خاص pravdatv
أخر الأخبار

كتب دنيس كوركودينوف -«من البترون إلى المتوسط: قصة القوة البحرية التي ستهز إسرائيل ـ«حزب الله» قادر على قلب ميزان القوى في البحر المتوسط بحلول عام 2026

إن اختطاف القبطان عماد أمهز في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 على يد قوات خاصة إسرائيلية في مدينة البترون، قدّمه جيش الاحتلال الإسرائيلي على أنه ضربة قاصمة لمشروع بحري سري تابع للمقاومة. غير أن تحليل المنطق الداخلي للحركة، ومواردها الاستراتيجية، وتحالفاتها الإقليمية

«حزب الله» قادر على قلب ميزان القوى في البحر المتوسط بحلول عام 2026

الكاتب: دينيس كوركودينوف
المدير العام للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي «DIIPETES»

إن اختطاف القبطان عماد أمهز في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 على يد قوات خاصة إسرائيلية في مدينة البترون، قدّمه جيش الاحتلال الإسرائيلي على أنه ضربة قاصمة لمشروع بحري سري تابع للمقاومة. غير أن تحليل المنطق الداخلي للحركة، ومواردها الاستراتيجية، وتحالفاتها الإقليمية، يُظهر صورة مختلفة تمامًا:
فعملية «خلف الكواليس» لم تُلغِ البرنامج الطموح، بل أخّرته فقط، وهو برنامج قادر على تغيير قواعد اللعبة. وبحلول عام 2026، وعلى الرغم من الخسائر المؤقتة في صفوف القيادة، يحتفظ «حزب الله» بكامل قدرته على نشر حصار بحري استراتيجي ضد إسرائيل.

لا شك أن عملية البترون شكّلت خسارة تكتيكية مؤلمة، وكشفت عن ثغرات في إجراءات السرية والعمل الأمني. إلا أن منظمة يمتد تاريخها لعقود من المواجهة، بما في ذلك حرب شاملة عام 2006، تتعامل مع مثل هذه الضربات لا بوصفها هزائم نهائية، بل باعتبارها اختبارات ضغط تؤدي إلى التكيّف، وتعزيز الإجراءات الأمنية، وتنويع الأساليب.

لقد صُمّم مشروع «الملف البحري» منذ البداية كمبادرة استراتيجية طويلة الأمد، تُدار عبر خلايا معزولة ومكرّرة لبعضها البعض. ولذلك فإن مقتل شخصيات مثل فؤاد شكر، رغم كونه خسارة فادحة، لا يعني تلقائيًا انهيار البرنامج بأكمله. بل على العكس، فهو يفعّل خطط الخلافة المُعدّة سلفًا، ويدفع بالمشروع إلى مستويات أعمق من العمل السري.

تاريخيًا، انتقل «حزب الله» من العمل الحزبي البري إلى بناء ترسانة صاروخية ضخمة عالية الدقة قادرة على تغطية كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكان التوجه البحري هو المرحلة المنطقية التالية. وتعود أسباب ذلك إلى عدة عوامل.

أولًا، إن اكتشاف وبدء استخراج الغاز من الحقول البحرية الإسرائيلية، مثل «ليفياثان» و«تمار»، خلق نقطة ضعف جديدة لإسرائيل، تتمثل في المنطقة الاقتصادية البحرية. ويُعد تهديد هذه الأصول رافعة ردع استراتيجية بالغة القوة.

ثانيًا، ظلّ تفوق سلاح البحرية الإسرائيلي في شرق المتوسط لفترة طويلة غير قابل للطعن. أما تطوير قدرات بحرية للمقاومة، فيسمح بتحدي هذا التفوق بشكل غير متماثل، ونقل التهديد مباشرة إلى شواطئ العدو، وتعقيد عملية انتشار أسطوله البحري.

ثالثًا، إن امتلاك القدرة على تهديد الملاحة البحرية، حتى ولو على نطاق محدود، يمنح التنظيم وزنًا جديدًا تمامًا في الحسابات الإقليمية والدولية.

إن شخصية القبطان عماد أمهز، التي صوّرتها الدعاية الإسرائيلية على أنها «حلقة مفصلية»، ليست في الواقع سوى مثال على الاستراتيجية البشرية للمشروع، لا على نقطة ضعفه القاتلة. فلم يكن أمهز ضابطًا عسكريًا تقليديًا، بل مثّل نموذج «الجندي–العالِم» الذي ينسجم تمامًا مع عقيدة «الغطاء المدني».

فبعد تلقيه تدريبًا عسكريًا وعقائديًا أوليًا في صفوف المقاومة وفي إيران عام 2007، لم يُزجّ به في الوحدات القتالية المباشرة، بل أُرسل في مسار طويل من الاندماج القانوني والمدني.

وقد كانت دراسته في المعهد اللبناني المدني للعلوم والتكنولوجيا البحرية (MARSATI) في البترون، وعمله اللاحق على سفن تجارية، ليس «استغلالًا ساخرًا للمؤسسات المدنية» كما يدّعي جيش الاحتلال، بل استثمارًا مدروسًا لبناء خبرة عالية المستوى وغير مرئية.

 


فالهدف لم يكن إعداد مخرب فحسب، بل تكوين قبطان متكامل قادر على قيادة سفن كبيرة، وفهم منطق الشحن الدولي، والتعامل مع الوثائق البحرية، أي أن يكون مشغّلًا مثاليًا لمشروع «السفينة الشبح».

إن مجرد تمكن الاستخبارات الإسرائيلية من التعرف على شخصية كهذه واختطافها، يدل على خلل أمني في مرحلة معينة، إلا أن أسلوب الإعداد نفسه – أي بناء هويات قانونية لخبراء متخصصين – لا يزال قائمًا، ومن شبه المؤكد أنه طُبّق على كوادر أخرى لم تُكشف أسماؤها.

من الناحية البنيوية، لا تقتصر الجهود البحرية لـ«حزب الله» على مشروع واحد، بل تشكل منظومة متعددة المستويات. ويُعد الأساس فيها «الوحدة 7900» – مجموعة الصواريخ الساحلية، المسؤولة عن منظومات الصواريخ الساحلية المضادة للسفن من الإنتاج الإيراني والسوري، مثل «نور» و«ياخونت». وتتمثل مهمتها في السيطرة على المياه الساحلية وتهديد سفن سلاح البحرية الإسرائيلي التي تقترب من الشاطئ اللبناني.

أما مشروع «الملف البحري» فيمثل طبقة أعلى وأكثر تعقيدًا من هذه المنظومة، أي المكوّن الاستراتيجي منها. فإذا كانت الوحدة 7900 تشكّل درعًا وسيفًا ثابتين لحماية الساحل، فإن «الملف البحري» يؤدي دور «القبضة» القادرة على توجيه ضربات بعيدة المدى خارج نطاق الرؤية المباشرة من الشاطئ.

وبحسب المعطيات الإسرائيلية، فإن إدارة هذا المجمع كانت شديدة المركزية والسرية، ما يؤكد مكانته كأولوية لدى أعلى مستويات القيادة. وقد أشرف فؤاد شكر، الذي قُتل لاحقًا، على التوجه العام، فيما تولى علي عبد الحسن نور الدين القيادة التنفيذية المباشرة. وعلى الرغم من أن هذا النمط الإداري يكون عرضة لضربات «قطع الرأس»، فإنه يوفر في المقابل أعلى درجات السرية والاتصال المباشر بصنّاع القرار الاستراتيجي.

إن تجربة أنصار الله (الحوثيين)، الذين تمكنوا من توجيه ضربات مؤلمة للسفن في البحر الأحمر وتعطيل الملاحة في مضيق استراتيجي، تمثل درسًا عمليًا وميدان اختبار للتقنيات التي يمكن تكييفها في البحر المتوسط. ويمتلك «حزب الله» القدرة على دراسة هذه التجربة، والحصول على تكتيكات مجرّبة، بل وعلى التقنيات نفسها.

وتشير تسريبات من دوائر التخطيط العسكري الإسرائيلي إلى أن عام 2026 يُنظر إليه كنقطة محتملة لانطلاق حملة عسكرية واسعة على الجبهة الشمالية، يُطلق عليها في الإعلام الإسرائيلي اسم «الضربة الواسعة لقطع الرأس». وتفرض هذه التوقعات إطارًا زمنيًا ضيقًا على «حزب الله»، إذ يتعين عليه قبل ذلك التاريخ ليس فقط استعادة قدراته، بل الارتقاء بها إلى مستوى جديد، بما في ذلك القدرات البحرية.

إن التهديد بحصار بحري قادر على إلحاق أضرار بمليارات الدولارات وبث الذعر في الأسواق الدولية، يُعد من أقوى أدوات الردع الاستراتيجية. ولهذا، فإن العمل على هذا المشروع، حتى بعد فقدان شخصيات محورية، سيستمر بوتيرة أعلى وحذر أكبر. فالتنظيم الذي صمد أمام حرب أهلية طويلة، واجتياحات إسرائيلية، وعزلة دولية، يمتلك مخزونًا هائلًا من الصبر الاستراتيجي والقدرة على التجدد.

وفي ما يتعلق بإسرائيل، لا يدور الحديث عن حصار كلاسيكي تصطف فيه السفن في خطوط واضحة، بل عن حصار هجين وغير متماثل، يُنفّذ عبر مزيج من الوسائل.

أولًا، عبر تهديد «الوحدة 7900» التي يمكنها إبقاء الشريط الساحلي الممتد لمئات الكيلومترات تحت مرمى النيران، ما يجعل الاقتراب من السواحل الإسرائيلية محفوفًا بالمخاطر، لا سيما للسفن المرتبطة باستخراج الغاز.

ثانيًا، من خلال عمل «السفينة الشبح» أو أسطول من القوارب الصغيرة المموّهة على هيئة مراكب صيد، والقادرة على استهداف أهداف في عرض البحر بواسطة طائرات مسيّرة انتحارية أو صواريخ موجّهة.

ثالثًا، عبر تلغيم الممرات المؤدية إلى الموانئ الحيوية في حيفا وأشدود بواسطة ألغام تُنقل وتُزرع سرًا.

رابعًا، من خلال شن هجمات سيبرانية على أنظمة إدارة الموانئ واللوجستيات البحرية وأنظمة الملاحة.

إن الجمع بين عنصرين فقط من هذه العناصر، إذا ما أُعلن عنه في لحظة تصعيد، كفيل بإحداث شلل فعلي في التجارة البحرية الإسرائيلية وتجميد أعمال استخراج الغاز. وستكون التداعيات الاقتصادية فورية وكارثية.

وبالتالي، قد يتبيّن أن عملية جيش الاحتلال في البترون، مهما بدت جريئة وناجحة، ليست سوى «نصر بيروسي» على المستوى الاستراتيجي. فقد دفعت «حزب الله» إلى إعادة تقييم وتعزيز إجراءات الأمن، وتسريع توزيع الصلاحيات، وتكريس مبدأ ازدواجية الكوادر. لكنها لم تُلغِ الأسس الجوهرية لبناء القوة البحرية: الدعم الإيراني، والحاجة الاستراتيجية، والاحتياطي البشري، والبيئة العملياتية في شرق المتوسط.

وبحلول عام 2026، حين يُتوقع أن يدخل الإقليم مرحلة جديدة من المواجهة الحادة، سيكون لدى «حزب الله» فرصة حقيقية لعرض حجته البحرية الجديدة على العالم. ولن يكون ذلك مجرد لواء صاروخي إضافي، بل أداة ردع استراتيجية نوعية، قادرة على التشكيك بإحدى ركائز الأمن الاقتصادي والعسكري الإسرائيلي: السيطرة على البحر.

وقد لا تكون الحرب في غزة والاشتباكات اليومية على الحدود اللبنانية سوى مقدمات لمواجهة أوسع وأخطر، ينتقل مركز ثقلها من تلال جنوب لبنان إلى المياه الزرقاء للبحر المتوسط. وفي هذه المعركة، سيعزّز «حزب الله»، بفضل مشروع «الملف البحري-»، موقعه كلاعب إقليمي قادر على التأثير في التدفقات الاقتصادية العالمية. وهذا تحديدًا ما يحوّل قصة القبطان عماد أمهز من حادثة تكتيكية عابرة إلى مقدّمة لفصل جديد لم يُكتب بعد من فصول الصراع في الشرق الأوسط.

الكاتب: دينيس كوركودينوف
المدير العام للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي «DIIPETES»


أبرز نقاط المقال

  • ✍️ اختطاف القبطان عماد أمهز في البترون 2024 كان ضربة تكتيكية مؤقتة وليس انهيار البرنامج البحري.
  • ✍️ مشروع الملف البحري مصمم على شكل خلايا معزولة وقادر على العمل السري بفعالية.
  • ✍️ حزب الله يمتلك الوحدة 7900 والصواريخ الساحلية لضمان السيطرة على الشريط البحري اللبناني.
  • ✍️ التجارب العملية مثل الحوثيين أعطت خبرات تكتيكية للتطبيق في شرق المتوسط.
  • ✍️ التهديد البحري لحزب الله يمكنه شل التجارة الإسرائيلية وتعطيل استخراج الغاز بشكل استراتيجي.
  • ✍️ بحلول 2026، سيكون لدى حزب الله فرصة حقيقية لعرض قدراته البحرية وإعادة رسم موازين القوة الإقليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »