خاص pravdatv
أخر الأخبار

Pravda TV – قراءة روسية تعيد رسم خريطة العالم رؤية الباحث Горохов Андрей – أندريه جوروخوف بين الأوراسيا والصراع الحضاري

🇷🇺▪️ خلاصة رؤية أندريه جوروخوف: قوة روسيا ليست فقط في إمكاناتها العسكرية والجيوسياسية، بل في قدرتها على تقديم نموذج حضاري وروحي يسمح للعالم بأن يرى نفسه جزءًا من مصير مشترك لا يقوم على الإلغاء، بل على الاعتراف المتبادل🇷🇺.

Pravda TV – قراءة روسية تعيد رسم خريطة العالم
رؤية الباحث والدكتور في العلوم السياسية Горохов Андрей – أندريه جوروخوف بين الأوراسيا والصراع الحضاري

✍️ حاورته الإعلامية هند نجم _ موسكو

 

في عالمٍ يشهد تحوّلات واسعة تعيد صياغة موازين القوى ومفاهيم السيادة وحدود الحضارات، تبرز روسيا كإحدى الدول القليلة التي تواجه هذه التحوّلات ليس فقط بقرارات سياسية أو خطوات استراتيجية، بل برؤية فكرية عميقة تستند إلى تاريخ طويل ووعي حضاري يمتد من أوروبا إلى آسيا. وفي لحظة دولية يزداد فيها الاضطراب وتتصاعد فيها المواجهات الجيوسياسية، تصبح الحاجة أكبر إلى فهم الطريقة التي ترى بها روسيا نفسها والعالم والغرب، وإلى قراءة الجذور العميقة للسياسات والمواقف والمشاريع التي تعيد تشكيل مكانتها على الخريطة الدولية.

لهذا تقدّم منصة Pravda TV هذا الملف الفكري بوصفه مساحة لعرض رؤية بحثية روسية رصينة، تعكس طريقة تفكير النخب الأكاديمية في موسكو، وكيف تفسّر هذه النخب علاقة روسيا بالغرب، وتاريخ الصراع، ومسار الأوراسية، والتوازن الدولي الجديد، وما إذا كان العالم يتّجه نحو مواجهة حضارية أم نحو إعادة توزيع للأدوار بين الشرق والغرب.

وفي هذا الإطار، تأتي مساهمة الباحث  والدكتور الروسي أندريه جوروخوف،

Горохов Андрей رئيس التحرير والناشر لمجلة “السياسة الروسية”،

وحامل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية ،ليقدّم تصورًا فكريًا متكاملًا يشرح فيه رؤيته للعلاقات الروسية–الغربية، وجذور الصدام الفكري والحضاري، وحدود الجغرافيا السياسية الجديدة، إضافة إلى تحليل معمّق لموقع روسيا بين أوروبا وآسيا، وللبعد الروحي والفلسفي الذي يميّز الهوية الروسية.

كيف تحوّل حلم التقارب الروسي–الغربي إلى مسارٍ من الخيبة والتصعيد؟

بعد انتهاء الحرب الباردة وبداية التسعينيات، وجدت روسيا نفسها أمام خيار بالغ الأهمية: هل تمدّ يدها للغرب وتعمل على بناء جسور للتقارب في لحظة كان فيها العالم يعيد تشكيل النظام الدولي؟ غير أنّ الغرب لم يرَ في هذه المبادرة الروسية رغبة صادقة في السلام، بل اعتبرها في كثير من الأحيان إشارة إلى الضعف. واليوم، وبعد مرور ثلاثة عقود، لا تزال أسئلة الهوية الروسية وموقعها بين الشرق والغرب معلّقة تبحث عن إجابات واضحة. هل روسيا دولة أوراسية تسعى إلى استعادة التوازن العالمي؟ أم أنّ التاريخ يقودها نحو صدام حضاري حتمي؟

وفي هذا السياق، يقدّم غوراخوف قراءة مباشرة لما يعتبره الأساس الذي انطلقت منه الأزمة: فبينما اختفت منظمة حلف وارسو، لم يتوقف حلف شمال الأطلسي عن الوجود، ولم يسعَ الغرب بما يكفي نحو السلام. ولذلك، فإنّ استعداد الاتحاد السوفييتي ثم روسيا للتعاون والحوار قوبل دائماً بمحاولات للهيمنة والتلاعب الخارجي، واستخدام القدرات الروسية في خدمة المصالح الجيوسياسية والاستراتيجية للغرب. كان أمام الغرب — كما يقول غوراخوف — فرصة حقيقية لبناء علاقات متوازنة تقوم على الاعتراف بالمصالح الجيوسياسية والاقتصادية لروسيا، والتعامل معها بندّية. لكن الخيار الذي اتُّخذ كان خيار الاحتواء والحرب الهجينة.

ولهذا يستمرّ حلف الناتو اليوم، بل توسّع بشكل غير مسبوق ليقترب أكثر فأكثر من الحدود الروسية. ففي عام 1949 كان الحلف يضم 12 دولة، ثم انضمّت إليه دول إضافية قبل عام 1999، لكن التوسّع الكبير بدأ في عام 1999 مع انضمام بولندا وتشيكيا والمجر، ليتبعه في عام 2004 انضمام سبع دول أخرى: بلغاريا، إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا، رومانيا، سلوفاكيا، وسلوفينيا. ثم انضمّت ألبانيا وكرواتيا عام 2009، والجبل الأسود في 2017، ومقدونيا الشمالية في 2020، ثم فنلندا والسويد في 2023–2024. واليوم بات الناتو يضم 32 دولة، نصفها تقريبًا انضمّ بعد انتهاء الحرب الباردة.

وفي الوقت ذاته، كانت النخب الغربية تقدّم للاتحاد السوفييتي ثم لروسيا تأكيدات متكررة بأنّ الناتو لن يتوسع. وقد وثّق غوراخوف في إحدى دراساته سلسلة من الوثائق الروسية والأميركية التي تُظهر أنّ القيادة السوفييتية تلقت، خلال مفاوضات توحيد ألمانيا عام 1990، ضمانات واضحة بأنّ الناتو لن يقترب من حدود الاتحاد السوفييتي. وقد تكررت هذه الضمانات في عام 1991 أمام القيادة الروسية الجديدة. ويستعرض غوراخوف عشرة أمثلة محددة، من بينها ما قاله المستشار الألماني هلموت كول:

«نحن نرى أنّ الناتو يجب ألا يوسّع مجال عمله. يجب إيجاد تسوية معقولة هنا. أنا أفهم جيدًا مصالح أمن الاتحاد السوفييتي».

أما الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران فقد قال لغورباتشوف:

«طرحتُ مطلبًا واضحًا: في أي سيناريو، لا ينبغي للدفاعات الأمامية للناتو أن تتحرك نحو شرق ألمانيا الموحدة… إنّ وحدة ألمانيا لا يمكن أن تكون نتيجتها عزل الاتحاد السوفييتي. فرنسا لن تقبل بذلك».

ومع أخذ هذا التوسّع بالنظر، وعدم احترام التعهدات السابقة، يتساءل غوراخوف:

من هو المعتدي الحقيقي في أوروبا؟ ومن هو الطرف الأكثر ميلًا للتسلّح؟

ثم يجيب: الجواب واضح.

لماذا ظلّت روسيا بالنسبة للغرب «ظاهرة غامضة» رغم جذورها الأوروبية؟

قبل الدخول في التفاصيل، يوضح غوراخوف أن الغرب ليس كتلة واحدة، وأنّ من الضروري التفريق بين النخب الغربية وبين شعوب الغرب، لأنّ المواقف تجاه روسيا تختلف بشكل كبير بين الطرفين. فالنخب السياسية في أوروبا تجد نفسها اليوم أمام خيار تاريخي سيحدّد مستقبل القارة لعقود طويلة، خصوصًا في ظلّ سياسات المواجهة مع روسيا من خلال الحرب في أوكرانيا وما نتج عنها من تداعيات اقتصادية خطيرة.

ويؤكد غوراخوف أن أوروبا تدفع ثمن هذه السياسات عبر ارتفاع أسعار الطاقة بعد استبدال الغاز والنفط الروسيين بمصادر أميركية أعلى تكلفة، ما أدى إلى انخفاض النمو الاقتصادي وتراجع مستوى المعيشة، الأمر الذي ساهم في صعود التيارات الشعبوية والمتطرفة. ومع زيادة الإنفاق العسكري، تتراجع الحماية الاجتماعية وتتآكل البنى الاقتصادية، بينما تكون الولايات المتحدة — بحسب غوراخوف — المستفيدة الأكبر عبر أرباح شركات السلاح والطاقة.

ومن هنا، يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا تتصرف النخب الأوروبية بما يخالف مصالح شعوبها؟ يصف غوراخوف ذلك بأنه غياب للعقلانية التقليدية التي ميّزت أوروبا، إذ تتبنى هذه النخب مواجهة مفتوحة مع روسيا رغم أن روسيا لم تسعَ إلى صراع مع الغرب، بل إنّ الناتو هو من دفع بتوسّعه المستمر نحو الحدود الروسية، وأثار بذلك التوتر الذي أدّى إلى الحرب.

ويضيف غوراخوف أن روسيا — بعكس ما تروّجه الدعاية الغربية — لم تخطّط يومًا لمواجهة أوروبا، وأنّ العودة إلى العقلانية الأوروبية شرطٌ أساسي لعودة العلاقات إلى مسارها الطبيعي. ويذكّر بأنّ روسيا سبق أن قامت بخطوة تاريخية تجاه أوروبا عندما قبلت بتوحيد ألمانيا، بل حلّت بنفسها حلف وارسو، وهي خطوة لم يقابلها الغرب بالمثل.

ثم ينتقل غوراخوف إلى نقطة جوهرية: لماذا يخاف الغرب من روسيا؟ ويقدّم إجابته: إنّ السبب الحقيقي ليس الجغرافيا ولا السلاح، بل الجهل بالثقافة الروسية. فروسيا — كما يصفها — دولة قديمة جدًا، وذات حضارة متعددة الشعوب، تشكّلت عبر قرون من التفاعل بين الأوروبيين والآسيويين. إنها حضارة متكاملة وليست كيانًا غريبًا كما يظن البعض.

ويعلّق قائلاً إنّ الغرب ينسى يومًا تاريخيًا مفصليًا: القرن العشرون لم يكن ليشهد سقوط النازية لولا تضحيات الاتحاد السوفييتي ورسيا، لكن الغرب اليوم يحاول تجاهل هذه الحقيقة الكبرى.

ويخلص غوراخوف في هذا القسم إلى أن الطريق لإعادة بناء الثقة يبدأ من نقطة واحدة:

معرفة روسيا كما هي، وليس كما تصوّرها الدعاية الغربية.

هل تنتمي روسيا إلى أوروبا أم آسيا… أم أنها حضارة قائمة بذاتها؟

يبدأ غوراخوف هذا القسم بتأكيد واضح: نعم، روسيا دولة أوراسية بكل معنى الكلمة. وهذه الحقيقة لا تستند فقط إلى الخرائط التي تُظهر امتدادها بين القارتين، بل إلى تاريخها الثقافي والحضاري الذي تشكّل من تفاعل طويل بين شعوب أوروبا وآسيا.

ويقدّم أمثلة حيّة على هذا التداخل العميق:

فمن أوروبا، يذكر المعمار الإيطالي كارل روسّي الذي جاء إلى روسيا وأسهم في صياغة ملامح سانت بطرسبورغ الحديثة، بما في ذلك تصميم قصر ميخايلوفسكي، وهو أحد أبرز معالم المدينة. تأثير روسّي لم يكن معماريًا فقط، بل أصبح جزءًا من الهوية البصرية الروسية ذات الطابع الأوروبي.

ومن أوروبا أيضًا جاءت الإمبراطورة كاترين الثانية، المولودة في مدينة شتيتين الألمانية، والتي أصبحت واحدة من أهم الشخصيات السياسية في التاريخ الروسي، وصاحبة مشروع إصلاحي كبير ترك بصمته على الدولة والمجتمع.

وفي الاتجاه الآسيوي، يقدّم غوراخوف مثالاً آخر هو العالم الكازاخي تشوكان وليخانوڤ — الرحّالة، المؤرخ، الفولكلوري، والباحث الذي خدم في مؤسسات الدولة الروسية، بما في ذلك اللجنة العسكرية–العلمية لهيئة الأركان العامة. ويشير غوراخوف إلى أنّ وليخانوڤ نفسه كان يستخدم التعبير: «نحن الروس» في كتاباته، ما يعكس طبيعة الاندماج الحضاري داخل روسيا.

ثم يوسّع قائمة الأسماء ليشمل شخصيات أوروبية عديدة ساهمت في بناء روسيا الحديثة، مثل:
ميخائيل بَركلاي دي تولّي، بوريس ياكوبي، برتلوميُو وفرانشيسكو راستريلي، ماريوس بيتّيبا، إيفان بيرينغ، فرانس لوفورت، إيغور غرابار… وغيرهم الكثير.

هذه الأمثلة — كما يوضح — تمثّل جزءًا صغيرًا فقط من شبكة واسعة من المساهمات الفكرية، والفنية، والعلمية، الأوروبية والآسيوية، التي صاغت الشخصية الروسية عبر القرون.

ويخلص غوراخوف إلى خلاصة حاسمة: الثقافة الروسية ليست ثقافة أوروبية فقط، وليست آسيوية فقط، بل هي مزيج فريد منهما، تشكّلت عبر تاريخ طويل من التفاعل بين الشعوب. إنها حضارة متعدّدة الطبقات — حضارة واسعة الروح، متعدّدة الجذور، ولا يمكن اختزالها في هوية واحدة ضيقة.

هل يقود التوجّه نحو الأوراسية إلى توازن عالمي جديد… أم إلى صدام حضاري؟

يفتتح غوراخوف هذا القسم بسؤال جوهري: ما المقصود اليوم بـ الأوراسية؟ هل هي الامتداد المعاصر للحركة الفكرية التي ظهرت في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي؟ ثم يجيب مباشرة: لا. تلك الحركة لم تنشأ أساسًا داخل روسيا، بل وُلدت في أوساط المهاجرين الروس في أوروبا.

لذلك يرى غوراخوف أن روسيا المعاصرة تحتاج قبل أي شيء إلى إعادة فهم الأوراسية، وإلى التفكير فيها بمنطق جديد يناسب واقع القرن الحادي والعشرين. وهنا يقدّم طرحًا مهمًا: إن الفكرة الأكثر ملاءمة للواقع الدولي الحالي ليست الأوراسية بصيغتها القديمة، بل ما يسميه فكرة «الأوراسيا الكبرى».

ولماذا «الأوراسيا الكبرى» أهم وأكثر دقة؟ يشرح غوراخوف أن الأوراسية التقليدية كانت تقوم في جزء منها على افتراض أن روسيا تشكّلت تحت تأثير “النير المغولي–التتري”، وهو ما لا يوافق عليه؛ كما أنه لا يتفق مع نقد الأوراسيين لحقبة بطرس الأكبر، التي يعتبرها مرحلة أساسية أسهمت في تحديث الدولة الروسية.

أما الأوراسيا الكبرى، فهي عند غوراخوف ليست فكرة تقوم على التناقض بين الشرق والغرب، بل على البحث عن المشترك بينهما، وعلى بناء فضاء حضاري متكامل لا يستند إلى المواجهة، بل إلى التعاون.

ويحذّر من أن العالم اليوم يمكن أن ينزلق نحو نتائج كارثية إذا استمرّ منطق الصدام. ولهذا — كما يرى — من الضروري أن يبحث الشرق والغرب عن النقاط التي تجمعهما بدل النقاط التي تفرّقهما.

ويشدّد غوراخوف على أن الثقافة الروسية تحمل في داخلها عناصر الوحدة والبناء المشترك، وأن الروح الروسية قائمة على التعاون، والتكامل، والإبداع، وليس على الصراع والانقسام.

هذه المبادئ — من وجهة نظره — هي التي يمكن أن تشكّل أساسًا حقيقيًا لمشروع “الأوراسيا الكبرى”، مشروع لا يهدف إلى خلق كتلة تواجه الغرب، بل إلى إعادة تنظيم العالم على أساس التوازن والشراكة.

هل تشكّل الأوراسية ردًّا فلسفيًا روسيًا على العولمة الغربية؟

يبدأ غوراخوف هذا القسم بتوضيح أساسي: العولمة لم تعد مشروعًا غربيًا، بل أصبحت واقعًا يعيش فيه الجميع. فنحن اليوم — كما يقول — نعيش في عالم مترابط إلى درجة غير مسبوقة: خبر واحد ينتشر خلال ثوانٍ عبر القارات، واتصالٌ واحد يكفي لربط أقصى الأرض بأقصاها. هذا هو الواقع العالمي الجديد، ولا يمكن تجاهله أو الانسحاب منه.

لكن التحدي الأكبر لا يكمن في العولمة نفسها، بل في كيفية العيش داخلها دون أن تتحول إلى أداة لفرض قيم ثقافية على الشعوب الأخرى. وهنا يشدّد غوراخوف على نقطة محورية: العولمة التي تُقدَّم كمنظومة “قيم عالمية” ليست في الحقيقة سوى قيم ليبرالية غربية تُفرض بصيغة شمولية، وهو ما ترفضه روسيا، كما ترفضه معظم دول الشرق والجنوب العالمي.

وفي مواجهة هذه الهيمنة، يرى غوراخوف أن روسيا تمتلك تجربة فريدة قدّمها التاريخ: إنها دولة تضم عشرات الشعوب والأديان والثقافات، وقد استطاعت عبر قرون طويلة أن تبني نموذجًا للعيش المشترك دون أن تُلغى خصوصية أي شعب أو تُفرض عليه ثقافة الغالب.

هذه التجربة — من وجهة نظره — هي نموذج مضاد للفكرة الغربية التي تقول إن “الحداثة الليبرالية” هي النموذج الوحيد الصالح للبشرية.

ويضيف غوراخوف أن روسيا لا تقبل العولمة التي تستند إلى نفي الثقافات المحلية، لكنها في الوقت ذاته لا تقف ضد التواصل العالمي أو ضد بناء فضاء مشترك للبشرية، شرط أن يُبنى هذا الفضاء على أساس التعددية الثقافية والاعتراف بحق الشعوب في الحفاظ على قيمها الخاصة.

وفي هذا السياق، يجيب غوراخوف على السؤال: هل الأوراسية هي رد فلسفي روسي على العولمة؟ ويقول: إنّ قيمة الأوراسية ليست في مجرّد رفض النموذج الغربي، بل في تقديم رؤية بديلة تستند إلى التوازن، والتنوع، والتعايش، وتقوم على قبول الاختلاف، لا على محاولة صهر العالم في قالب واحد.

أما الفكرة الأساسية التي يؤكد عليها، فهي أن العالم اليوم يحتاج إلى التعلّم على العيش المشترك، وهذا — في رأيه — هو أحد أعظم الدروس التي يمكن أن تقدمها روسيا للعالم، لأنها نجحت عبر تاريخها الطويل في بناء دولة متعددة القوميات والأديان تعيش في إطار واحد.

ويختم هذا الجزء بالتأكيد على أن روسيا لن تقبل يومًا بفكرة “الكونية الليبرالية”، ولا تعتبرها مستقبلًا للبشرية، وهذا الرفض لم يعد روسيًا فقط، بل أصبح يشمل معظم الشرق ومعظم دول الجنوب التي ترى أن العولمة بصيغتها الغربية تهدّد هوياتها.

هل تمثّل الأوراسية مشروعًا لهوية روسية جديدة في مواجهة النموذج الغربي؟

يطرح غوراخوف في هذا القسم سؤالًا محوريًا: هل يمكن اعتبار الأوراسية — أو ما يسميه “الأوراسيا الكبرى” — مشروعًا لهوية روسية وطنية وثقافية في القرن الحادي والعشرين؟ ويجيب بأن هذا المشروع لا يجب أن يُقرأ كبديل قومي مغلق، بل كـ رؤية حضارية واسعة تمتلك قدرة على جمع رؤى شعوب مختلفة ضمن إطار واحد.

ويشير إلى أن روسيا اليوم ليست في طور التأسيس لهوية جديدة، بل في مرحلة إعادة اكتشاف اتساع هويتها ودورها الحقيقي في العالم. وهنا يعرض غوراخوف فكرة لافتة: المشروع الأكثر أهمية الذي يمكن أن تنخرط فيه روسيا هو مشروع «الأوراسيا الكبرى في عالم واحد»، وهو مشروع قادر — في نظره — على التعبير عن عمق الروح الروسية واتساع ثقافتها.

ثم يستشهد غوراخوف بكلام الرئيس فلاديمير بوتين عام 2024، حيث قال:

«نعتقد أنّ الوقت قد حان لبدء نقاش واسع حول نظام جديد من الضمانات الأمنية الثنائية والمتعددة الأطراف في أوراسيا. وعلى المدى البعيد، يجب الدفع نحو تقليص الوجود العسكري للقوى الخارجية في المنطقة الأوراسية».

ويفسّر غوراخوف هذا التصريح بكونه تأكيدًا على أن هدف روسيا ليس بناء تكتل عسكري جديد، بل ترسيخ فضاء حضاري متكامل لا يخضع لإملاءات القوى غير الأوراسية.

ثم ينتقل إلى نقطة ذات بُعد جيوسياسي كبير: الأوراسيا — بحسب رؤيته — ليست قارة مغلقة، بل يمكن أن تمتد لتشمل قارات أخرى عبر مشاريع ربط ضخمة طال الحديث عنها، مثل إنشاء جسر أو نفق يصل بين أوراسيا وأميركا الشمالية. ويرى غوراخوف في هذه المشاريع تأكيدًا على أن أوراسيا ليست “كتلة معزولة”، بل جزء من بنية عالمية موحّدة.

وعن موقف الغرب، يوضح غوراخوف أن الغرب ليس كتلة واحدة: فهناك الغرب الذي يروّج للـ “الرهاب من روسيا” وسيعارض أي رؤية بديلة للعولمة الليبرالية، وهناك الغرب الآخر — الأكاديمي والثقافي — الذي يدرك قيمة التعددية الثقافية ويستطيع أن يرى في مشروع “الأوراسيا الكبرى” فرصة لتفادي الصدام العالمي وبناء حوار حقيقي بين الحضارات.

ويختتم هذا الجزء بخلاصة واضحة: الأوراسية ليست نقيضًا للغرب، وليست مشروعًا لإقصاء أحد، بل هي إطار حضاري واسع يمكن أن يقدّم بديلًا عقلانيًا عن الصراع الذي يهيمن على العلاقات الدولية اليوم.

هل حسمت روسيا خيارها بالتوجّه شرقًا… أم أنّ التوازن بين الشرق والغرب قدرها الجغرافي؟

يبدأ غوراخوف هذا القسم بالتأكيد على أن فهم روسيا كقوة أوراسية يعني أنّ دورها الطبيعي لا يمكن أن يُختزل في الانتماء إلى الشرق أو الغرب وحدهما. فروسيا — بحكم الجغرافيا والتاريخ — لا يمكن أن تصبح دولة “شرقية بالكامل” ولا “غربية بالكامل”، بل يجب أن تكون حاضرة في كلا الاتجاهين.

ويشرح أن الهدف الأساسي من توسّع الناتو كان إخراج روسيا من السياسة الأوروبية بالكامل، وتحويلها إلى قوة محصورة في آسيا وحدها. لكن قبول روسيا بذلك يعني — من وجهة نظره — القبول بالرؤية الغربية التي تريد إقصاءها عن الفضاء الأوروبي، وهو ما لا يمكن لروسيا أن تقبله.

بل على العكس، يرى غوراخوف أن أوروبا اليوم تفتقد الثقافة الروسية، وأن “الرهاب من روسيا” (الروسوفوبيا) دفعها إلى إقصاء أحد أهم مكوّنات هويتها الحضارية، رغم أن روسيا ليست عدوًا لأوروبا، بل جزءًا أساسيًا من إرثها الجغرافي والثقافي.

وفي هذا السياق، يشدّد غوراخوف على أن العالم يحتاج اليوم إلى منظمات أوراسية واسعة، تجمع الشعوب الأوروبية والآسيوية في إطار مشترك، سواء كانت منظمات ذات طبيعة إنسانية أو ثقافية أو حتى أمنية.

ويقدم فكرة لافتة ذات بعد رمزي وجغرافي كبير: المكان الأنسب لاحتضان مقرّ هذه المنظمة يجب أن يكون في قلب أوراسيا نفسها. ثم يكشف: المركز الجغرافي للقارة الأوراسية يقع في جبال ألتاي. وفي رأيه، من هذا المكان يمكن أن تنطلق منظمة تُمثّل كامل فضاء أوراسيا، وهي منظمة تعبّر عن مشروع وحدة جغرافية وثقافية لا يستثني الأوروبيين ولا الآسيويين.

ويخلص غوراخوف في هذا الجزء إلى أنّ روسيا — مهما اشتد الصراع — لا يمكن أن تتخلى عن أوروبا ولا عن آسيا، لأن هويتها مرتبطة بهما معًا، وأن أي مشروع عالمي جديد لا يمكن أن ينجح دون دور روسيا كقوة واصلة بين العالمين.

كيف تعكس الفلسفة السياسية الروسية التحوّلات الجارية… وهل تستعيد عمقها الفكري الذي ميّزها عبر القرون؟

يقول غوراخوف في هذا القسم إنّ من الصعب الحديث عن “الفكر الروسي كله” دفعة واحدة، لكن المقصود هنا هو الفكر السياسي المعاصر في روسيا، وهو مجال يشهد تحديات كبيرة في زمن تغمره المعلومات، لكن تقلّ فيه الفكرة العميقة.

ويرى أنّ العالم اليوم مليء بالمحتوى الإعلامي السريع، لكنه فقير جدًا في الفكر السياسي الحقيقي. وهذه المشكلة — كما يشير — تنعكس أيضًا على روسيا، بحيث أصبح الفاصل بين الفلسفة السياسية وبين الخطاب السياسي الآني فاصلًا ضبابيًا تكاد تُمحى حدوده.

ويعتبر غوراخوف أن هذا التداخل بين الفلسفة والسياسة اليومية يشكّل أحد أخطر مظاهر العصر الحديث، لأن السياسة تفقد جذورها المعرفية وتصبح مجرّد ردّ فعل سريع لا يستند إلى رؤية فكرية أو فلسفية.

وفي رأيه، لا يمكن للسياسة الروسية — أو أي سياسة أخرى — أن تتقدّم من دون العودة إلى تراثها الفكري العميق. وهنا يدعو غوراخوف إلى استعادة قراءات كبار المفكرين الروس الذين شكّلوا عبر التاريخ البوصلة الفلسفية للأمة، ويذكر منهم:
نيكولاي دانيلِفسكي، قسطنطين ليونتيف، نيكولاي برديائيف.

هؤلاء — كما يوضح — لا يمكن فصل فكرهم عن الأسئلة السياسية، لأنهم بحثوا أسس الهوية الروسية، وعلاقة روسيا بالغرب، ودور القيم الروحية في السياسة، وطرحوا أسئلة ما تزال حاضرة بقوة حتى اليوم.

ويؤكد غوراخوف أن المهمة الأساسية للفكر الروسي المعاصر هي: العودة إلى هذا التراث، ليس بهدف تكراره، بل بهدف استخراج الإجابات التي يحتاجها العصر، لأنّ الماضي — كما يقول — يحمل في عمقه الكثير من المفاتيح التي يمكن أن تساعد على فهم حاضر العالم وتحولاته.

وهكذا يرى غوراخوف أن الفكر السياسي الروسي لا يستعيد أمجاده فقط، بل يعيد بناء نفسه عبر دمج الإرث الفلسفي القديم بالأسئلة الجيوسياسية الجديدة التي يفرضها عالم اليوم.

هل يتحوّل الصراع في أوكرانيا إلى مواجهة حضارية… أم أنّه مشروع جيوسياسي بحت؟

يوضح غوراخوف في بداية هذا القسم أنّ من الصعب اليوم وصف الغرب بأنه حاملٌ للقيم الليبرالية التي يدّعي تمثيلها. فالممارسات التي تُرتكب باسم الحرية — كما يقول — تكشف عن تناقضات كبيرة، لأن “الحرية” التي يروّج لها الغرب لا تُمنح إلا لمن يتّفق مع النموذج الغربي، بينما يُقيَّد كل من يخالف هذا النموذج.

ثم يطرح سلسلة من الأسئلة:
هل يمكن اعتبار فرض القيود على الشركات الأوروبية المتعاملة مع روسيا أو الصين شكلًا من أشكال الحرية؟
وهل يمكن وصف تجميد أصول مواطنين من دول أخرى بأنه ممارسة ديمقراطية؟
وهل تُعدّ القيود على التنقّل وإصدار التأشيرات وتقييد التبادل الثقافي والعلمي تعبيرًا عن “الانفتاح” الذي تتحدث عنه أوروبا؟

يجيب غوراخوف بوضوح: لا. كل ذلك لا يمتّ بصلة إلى الحرية الحقيقية.

ويضيف أن الغرب بات يواجه أزمة في تحديد هويته ودوره، وأنّ المبادئ التي كان يدّعي الدفاع عنها لم تعد واضحة أو مستقرة. أما “الرسالة الحضارية” التي كان يعتبر نفسه حاملًا لها، فقد أصبحت غامضة بل ومتناقضة.

وفي المقابل، يرى غوراخوف أن روسيا لا تنظر إلى الغرب — شعوبًا وثقافات — بوصفه عدوًا، بل تعتبر أن المشكلة تكمن في النخب السياسية الغربية التي تبنّت سياسة عدائية ممنهجة ضد روسيا، وإلى حدّ محاولة “إلغاء الثقافة الروسية” نفسها، كما حصل في مجالات الفن والرياضة والتعليم.

أما بالنسبة للحرب في أوكرانيا، فيرفض غوراخوف اعتبارها صدامًا حضاريًا بين روسيا والغرب. ويصفها بأنها مشروع جيوسياسي هدفه الحقيقي إضعاف العلاقات الاقتصادية والثقافية بين روسيا وأوروبا. ويقول إن أوكرانيا تُستخدم أداة في لعبة أكبر، بينما مصالح الشعب الأوكراني ليست هي ما يحرّك اللاعبين الأساسيين وراء الصراع.

ويشدّد على أنّ الشعبين الروسي والأوكراني يشتركان في منظومة قيمية وثقافية وروحية واحدة، وأنّ العداء بينهما هو صناعة سياسية مفروضة من فوق، تقودها النخب الأوكرانية التي تبنّت خطابًا “معاديًا لروسيا” يخدم مصالح القوى الخارجية.

ويختم هذا الجزء بخلاصة واضحة: الصراع في أوكرانيا ليس صراعًا حضاريًا بين عالمين، بل هو صدام سياسي–استراتيجي صُنِع لأهداف تتجاوز أوكرانيا وروسيا معًا.

الروحانية والضمير والقداسة… هل تعود روسيا إلى مركزها الروحي في عالم مضطرب؟

يوضح غوراخوف أن روسيا، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، عادت إلى جذورها الروحية العميقة التي شكّلت جزءًا أساسًا من تاريخها. فسقوط الإيديولوجيا الرسمية خلق فراغًا واسعًا على مستوى الفكرة والمعنى، ما جعل المجتمع بحاجة إلى منظومة قيمية جديدة تعيد إليه توازنه.

وهنا يبرز دور التراث الأرثوذكسي الذي يحمل قرونًا من الخبرة الروحية والفلسفية. ويستشهد غوراخوف بكتابات الأرشمندريت فاسيلي، أحد أبرز المجدّدين الروحيين في جبل آثوس في القرن العشرين، ولا سيما مؤلّفه الشهير:
«الحياة الروحية في عالم متغيّر – 12 كلمة عن الخلاص».

ويقتبس غوراخوف تعريفًا بديعًا للقديسين جاء في هذا الكتاب:

«القديسون ليسوا مجرّد مفكرين أو خطباء أو كتّاب. إنهم أناس أحرار، صادقون، يعيشون في الله. حياتهم مباشرة، وتعبيرهم صادق. أحبّوا التواضع، وامتلأوا حكمة، وصاروا منارات للحق. لم يعرفوا القداسة معرفة نظرية، بل عاشوها وامتلأت بها أرواحهم حتى صاروا سببًا لظهور الإله في العالم، أي لظهور الإنسان الحقيقي».

ثم ينتقل غوراخوف إلى السؤال: ماذا تعني هذه الروحانية في العلاقات بين الناس؟
ويجيب من خلال اقتباس آخر من الأرشمندريت فاسيلي:

«الإنسان القريب منهم يشعر بالأمان. لا يحتقرونه، ولا يستغلونه، ولا يكذبون عليه. لأنهم لا يحملون مشكلة يريدون حلّها على حسابه. يعرفون أن الله يحبّ كل خليقة، ويحبّ الإنسان كاملًا، بروحه وحريته».

ويستخلص غوراخوف من هذه الفكرة درسًا كبيرًا:
القداسة ليست كلامًا، بل سلوكًا.
فهي لا تُقاس بالشعارات، بل بمدى قدرة الإنسان على معاملة الآخرين بصدق واحترام وإحساس بالمسؤولية الروحية.

ثم يطبّق هذه الفلسفة على العلاقات الدولية، فيقول: إذا كانت الروحانية الروسية تعني السعي إلى النقاء الداخلي والصدق والسمو الأخلاقي، فالعلاقات بين الدول — وفق هذه الرؤية — يجب أن تقوم على الثقة، والاحترام، وعدم استغلال الآخر، بدلًا من منطق الهيمنة الذي يسود الغرب اليوم.

ويرى غوراخوف أن اعتماد هذه المبادئ قد يغيّر شكل النظام العالمي بأكمله، لأنه يمكن أن يقدّم بديلًا أخلاقيًا عن الأساليب السياسية والاقتصادية التي تستند إلى التفوق والهيمنة.

ويختم هذا الجزء بفكرة مؤثرة من الأرشمندريت فاسيلي:

«عظيمٌ هو الإنسان الذي يشعر من حوله — وخصوصًا الضعفاء — بأنهم بدورهم عظماء».

ويقول غوراخوف إن هذه الفكرة تنطبق أيضًا على الشعوب: فالأمة العظيمة ليست تلك التي تستعرض قوتها، بل تلك التي يشعر الآخرون في ظلّها بأنهم أقوياء وكاملو الكرامة. وفي هذا المعنى — كما يختم — تكمن رسالة روسيا الروحية في عالم يميل نحو الصراع والاضطراب.

هل يقود العالم نحو انفجار حضاري… أم نحو توازن جديد؟
قراءة في رؤى المفكر الروسي أندريه جوروخوف

يفتتح غوراخوف هذا القسم بإشارة مباشرة إلى الفيلسوف الروسي المعروف ألكسندر دوغين. ويقول بصراحة إنه لا يُعدّ من أنصاره، رغم فهمه للظروف الشخصية التي جعلت دوغين يتبنّى خطابًا عالي النبرة بعد اغتيال ابنته في تفجير استهدف سيارته، وهو عمل يعتبره غوراخوف إرهابًا تقف وراءه أجهزة أوكرانية، مشيرًا إلى أنّ الهدف الأصلي للتفجير كان دوغين نفسه.

ومع تعاطفه الإنساني مع مأساة دوغين، يرى غوراخوف أنّ النزعة إلى تصعيد الصراع — التي أصبحت واضحة في خطاب دوغين خلال السنوات الأخيرة — يمكن أن تقود العالم إلى نتائج كارثية. فالمسار التصادمي، من وجهة نظره، لا يمكن إلا أن يدفع البشرية نحو مواجهة عالمية كبرى، وهو سيناريو يراه غير مقبول، ويتناقض تمامًا مع روح الثقافة الروسية التي «لا تقوم على الصدام، بل على البناء المشترك».

ويؤكد غوراخوف أنّ روسيا — تاريخيًا وروحيًا — ليست قوة تسعى إلى تدمير الآخرين، بل قوة تحمل رؤية وحدوية، تقوم على التعاون بين الشعوب والحضارات، وعلى مفهوم عميق للكرامة الإنسانية المشتركة. وهذه المبادئ، كما يقول، يمكن أن تكون أساسًا لعلاقات دولية أكثر توازنًا وعدلًا.

ويشير غوراخوف إلى أنّ روسيا وأوروبا تمتلكان تاريخًا طويلًا من التفاعل الفكري والثقافي، وأن هناك الكثير مما يجمعهما أكثر مما يفرّقهما. ولهذا، فإنه يرفض أي سردية تحاول وضعهما في مواجهة وجودية، لأن مثل هذه السردية لا تخدم سوى القوى التي تريد استمرار التوتر العالمي.

ويعيد غوراخوف هنا طرح واحدة من أهم الأفكار التي شكلت الفكر الروسي عبر القرون:
«إما أن ينجو الجميع… أو لا ينجو أحد».
إنها فكرة روحية عميقة المعنى، تقوم على أن مصير الإنسان مرتبط بمصير الآخر، وأن العالم — على الرغم من اختلافاته — لا يمكن أن يقوم على الهيمنة والقوة، بل على التعاون والمصير المشترك.

ويشرح أن هذه الرؤية ليست مجرد مبادئ أخلاقية أو دينية، بل هي أساس سياسي يمكن أن يغيّر شكل العالم، لأنّ السياسات القائمة على «التفوّق» و«إخضاع الآخر» أثبتت — كما يقول — أنها تقود دائمًا إلى الصدام والفوضى.

ويقدّم غوراخوف في نهاية هذا الجزء صورة للروح الروسية، فيقول إنها روح متواضعة وقوية في آن، تبحث عن السلام لا الضعف، وعن الكرامة لا الاستعلاء، وعن البناء لا الهدم. ويعتبر أن هذه الروح — إذا جرى فهمها بعمق — يمكن أن تكون أساسًا لصياغة نظام عالمي أكثر إنسانية، وأكثر قدرة على احتواء الاختلاف.

ويختم غوراخوف بقناعة حاسمة:

إن مستقبل العالم سيتحدد ليس بمن يملك القوة العسكرية الأكبر… بل بمن يملك القدرة على تقديم رؤية تسمح للجميع بأن يشعروا بأنهم جزء من مصير مشترك، وبأنهم — رغم ضعفهم — عظماء في إنسانيتهم.

 

أبرز النقاط من الحوار

الباحث  والدكتور الروسي أندريه جوروخوف،

Горохов Андрей

 رئيس التحرير والناشر لمجلة “السياسة الروسية”،

  دكتور في العلوم السياسية

حاورته:
الإعلامية هند نجم، ضمن ملف فكري خاص تقدّمه منصة Pravda TV.

  • 📌▪️ قراءة روسية معمّقة للفكر السياسي المعاصر، تنطلق من سؤال: كيف ترى روسيا نفسها والعالم والغرب في ظل التحوّلات الجيوسياسية الراهنة؟
  • ✍️▪️ تأكيد على أنّ فرصة تاريخية ضاعت بعد نهاية الحرب الباردة، حين قابل الغرب استعداد موسكو للتقارب بخطاب هيمنة وتوسّع بدلاً من بناء شراكة متوازنة.
  • 📌▪️ توثيق التناقض بين الوعود الغربية بعدم توسّع حلف الناتو وبين الواقع الحالي الذي أوصل عدد دول الحلف إلى 32 دولة، قاربت حدود روسيا بشكل مباشر.
  • ✍️▪️ إبراز أن جذور الأزمة الراهنة ليست في “عدوانية روسية”، بل في منطق الاحتواء الغربي والحرب الهجينة ومحاولة توظيف القدرات الروسية في خدمة مشاريع الغرب الاستراتيجية.
  • 📌▪️ التفريق بين النخب الغربية التي تدفع نحو المواجهة، وبين شعوب أوروبا التي تتحمّل كلفة العقوبات وارتفاع أسعار الطاقة وتراجع مستويات المعيشة وصعود الشعبوية.
  • ✍️▪️ تأكيد أن روسيا لم تسعَ إلى صدام مع أوروبا، وأن قبولها بتوحيد ألمانيا وحلّ حلف وارسو لم يُقابل بخطوات مماثلة من الجانب الغربي.
  • 📌▪️ تقديم روسيا كحضارة أوراسية ممتدة، تشكّلت هويتها من تفاعل عميق بين أوروبا وآسيا، وليست ظاهرة غريبة أو استثناءً على الخريطة الحضارية.
  • ✍️▪️ عرض أمثلة ملموسة على مساهمات أوروبية وآسيوية في صياغة ملامح روسيا الحديثة: من كارل روسّي وكاترين الثانية إلى تشوكان وليخانوڤ وسواهم من العلماء والمفكرين.
  • 💭▪️ الانتقال من مفهوم “الأوراسية” الكلاسيكية إلى مشروع «الأوراسيا الكبرى» كفضاء حضاري للتعاون والتوازن، لا كمحور صدامي جديد ضد الغرب.
  • 💭▪️ نقد العولمة الليبرالية بوصفها محاولة لفرض “قيم عالمية” ذات منشأ غربي على بقية الشعوب، والدفاع عن نموذج تعدّدي يحفظ الخصوصيات الثقافية والهويات الوطنية.
  • 🇷🇺▪️ تقديم التجربة الروسية التاريخية – دولة متعددة القوميات والأديان – كنموذج عملي للعيش المشترك داخل فضاء واحد، من دون صهر الهويات أو إلغائها.
  • 🇷🇺▪️ التأكيد أن الصراع في أوكرانيا ليس مواجهة حضارية بين روسيا والغرب، بل مشروع جيوسياسي هدفه تفكيك الروابط الاقتصادية والثقافية بين موسكو وأوروبا.
  • 🇷🇺🇺🇦▪️ الإشارة إلى أن الصراع الروسي – الأوكراني الراهن هو صناعة سياسية من أعلى، وأن الشعبين يشتركان في منظومة قيمية وروحية واحدة.
  • 💭▪️ الدعوة إلى إعادة وصل الفكر السياسي الروسي بجذوره الفلسفية العميقة (دانيلِفسكي، ليونتيف، برديائيف…) لاستعادة البعد القيمي والروحي في فهم السياسة.
  • 🔷️▪️ إبراز دور التراث الأرثوذكسي في إعادة صياغة معنى الروحانية والقداسة بعد انهيار الأيديولوجيا السوفييتية، وربط ذلك برؤية أكثر أخلاقية للعلاقات الدولية.
  • 🤝▪️ استحضار مفهوم القداسة كـ “سلوك ومسؤولية” لا كشعار، وتطبيق هذا المنطق على مستوى تعامل الدول مع بعضها: احترام، ثقة، ورفض لاستغلال الآخر.

 

  • 📢▪️ رفض السرديات التصادمية التي تنزلق بالعالم إلى “انفجار حضاري”، والدعوة إلى خطاب روسي–أوروبي بديل يقوم على البناء المشترك لا على منطق الإقصاء.
  • 💭▪️ استحضار الفكرة المحورية في الوجدان الروسي: «إما أن ينجو الجميع… أو لا ينجو أحد» كأساس لرؤية كونية جديدة تتجاوز منطق التفوّق والهيمنة.
  • 🇷🇺▪️ خلاصة رؤية أندريه جوروخوف: قوة روسيا ليست فقط في إمكاناتها العسكرية
  • والجيوسياسية، بل في قدرتها على تقديم نموذج حضاري وروحي يسمح للعالم بأن يرى نفسه جزءًا من مصير مشترك لا يقوم على الإلغاء، بل على الاعتراف المتبادل🇷🇺.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »