الحرب تدق ابواب أرض الصومال وستقلب الازدهار إلى جحيم..
قسّم الاستعمار الإيطالي والبريطاني الصومال إلى جزئين، فكان القسم الاكبر الذي يضم العاصمة مقديشو تحت الاستعمار الايطالي، فيما سيطرت بريطانيا على القسم الشمالي الشرقي، الذي يعرف باسم أرض الصومال، وتبلغ مساحته 176,120 كيلومتر مربع (ما يقارب مساحة سوريا)، وهي اكثر بقليل من ربع مساحة الصومال، البالغة 637,657 كيلومتر مربع.

الحرب تدق ابواب أرض الصومال وستقلب الازدهار إلى جحيم
✍️كتب رئيس تحرير موقع الثائر: اكرم كمال سريوي.
قسّم الاستعمار الإيطالي والبريطاني الصومال إلى جزئين، فكان القسم الاكبر الذي يضم العاصمة مقديشو تحت الاستعمار الايطالي، فيما سيطرت بريطانيا على القسم الشمالي الشرقي، الذي يعرف باسم أرض الصومال، وتبلغ مساحته 176,120 كيلومتر مربع (ما يقارب مساحة سوريا)، وهي اكثر بقليل من ربع مساحة الصومال، البالغة 637,657 كيلومتر مربع.
تحرر الجزءان عام 1960 واتحدا بشكل سريع، لكن سرعان ما ظهرت الخلافات التي ادت الى انقلاب عسكري شمالي فاشل ضد الحكومة المركزية، ثم سيطر الجيش على السلطة بانقلاب عسكري آخر عام 1969 وحكم الدكتاتور الاشتراكي محمد سياد بري حتى عام 1990، حيث اطيح بحكمه بعد صراع مع جماعات المعارضة، فانفصل الشمال، المنطقة المعروفة ب ارض الصومال مجدداً في عام 1991، دون أن تعترف باستقلاله اي دولة .
لكن منذ ذالك التاريخ مارست أرض الصومال الحكم الذاتي والاستقلال عن مقديشو، وتعتبر هرجيسا عاصمة اقليم ارض الصومال، ولديها قوات مسلحة، وعملة خاصة، ونظام حكم يجمع بين الديمقراطية وسلطة زعماء العشائر، وتقيم علاقات اقتصادية مع عدة دول مثل؛ بريطانيا، والولايات المتحدة الاميركية، والامارات العربية، والسعودية، وإسرائيل، واثيوبيا وغيرها، لكنها لا تحظى باعتراف رسمي بها كدولة.
في خطوة غير مفاجئة اقدم رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو على اعلان اعترافه بارض الصومال كدولة، مع العلم أن الولايات المتحدة الامريكية لم تدعم علناً هذا الاعتراف، وكانت قد رفضت الاعتراف بارض الصومال (الشمال) كدولة في عهد الرئيس السابق جو بايدن، رغم تقديم ارض الصومال عرضاً مغرياً، يتلخص بالسماح للولايات المتحدة الامريكية باستخدام مطار عسكري وميناء بحري على أراضيها.
لم يأتِ الاعتراف الاسرائيلي بارض الصومال استناداً إلى حق ومصلحة شعب الصوماليلاند، أو سكان ما يعرف باقليم أرض الصومال، بل هو استثمار جيواستراتيجية له أهداف واطماع كبيرة في تلك المنطقة الهامة، والتي دخلت في سباق نفوذ وصراع للسيطرة على الممرات البحرية في العالم، ولا يخفى أن باب المندب هو من أهم تلك الممرات وأكثرها تأثيرًا على العلاقات التجارية بين الدول.
كما لا يخفى على احد الحديث الذي جرى عن تهجير سكان غزة إلى تلك المنطقة، فالرئيس الامريكي دونالد ترامب تحدث عن ذلك علناً، وكذلك الاسرائيليون، وبالرغم من نفي سلطات ارض الصومال وجود اي اتفاق حول ذلك، لكنها قالت أن هذه المسألة يجب ان يسبقها اعتراف بارض الصومال كدولة، واقامة علاقات دبلوماسية معها، مما يعني انها مستعدة لبحث الموضوع، مقابل الحصول على اعتراف دولي بها.
الهدف الثاني لنتنياهو هو عسكري، بحيث كشفت الاحداث الاخيرة في المواجهة مع اليمن، صعوبة في تنفيذ غارات مكثفة بالطيران على الحوثيين، نظراً لبعد المسافة، وضعف القدرة على المراقبة الدائمة والاستطلاع فوق مناطق اليمن، وتسعى إسرائيل إلى اقامة قواعد عسكرية في ارض الصومال، التي تمثل مكاناً مثالياً لإسرائيل خاصة مع ضعف السلطات الحاكمة هناك، وعدم الاعتراف الدولي بها كدولة، وهذا يسمح لإسرائيل بابتزاز السلطة الحاكمة، ويوفر لها قدرة لاقامة قواعد عسكرية، تسمح لها بالتحكم بواحد من أهم الممرات البحرية، وذلك في مواجهة عدة دول خاصة مصر والسعودية وايران وتركيا، وبالطبع بالدرجة الاولى في مواجهة الحوثيين.
إن منح إسرائيل موطئ قدم في أرض الصومال، سيجعلها تقبض على عنق قناة السويس، والموانئ السعودية والمصرية على البحر الأحمر، وكذلك يمكّنها من ابتزاز الدول الأوروبية، وستتحول إلى شرطي البحر الاحمر الذي سيفرض هيمنته ونفوذه على عبور السفن وحركة الملاحة في تلك المنطقة وخاصة مضيق باب المندب .
تدرك هذه الدول ما تسعى إليه إسرائيل، ولقد رفضت الدول العربية هذه الخطوة الاسرائيلية، التي جاءت مخالفة لقواعد القانون الدولي، الذي يحصر الاعتراف بالدولة بثلاث حالات:
✍️التحرر من الاحتلال والاستعمار، وحالة مواجهة التطهير العرقي.
✍️ان يكون استقلال الاقليم بالتوافق مع الدولة الام.
✍️في حال تفكك الدولة الام كما حدث في تفكك الاتحاد السوفياتي وتفكك يوغوسلافيا وغيرها واعلان الاقاليم استقلالها.
اما فيما عدا هذه الحالات الثلاث، فإن الاعتراف باستقلال وانفصال اي اقليم عن الدولة الام، يُعدّ انتهاكاً خطيرًا للقانون الدولي، الذي يحفظ سيادة الدول، ويُقرّ مبدأ وحدة اراضيها.
وبالتالي فإن اعتراف إسرائيل باستقلال ارض الصومال، هو اعتداء على سيادة دولة عربية، ويهدد بشكل خطير الامن والسلم الدوليين، ويدفع الامور بين الصومال والاقليم المنفصل في الشمال إلى حافة الصراع الدموي والحرب الأهلية.
كما أن مشاريع إسرائيل ومخططاتها لاقامة قواعد عسكرية بارض الصومال، والتحكم بباب المندب، اضافة الى مشروع تهجير سكان غزة، والمواجهة مع اليمن، وتهديد المصالح المصرية والسعودية، وتشجيع حالات الانفصال داخل الدول العربية، كل هذا يشكّل اعتداءً واضحًا على سيادة الصومال، وتهديداً خطيراً لمصالح عدة دول عربية، وخطوة متسرّعة نحو اشعال حرب، لا بل حروب عديدة في القرن الأفريقي.
لقد فهم الحوثيون اهداف الخطوة الاسرائيلية، وسارعوا للاعلان عن أن أي قواعد عسكرية اسرائيلية ستقام في ارض الصومال، ستكون أهدافاً عسكرية مشروعة بالنسبة لهم، لانها تشكل تهديداً مباشرًا لامن اليمن ودوره الاستراتيجي في المنطقة.
هذه الاندفاعة من شمال الصومال نحو الاستقلال والانفصال النهائي عن مقديشو، وهذه العروض والتقديمات السخية لإسرائيل واثيوبيا وغيرها من دول، في مقابل الحصول على الاعتراف بها كدولة، ستفتح الباب واسعاً امام تدخلات خارجية متعددة، وستحوّل البلاد إلى منطقة صراع، لا بل صراعات دموية، وستقلب حالة الاستقرار والازدهار التي عاشتها البلاد منذ تسعينيات القرن الماضي حتى اليوم، إلى جحيم ونار مستعرة تطيح بكل شيء.
لا شك أن التمادي الاسرائيلي جاء نتيجة تقاعس عربي عن حل مشاكل الدول العربية، بدءاً من فلسطين، والسودان، وليبيا، وسوريا، ولبنان وصولاً ألى الصحراء الغربية والصومال.
مع الاسف تقتصر اجتماعات القمة العربية على البيانات، دون آليات تنفيذ للقرارات المتخذة، حتى أن العرب عجزوا عن صياغة استراتيجية موحّدة تحفظ مصالحهم، في ظل صراعات الدول الكبرى المتهافتة على الثروات العربية، وتمزيق وتقويض الدول العربية وتعميم الفوضى فيها، عبر دعم حركات اصولية من جهة، وتأجيج الصراعات المذهبية والعرقية، وتشجيع حركات الانفصال من جهة أخرى، وذلك باستخدام القوة المباشرة أحيانًا، أو عبر تدخل الذراع الاسرائيلية لامريكا والغرب.
صحيح أن المواجهة في ظاهرها هي بين العرب وإسرائيل، لكن في جوهرها هي مواجهة مع الفكر الاستعماري، الذي ما زال ينظر الى العرب كشعوب متخلفة، ويسعى لابقائها في حالة من الترهل والتناحر والانقسام، لتبقى ضعيفة، وتسهيل التحكم بها، وسرقة ثرواتها فلو استخدم العرب ثرواتهم لخدمة مصالحهم، لاصبحوا في مقدمة دول العالم، واكثرها تطوراً ورقياً وتقدماً.
مرة اخرى تشهد دولة عربية تدخلاً إسرائيلياً، لزعزعة امنها واستقرارها، والسيطرة على جزء من أراضيها، والعرب غارقون في خلافاتهم وانقساماتهم، وعاجزون عن تقديم المساعدة لبعضهم البعض، مما يفتح المجال أمام إسرائيل، لتنفيذ مشروعها التوسعي، والهيمنة على كل دول المنطقة.



