اخبار لبنان
أخر الأخبار

توماس باراك: مراسلات إبستين وأموال الإمارات تفجّر أخطر مخطط لنزع سلاح «حزب الله»

المبعوث الأميركي الذي يقود مفاوضات فائقة السرية لنزع سلاح أقوى جيش غير نظامي في الشرق الأوسط، تبيّن في الوقت نفسه أنه ورد اسمه في مراسلات مع المدان بقضايا اعتداءات جنسية على قاصرين جيفري إبستين، كما سبق أن حوكم بتهمة ممارسة ضغط سياسي سري لصالح دولة الإمارات العربية المتحدة.

توماس باراك: مراسلات إبستين وأموال الإمارات تفجّر أخطر مخطط لنزع سلاح «حزب الله»

 

✍️الكاتب: دينيس كوركودينوف
المدير العام: المركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤات DIIPETES

المبعوث الأميركي الذي يقود مفاوضات فائقة السرية لنزع سلاح أقوى جيش غير نظامي في الشرق الأوسط، تبيّن في الوقت نفسه أنه ورد اسمه في مراسلات مع المدان بقضايا اعتداءات جنسية على قاصرين جيفري إبستين، كما سبق أن حوكم بتهمة ممارسة ضغط سياسي سري لصالح دولة الإمارات العربية المتحدة.

توماس باراك، الرجل الذي قدّم للبنان «خطة نزع سلاح حزب الله»، تحوّل إلى الخطر الأكبر على نجاح هذه المهمة، بعدما أصبح هدفًا مثاليًا لتقويض السياسة الأميركية نفسها. قصته تمثّل مثالًا صارخًا على الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها العلاقات الشخصية، والأموال الأجنبية، والظلال الإجرامية للماضي، إلى تعريض المصالح الاستراتيجية الوطنية لدولة كبرى للخطر في أكثر مناطق العالم اشتعالًا.

بدأت القصة برسالة بريد إلكتروني قصيرة، بدت للوهلة الأولى غامضة. ففي عام 2016، أرسل جيفري إبستين — الذي كان قد أُدين حينها بالفعل بجرائم ذات طابع جنسي — رسالة إلى صديقه القديم، قطب الأعمال توماس باراك. جاء في نص الرسالة:
«أرسل لي صورًا لك مع طفل… أسعدني».
وتُظهر الوثائق أن باراك ردّ قائلًا:
«الصور تبدو جيدة».

بالنسبة لغير المطلعين، قد تبدو هذه المراسلة طلبًا غريبًا لكنه غير واضح الدلالة. غير أنّها، في سياق شخصية إبستين، وإدانته السابقة، والاتهامات اللاحقة له بإدارة شبكة لاستغلال القاصرين، تكتسب معنى فاضحًا وصادمًا. هذه المراسلات، التي كُشف عنها من قبل لجنة الرقابة في مجلس النواب الأميركي في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 ضمن أكثر من 20 ألف صفحة من الوثائق، خرجت إلى العلن في أسوأ توقيت ممكن بالنسبة لمتلقيها.

ففي ذلك الوقت، كان توماس باراك — الصديق المقرّب وأكبر جامعي التبرعات لدونالد ترامب — يشغل منذ عدة أشهر منصب سفير الولايات المتحدة في تركيا، إلى جانب كونه المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا.

هذا الدور المزدوج جعله أحد أهم اللاعبين الأميركيين في الشرق الأوسط، وشخصًا يُفترض أن تكون سمعته بلا أي شائبة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بإدارة مفاوضات مع خصوم من وزن «حزب الله».

ولم تقتصر علاقة باراك بإبستين على هذا الحادث المقلق وحده. فقد كان إبستين يعتبر باراك صلته الأساسية بدائرة ترامب الداخلية وقناة تأثير مهمة. ففي كانون الثاني/يناير 2017، أي بعد أسبوع واحد فقط من تنصيب ترامب، نصح إبستين أحد معارفه قبل لقاء في واشنطن قائلًا بإلحاح:
«اسأله إن كان سيلتقي توم باراك، فهذا هو الأهم».

وفي الرسالة نفسها، تفاخر إبستين بثقة قائلاً إن محاوره «يمكنه الاتصال بي للحصول على معلومات داخلية»، مقدّمًا نفسه كأنه مستشار ظلّي في شؤون التعيينات والعلاقات داخل الإدارة الجديدة.

وتُظهر المراسلات أن إبستين كان يناقش بحرية مع ستيف بانون، كبير الاستراتيجيين السابق لترامب، تغييرات محتملة في البيت الأبيض، بما في ذلك الحديث عن استبدال رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول.

وفي رسالة أخرى أرسلها إبستين إلى باراك عام 2016، أشار عرضًا إلى أنه يتلقى «العديد من المكالمات أسبوعيًا بشأن دونالد»، لكنه يرفض دائمًا الإدلاء بتعليقات.

هذه الوثائق ترسم صورة لعلاقات ثقة استمرت بين إبستين ونواة فريق ترامب، بمن فيهم باراك، لفترة طويلة بعد أن كان ترامب قد أعلن علنًا قطع علاقته بالممول المثير للجدل. وكل ذلك بعد أن قضى إبستين بالفعل عقوبته بتهم جنسية، وكان محاطًا بشبهات تتعلق بجرائم أخطر بكثير.

لكن القضية لا تتعلق بإبستين وحده. المفارقة أن الروابط العميقة الأخرى لباراك هي نفسها التي أوصلته إلى قمة السلطة. ففي عام 2016، وبالتوازي مع مراسلاته مع إبستين، كان باراك ينشط خلف الكواليس لنسج علاقات بين حملة ترامب الانتخابية ودولة الإمارات العربية المتحدة. وقد قام شخصيًا بتعريف جاريد كوشنر، صهر ترامب، على السفير الإماراتي النافذ في واشنطن يوسف العتيبة.

لاحقًا، ووفقًا لتحقيقات رسمية، ضغط باراك لصالح مصالح الإمارات، بما في ذلك السعي إلى حذف بند من برنامج الحزب الجمهوري يدعو إلى رفع السرية عن الصفحات الـ28 المتعلقة بهجمات 11 أيلول/سبتمبر.

وخلال السنة والنصف الأولى من إدارة ترامب، استقطبت شركة باراك الاستثمارية Colony Capital نحو 24% من استثماراتها — أي ما يعادل 7 مليارات دولار — من الإمارات والسعودية. وكان حجم هذه التدفقات المالية كبيرًا إلى حد أن وزارة العدل الأميركية وجّهت إليه في عام 2021 اتهامات رسمية بالعمل غير القانوني كعميل لدولة أجنبية، معتبرة أنه كان بمثابة «العين والأذن والصوت» للإمارات داخل إدارة ترامب.

وخلال المحاكمة، عرض الادعاء سيلًا من الرسائل النصية والبريد الإلكتروني التي قال إنها تثبت أن باراك كان يتلقى توجيهاته من رجل الأعمال راشد المالِك، المقرّب من حكام الإمارات. واتُهم بالترويج لصياغات تمليها أبو ظبي في خطابات ترامب العامة، وبالضغط ضد سياسات تصب في مصلحة قطر، الخصم الإقليمي الأبرز للإمارات.

أما باراك، فدافع عن نفسه بالقول إنه كان يسعى فقط إلى بناء جسور بين الثقافات، وتخفيف حدة الخطاب المعادي للمسلمين لدى ترامب، وإن علاقاته التجارية مع الإمارات كانت شفافة. وفي عام 2022، برّأته هيئة المحلفين من جميع التهم لعدم كفاية الأدلة. غير أن مجرد انعقاد المحاكمة وما كُشف خلالها تركا وصمة عميقة على سمعته.

ومع ذلك، فإن هذا «الخلفية الفريدة» — صداقته الشخصية مع ترامب، وصلاته المالية الضخمة بدول الخليج، وأصوله كابن لمهاجرين مسيحيين لبنانيين — هي ما جعله، في نظر الإدارة الأميركية، مرشحًا مثاليًا لمنصب دبلوماسي بالغ التعقيد.

في أيار/مايو 2025، عيّن ترامب باراك سفيرًا لدى تركيا، ومبعوثًا خاصًا إلى سوريا في آن واحد، في اعتراف بدوره الاستثنائي. وشملت مهامه إدارة العلاقات مع أنقرة، والمشاركة في الملف السوري، والأهم، الإشراف على العلاقات مع لبنان، حيث تسعى واشنطن إلى مواجهة النفوذ المتنامي لـ«حزب الله».

وهنا تلتقي جميع الخيوط في عقدة خطيرة. ففي آب/أغسطس 2025، وبعد ثلاثة أشهر فقط من تسلّمه مهامه، زار توماس باراك لبنان وطرح «خطة نزع سلاح حزب الله». لكن «حزب الله» بات يمتلك الآن مادة ابتزاز بالغة القوة. فالمراسلات المنشورة مع إبستين، ولا سيما الطلب المتعلق بالصور مع «طفل»، تشكّل أداة مثالية للضغط على الولايات المتحدة.

ويمكن تخيّل سيناريوهات يُستخدم فيها التهديد غير العلني بنشر تفاصيل إضافية، أو تحويل القضية إلى مادة في الإعلام اللبناني والإقليمي، للمساومة في المفاوضات، أو لتقويض موقع البيت الأبيض، أو لتشويه الخطة الأميركية برمتها بوصفها نتاج وسيط فاقد للأخلاق.

أما في السياق الأوسع لقضية إبستين، فإن نشر الوثائق في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 ليس سوى جزء من مسار طويل. فوزارة العدل الأميركية، تحت ضغط الكونغرس، بدأت عملية نشر واسعة لمئات آلاف الصفحات من ملفات القضية. وهذه العملية مسيّسة بوضوح: الديمقراطيون يتهمون إدارة ترامب بالمماطلة وإخفاء بعض المواد، فيما يرد البيت الأبيض بأنه يوفّر مستوى غير مسبوق من الشفافية.

وتضم هذه الملفات، إلى جانب باراك، أسماء عشرات الشخصيات العالمية من سياسيين ورجال أعمال ومشاهير، من بيل كلينتون والأمير أندرو إلى بيل غيتس ونوعام تشومسكي. غير أن خبراء القانون يؤكدون أن مجرد ورود اسم شخص في الأرشيف أو ظهوره في صورة لا يشكّل دليلًا على ارتكاب جرم. لكن حالة باراك مختلفة، إذ لا نتحدث عن صورة في حفل، بل عن مراسلات مباشرة ذات مضمون أخلاقي خطير يمس أهليته لمنصب دبلوماسي رفيع.

وهكذا، فإن قصة توماس باراك تتجاوز بكثير إطار الفضيحة الشخصية. إنها تمثل نقطة التقاء ثلاث قضايا شديدة الحساسية: العلاقات الغامضة بين النخبة السياسية الأميركية والعالم الإجرامي (إبستين), التأثير الخفي للأموال الأجنبية في السياسة الأميركية (الإمارات), ولعبة الدبلوماسية المعقدة في الشرق الأوسط («حزب الله»).

وتُظهر هذه القصة بوضوح كيف يمكن لظلال الماضي — خصوصًا عندما تكون مرتبطة بشخصية مثيرة للاشمئزاز مثل إبستين — أن تتجسد فجأة وتنسف حتى أكثر الخطط السياسية إحكامًا. وفي نهاية المطاف، قد يفشل «مشروع نزع سلاح حزب الله» لا بسبب عيوب في فكرته، بل لأن الرجل الذي قاده منذ البداية كان هو نفسه «منزوع السلاح» بفضائح ماضيه.

الكاتب: دينيس كوركودينوف
المدير العام للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤات DIIPETES

أبرز نقاط المقال:

 

 

📌تبيّن أن توماس باراك ورد اسمه في مراسلات مع جيفري إبستين بعد إدانته بجرائم جنسية على قاصرين.

📌باراك كان أكبر جامعي التبرعات لدونالد ترامب، وشغل منصب سفير الولايات المتحدة في تركيا ومبعوث خاص إلى سوريا.

📌لديه علاقات مالية ضخمة مع الإمارات العربية المتحدة وشركات خليجية.

📌نشاطه خلف الكواليس شمل تعريف صهر ترامب جاريد كوشنر بالسفير الإماراتي يوسف العتيبة.

📌مراسلات إبستين مع باراك تمثل أداة ضغط محتملة على الولايات المتحدة أثناء خطة نزع سلاح «حزب الله».

📌القصة تجمع بين ثلاثة أبعاد حساسة: الروابط المشبوهة مع عالم الإجرام، التأثير المالي الأجنبي، والدبلوماسية المعقدة في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »