مقالات
أخر الأخبار
كيف تحولت أوكرانيا إلى ساحة صراع بين واقعية ترامب وطموح ماكرون؟
في عام 1956م، وقفت بريطانيا وفرنسا تتحديان إرادة الرئيس الأمريكي أيزنهاور في أزمة السويس، فكانت تلك اللحظة إعلانًا عن نهاية عصر الإمبراطوريات الأوروبية وبزوغ الهيمنة الأمريكية المطلقة.

كيف تحولت أوكرانيا إلى ساحة صراع بين واقعية ترامب وطموح ماكرون؟
✍🏻كتب مشتـاق هاشم العلوي – كاتب ومحلل سياسي
في عام 1956م، وقفت بريطانيا وفرنسا تتحديان إرادة الرئيس الأمريكي أيزنهاور في أزمة السويس، فكانت تلك اللحظة إعلانًا عن نهاية عصر الإمبراطوريات الأوروبية وبزوغ الهيمنة الأمريكية المطلقة. اليوم، وبعد سبعة عقود، ونحن نشاهد الرئيس الفرنسي ماكرون يتحدى خطة الرئيس ترامب للسلام في أوكرانيا بصفقة أسلحة ضخمة، يطرح التاريخ نفسه مجددًا ولكن بصورة معكوسة: هل نشهد لحظة “سويس جديدة” لا تعلن نهاية أوروبا، بل بداية استقلالها الاستراتيجي عن مظلة أمريكية لم تعد مضمونة؟؟ هذا ليس مجرد خلاف دبلوماسي، بل هو صدام عنيف بين مدرستين للواقعية السياسية سترسم نتائجها خريطة القوة في القرن الحادي والعشرين.
تأتي “واقعية ترامب” الانعزالية من رحم قراءة براغماتية قاسية للمشهد. ففي واشنطن، لم تعد التقارير الميدانية عن انهيار الجبهات في بوكروفسك وكوبيانسك مجرد أخبار، بل أصبحت مؤشرًا على حتمية الهزيمة. أمام هذا الواقع، ومع رغبة ترامب الشخصية في هدم إرث سلفه ومعاقبة الحلفاء الأوروبيين “المتمردين”، تبدو “الصفقة السريعة” حتى لو كانت بمثابة استسلام أوكراني. لكنها الخيار المنطقي الوحيد لتقليل الخسائر والخروج من حرب يعتبرها عبئًا استراتيجيًا. إنها الواقعية في أبسط صورها: القبول بالواقع الميداني وتجنب التكاليف المستقبلية.
وفي المقابل، تتبنى فرنسا “واقعية ماكرون” التدخلية والطموحة. فما تعتبره واشنطن “واقعية”، تراه باريس “خيانة استراتيجية” وقصر نظر. من منظور ماكرون، القبول بصفقة ترامب يعني السماح لروسيا بتحقيق نصر رخيص، وخلق تهديد وجودي دائم على حدود أوروبا. لذلك، جاء قرار تسليح أوكرانيا ليس لإطالة الحرب، بل لتغيير معادلتها. الهدف هو تحويل أوكرانيا إلى مستنقع يستنزف روسيا اقتصاديًا وعسكريًا، وإرهاقها لدرجة تجعلها غير قادرة على تهديد أي دولة أخرى لعقد قادم. إنها استراتيجية “الاستنزاف العميق” التي تهدف إلى تحقيق سلام دائم عبر فرض تكلفة باهظة على المعتدي.
إن هذا الصدام بين “واقعية الصفقة” و”واقعية الاستنزاف” يضع روسيا في مأزق وجودي، لكن نتيجته الحقيقية قد تكون أكثر جذرية وتأثيرًا على المدى الطويل. قد لا تكون الخاتمة انتصارًا لروسيا أو صمودًا لأوكرانيا، بل ربما تكون ولادة “جيش أوروبي موحد” حقيقي. إن إدراك أوروبا بأنها لا تستطيع الاعتماد كليًا على أمريكا قد يكون هو الصدمة التاريخية اللازمة التي ستجبرها أخيرًا على تحويل قوتها الاقتصادية الجبارة إلى قوة عسكرية ضاربة ومستقلة.
قد يذكر التاريخ أن بوتين، في محاولته لتفكيك الناتو، كان هو السبب المباشر في خلق قوة عظمى عسكرية جديدة على حدوده لم تكن موجودة من قبل. وهكذا، فإن ما بدأ كحرب على حدود أوروبا الشرقية، قد ينتهي بإعادة تشكيل بنية القوة في العالم بأسره.
أبرز نقاط المقال:
✍️ صدام بين “واقعية ترامب” الانعزالية و”واقعية ماكرون” التدخلية.
✍️ترامب يسعى لإنهاء النزاع بسرعة لتقليل الخسائر.
✍️ماكرون يريد استنزاف روسيا وفرض تكلفة باهظة.
✍️ صراع الواقعيات يعيد تشكيل القوة في أوروبا والعالم.
✍️ إدراك أوروبا لاستقلالها العسكري قد يولد جيشًا موحدًا جديدًا.
✍️ صدام بين “واقعية ترامب” الانعزالية و”واقعية ماكرون” التدخلية.
✍️ترامب يسعى لإنهاء النزاع بسرعة لتقليل الخسائر.
✍️ماكرون يريد استنزاف روسيا وفرض تكلفة باهظة.
✍️ صراع الواقعيات يعيد تشكيل القوة في أوروبا والعالم.
✍️ إدراك أوروبا لاستقلالها العسكري قد يولد جيشًا موحدًا جديدًا.

الكاتب: مشتـاق هاشم العلوي



