعير.
ففي 30 ديسمبر 2025، أقدمت السعودية على قصف سفينة أسلحة إماراتية، في خطوة كشفت عمق الصدع بين حلفاء الأمس.
تبع ذلك طلب الرئيس اليمني، بإيعاز واضح، انسحاب القوات الإماراتية. لم تكن هذه الأحداث إلا نتيجة حتمية لانهيار الدولة اليمنية، التي سقطت ضحية لتواطؤ قياداتها من جهة، وتصادم الأطماع الإقليمية على أرضها من جهة أخرى. فكيف وصلنا إلى هذه النقطة الخطيرة؟؟
لفهم ما يحدث اليوم، لا بد من العودة إلى “الطبخة” التي أُنضجت على نار هادئة. منذ العام 2011م، تحول اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ورغم أن المبادرة الخليجية هدأت الوضع مؤقتاً، إلا أن بذور الصراع كانت قد زُرعت. ثم جاءت نقطة التحول في العام 2015م، حين استكمل الحوثيون، كوكيل مسلح لإيران، انقلابهم على الدولة واسقاط العاصمة صنعاء في 21/9/2014م. هذا التهديد الوجودي على حدود المملكة العربية السعودية دفعها لإطلاق “عاصفة الحزم” في 26/3/2015م. لكن سرعان ما تكشّف أن الحرب التي أُعلنت لاستعادة الشرعية، تحولت إلى صراع نفوذ بين الشركاء أنفسهم.
وهكذا، بينما كانت الشعارات توحّد الصفوف ظاهرياً، كانت الأجندات الخفية ترسم خرائط النفوذ على الأرض. فمنذ اللحظة الأولى لدخول الجنوب، بدأت كل قوة في حياكة مشروعها الخاص. أبوظبي، بعينها على التجارة العالمية، سارعت إلى بسط سيطرتها على عدن وموانئها الحيوية، مستخدمةً “المجلس الانتقالي الجنوبي” كذراعها المحلي. هذا التحرك الإماراتي الحاسم دفع الرياض إلى تأمين خاصرتها الاستراتيجية؛ فركزت هيمنتها على حضرموت، ليس فقط لموازنة نفوذ “الحليف”، بل لتأمين منفذ ذهبي على بحر العرب يمثل بديلاً حيوياً لمضيق هرمز. وفي خضم هذا الصراع، وقفت سلطنة عُمان موقف المراقب الحذر، وعملت بصمت على تحييد المهرة لتبقى في معزل عن هذا الصراع المحموم.
هذا الصراع ليس معزولاً عن رقعة الشطرنج العالمية. إنه جزء من معركة المشاريع الكبرى، كالمنافسة بين “طريق الحرير” الصيني و“الممر الهندي” المقترح الذي يخدم مصالح أطراف دولية وإقليمية على حساب المشاريع الوطنية.
وهنا يظهر دور وظيفي جديد لبعض القوى الإقليمية، التي تعمل على رعاية الحركات الانفصالية، مستغلةً “عقيدة المحيط” القديمة التي تهدف إلى إضعاف المركز العربي عبر دعم الأطراف.
لقد وصلت دول عربية، نكبتها الأقدار بحكوماتها قبل أعدائها، إلى مرحلة باتت فيها القرارات المصيرية بيد الوكلاء والعملاء ممن باعوا ضمائرهم للشيطان. وما يحدث اليوم في اليمن، من دفع لوكلاء محليين للسيطرة على مناطق نفوذ الطرف الآخر، هو الدليل الأوضح على أن الصراع لم يعد من أجل اليمن، بل على اليمن. هذا التمادي هو ما أوصلنا إلى حافة الصدام العسكري المباشر الذي يهدد بإشعال النار في الخليج كله.
نحن أمام سيناريوهات مرعبة لم تكن ترد لنا على بال، سببها غياب المشروع الوطني، وخيانة النخب، وتغول المشاريع المستوردة والرجعية. لقد ضاع الطريق نحو نظام سياسي يمني يقبل الجميع، ويحترم مصالحه المشتركة مع دول الجوار بما يضمن المنفعة المتبادلة، لا التبعية والتفريط بالقرار السيادي. هذا هو الحلم الذي تم اغتياله على يد العملاء في الداخل والطامعين في الخارج.
لقد وصلنا الآن إلى الوضع الذي ينطبق عليه المثل العربي: “اتسع الخرق على الراتق”. وصلنا إلى حالة شبه ميؤوس منها، بعد أن خرجت الأمور عن السيطرة وأفلت الزمام. الصورة كما نراها، مرعبة وحالكة السواد، ولا تبشر بخير على الإطلاق. لم نكن يوماً أسوأ حالاً مما نحن فيه الآنولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

✍️ مشتاق هاشم العلوي

كاتب ومحلل سياسي

أبرز نقاط  الواردة في المقال

  • ✍️ اليمن تحوّل إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
  • ✍️ التصعيد الأخير ينذر بانفجار واسع في الخليج قد يتجاوز حدود اليمن.
  • ✍️ الأزمات المتزامنة في غزة والسودان وسوريا ولبنان تعكس انهيار النظام العربي.
  • ✍️ المنطقة العربية تُدفع نحو نموذج «رجل العالم المريض».
  • ✍️ الأحداث الأخيرة كشفت عمق الصدع بين السعودية والإمارات.
  • ✍️ قصف السفينة وطلب الانسحاب مؤشرات على تفكك التحالف.
  • ✍️ انهيار الدولة اليمنية نتيجة تواطؤ داخلي وتصادم أطماع خارجية.
  • ✍️ منذ 2011 واليمن يُدار كملف صراع لا كمشروع دولة.
  • ✍️ انقلاب الحوثيين شكّل نقطة التحول الأخطر في الأزمة.
  • ✍️ الحرب تحولت من استعادة الشرعية إلى صراع نفوذ.
  • ✍️ الإمارات ركزت على الموانئ والتجارة العالمية.
  • ✍️ السعودية ركزت على حضرموت كعمق استراتيجي.
  • ✍️ سلطنة عُمان عملت على تحييد المهرة.
  • ✍️ اليمن أصبح جزءًا من رقعة شطرنج عالمية.
  • ✍️ التنافس بين طريق الحرير والممرات البديلة حاضر بقوة.
  • ✍️ دعم الحركات الانفصالية أداة لإضعاف المركز العربي.
  • ✍️ القرار العربي بات بيد الوكلاء والعملاء.
  • ✍️ الصراع لم يعد من أجل اليمن بل على اليمن.
  • ✍️ التمادي يقود نحو صدام عسكري مباشر.
  • ✍️ غياب المشروع الوطني أوصل البلاد إلى انسداد شامل.
  • ✍️ المشهد العام يعكس فقدان السيطرة.
  • ✍️ الحالة تنطبق عليها مقولة «اتسع الخرق على الراتق».
  • ✍️ الصورة النهائية قاتمة ولا تبشر بانفراج قريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »