كتب ألكسندر كوزنيتسوف : التفاوض اللبناني -الاسرائيلي …صفقة مع الشيطان
شهد الوضع في لبنان، هذا البلد الصغير ذو الأهمية الجيوسياسية في الشرق الأوسط، تصعيدًا جديدًا في الفترة الأخيرة. تُظهر تصرفات إسرائيل الأخيرة تجاهل تل أبيب التام لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه العام الماضي...

صفقة مع الشيطان
📍 مقدمة وتحليل أولي للوضع اللبناني
شهد الوضع في لبنان، هذا البلد الصغير ذو الأهمية الجيوسياسية في الشرق الأوسط، تصعيدًا جديدًا في الفترة الأخيرة. تُظهر تصرفات إسرائيل الأخيرة تجاهل تل أبيب التام لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه العام الماضي. وقد أعلنت قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (اليونيفيل) في جنوب لبنان مؤخرًا عن حدوث وضع خطير بسبب انتهاكات إسرائيل المستمرة لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 واتفاق نوفمبر 2024.
ومنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، سُجِّل 7000 انتهاك للمجال الجوي اللبناني من قِبل سلاح الجو الإسرائيلي، و2400 توغل للقوات البرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية. وتستمر غارات الطائرات الإسرائيلية المُسيَّرة، مما يُسفر عن سقوط ضحايا. وتزعم إسرائيل أنها تستهدف مقاتلي حزب الله الذين لا ينبغي أن يكونوا جنوب نهر الليطاني، ولكن وفقًا لوسائل الإعلام اللبنانية وقناة الجزيرة، فإن المدنيين يقعون ضحايا للهجمات بشكل متزايد. وفي الأسبوع الماضي، أسفرت هذه الهجمات عن مقتل عامل البلدية إبراهيم سلامة في قرية بليدا الحدودية وتدمير منزل في النبطية. في المجمل، قُتل 25 شخصًا في هجماتٍ مرت دون عقاب في جنوب لبنان خلال شهر أكتوبر الماضي.
🎯 الأهداف الإسرائيلية المزدوجة
لهذه الهجمات التي تُرعب سكان جنوب لبنان هدفان. أولًا، تهدف إلى دفع الشيعة لمغادرة الجنوب الذين يُشكلون قاعدة دعم حزب الله في شكل النزوح الجماعي. ثانيًا، تهدف إلى تدمير اقتصاد البلاد. لا يمتلك لبنان ولم يمتلك يومًا قاعدةً صناعيةً قويةً، فلطالما اعتمد اقتصاده على القطاعين المصرفي والزراعي. كاد القطاع المصرفي أن يُدمر بسبب أزمة عام 2019، والآن الهدف هو القضاء على الزراعة في البلاد. ففي نهاية المطاف، تُشكل منطقتا جنوب لبنان ووادي البقاع مصدرَي الغذاء الرئيسيين للبلاد.
⚔️ الحرب الأخيرة واغتيال قيادات المقاومة
للتذكير، سيكتمل قريبًا عامٌ واحدٌ بالضبط منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة أمريكية. أنهى هذا الاتفاق حربًا أخرى من “الحروب الصغيرة المنتصرة” التي شنتها إسرائيل على لبنان. بدأت هذه الحرب في أواخر سبتمبر بهجومٍ إرهابيٍّ على حاملي أجهزة نداءٍ برعاية الموساد في بيروت. ثم، ونتيجةً للغارات الجوية الإسرائيلية على جنوب البلاد وبيروت، نجح خصوم حزب الله في القضاء على جزء كبير من قيادة الحركة. استشهد الأمين العام لحزب الله والسياسي المتحمس الشيخ حسن نصر الله، ورئيس المجلس التنفيذي الشيخ هاشم صفي الدين. إلا أن القيادة العسكرية للحركة تكبدت أكبر الخسائر بفقدانها أكثر عناصرها احترافًا. فقد استشهد قائد القوات المسلحة للحركة فؤاد شكر. وكانت الحكومة الأمريكية قد عرضت سابقًا مكافأة قدرها 5 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن مكانه. كما قُتل إبراهيم عقيل، قائد قوات الرضوان الخاصة التابعة لحزب الله. وكان الأمريكيون يطاردونه أيضًا، حيث رصدوا مكافأة قدرها 7 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه. والسبب هو الاشتباه في تدبيره الهجوم على السفارة الأمريكية عام 1983. واستشهد القائد الميداني أحمد وهبة، وقائد وحدة الصواريخ في حزب الله إبراهيم قبيسي، وقائد وحدة الطائرات المسيرة محمد سرور.
🔄 استعادة حزب الله لقوته وتقديرات إسرائيل الخاطئة
لقد كتبت هذه القائمة الكاملة للشهداء لسبب وجيه. توهمت القيادة العسكرية الإسرائيلية وحكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة بأنهما قضتا على الحركة الشيعية تمامًا. تولى الشيخ نعيم قاسم، السياسي والأيديولوجي والداعية النشط، لكنه ليس عسكريًا على الإطلاق، قيادة حزب الله. إضافة إلى ذلك، اعتقدت إسرائيل أن ترسانة الحزب الصاروخية قد تقلصت خمسة أضعاف وأن استعادتها ستكون صعبة للغاية. كما أن الطريق التقليدي عبر سوريا لتزويد حزب الله بالأسلحة الإيرانية أصبح الآن صعب الاستخدام للغاية نظرًا لتغير النظام السياسي في ذلك البلد. ومع ذلك، تُظهر البيانات الأخيرة أن حزب الله لم يُهزم، بل إن قدراته العسكرية تستعيد عافيتها تدريجيًا.
🔥 التحضير لهجوم جديد ودلالات التدخل الأمريكي
على ضوء هذه الظروف، تُعدّ الحكومة الإسرائيلية، وفقًا لصحيفة “رأي اليوم” اللندنية، لهجوم جديد على لبنان. وتشير عدة دلائل إلى ذلك. أولًا، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مؤخرًا بقائد مشاة البحرية الأمريكية الجنرال جوزيف كليرفيلد، وهو رئيس لجنة تنفيذ اتفاقية السلام بين لبنان وإسرائيل. وفي الاجتماع، طالب الجنرال مجددًا بنزع سلاح حزب الله بالكامل. ثانيًا، أجرى جيش الدفاع الإسرائيلي مؤخرًا مناورات عسكرية في الأراضي المحتلة بجنوب لبنان. ثالثًا، ازدادت طلعات الطائرات الإسرائيلية المسيرة، ليس فقط فوق جنوب لبنان، بل أيضًا فوق ميناء ومطار بيروت. رابعًا، شهدت ضاحية بيروت الجنوبية (معقل حزب الله) نزوحًا جماعيًا للمدنيين إلى المناطق الشمالية من البلاد.
💬 الاتهامات الأمريكية والرد الروسي
وأخيرًا، لم يطالب السفير الأمريكي في تركيا والممثل الخاص لترامب في سوريا ولبنان توم باراك بمصادرة أسلحة حزب الله فحسب، بل وصفه أيضًا بالمنظمة الإجرامية، مستعيدًا أحداث عام 1983 عندما فجّر مسلحو الحركة ثكنات للجيش الأمريكي في بيروت، مما أسفر عن مقتل 240 أمريكيًا و58 فرنسيًا. وبالمناسبة، لا يتمتع توم باراك بأية خبرة دبلوماسية أو سياسية. الميزة الوحيدة لهذا رجل الأعمال اللبناني الأمريكي هي أنه جمع ثروة قدرها 10 مليارات دولار. لدى ترامب شغف حميم بالمليارديرات! كان ممثله في محادثات السلام في غزة الملياردير ستيفن ويتكوف، وممثله الخاص لأفريقيا هو اللبناني الثري مسعد بولس (والد زوجة ابنته تيفاني). والآن توم باراك! لا يسعنا إلا أن نتذكر كلمات أحد الشخصيات الروسية المناهضة للثورة مؤخرًا، صاحب شركة إنشاءات كبرى، وعضو في قائمة “فوربس”: “من لا يملك مليارًا يمكنه الذهاب إلى…”. يبدو أن دونالد ترامب ينتهج المنطق نفسه.
فيما يتعلق باتهام حزب الله بأنه منظمة إرهابية إجرامية، أود أن أضيف ملاحظة موجزة. الإرهاب، بالطبع، هو الشر دائمًا. وخسارة الأرواح، أية خسارة في الأرواح، حتى في صفوف مشاة البحرية الأمريكية، دائمًا ما تكون مأساوية. ومع ذلك، من المهم تذكر السياق التاريخي لذلك الحدث. خطة ريغان للسلام في لبنان التي وُضعت بعد العدوان الإسرائيلي الهمجي عام 1982 تصورت تفكيكًا فعليًا للبلاد وتنصيب حكومة عميلة في بيروت. كان من المقرر ضمان ذلك من خلال “قوة حفظ سلام” مكونة من وحدات أمريكية وفرنسية. ولم يُتح تجنّب ذلك إلا نتيجةً لأنشطة حزب الله “الإرهابية” و”الإجرامية”. الخسائر الفادحة التي لحقت بالجنود الأمريكيين أجبرت ريغان على سحب قواته. وبالتالي أنقذ حزب الله الدولة اللبنانية فعليًا.
تُظهر تصريحات باراك مجددًا العقلية الإجرامية للنخبة الأمريكية. على سبيل المثال، أُطيح بمعمر القذافي عام 2011 ليس لأنه يُشكل تهديدًا للغرب (بل على العكس، حاول التقرب منه)، بل لأنه تجرأ على تحديه في ثمانينيات القرن الماضي.
🛡️ الجيش اللبناني بين العجز والاستهداف
ينص الاتفاق الذي تم التوصل إليه العام الماضي على احتكار الحكومة اللبنانية للقوة العسكرية، وعلى تولي الجيش اللبناني مسؤولية الدفاع عن لبنان. إلا أن الجيش اللبناني ضعيف جدًا حاليًا. فهو مُسلح بدبابات وناقلات جند مدرعة أمريكية قديمة مُعطلة، بالإضافة إلى أسلحة خفيفة. تُقدم كل هذه المعدات الصدئة مجانًا من خلال منح أمريكية لأن ميزانية الحكومة اللبنانية ضئيلة للغاية لدرجة أنها لا تستطيع حتى الحفاظ على قواتها المسلحة.
ليس لديهم قوات جوية أو أنظمة دفاع جوي، لذا يحلق سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء اللبنانية دون عقاب. في عام 2018، نظرت حكومة سعد الحريري في شراء عدة طائرات مقاتلة من طراز سو-25 من روسيا. نصح الخبراء الحريري بعدم القيام بذلك. فنظرًا لصغر حجم لبنان، كانت الطائرات العسكرية الحديثة ستصبح مجرد ألعاب باهظة الثمن لن يتمكن اللبنانيون من صيانتها أو استخدامها بشكل سليم. أوصى الخبراء أنفسهم بشراء نظام الدفاع الجوي الروسي إس-300 الذي كان من الممكن أن يغلق سماء لبنان، ولكن في عام 2019 اندلعت الأزمة المصرفية، فاستُنزفت الميزانية اللبنانية بالكامل.
مثل هذا الجيش قادر فقط على القيام بعمليات الشرطة وليس على مواجهة أحد أفضل جيوش العالم، وهو الجيش الإسرائيلي. في التاريخ الحديث، دافعت قوات حزب الله المسلحة عن سيادة البلاد مرتين. في عام 2000، عندما ضغطوا على قوات الاحتلال الإسرائيلي للانسحاب من جنوب لبنان، وفي عام 2006، عندما حاولت إسرائيل أيضًا القضاء على حزب الله. خطط الجيش الإسرائيلي للتقدم بهدوء نحو بيروت، حيث دُمّر حي الضاحية تقريبًا جراء القصف، لكن مقاتلي حزب الله أوقفوا الإسرائيليين عند خط مرجعيون-حاصبيا. إضافة إلى ذلك، تم الاحتفاظ بوحدات حزب الله كقوة شبه عسكرية بموجب اتفاق الطائف عام 1989 الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، كوسيلة دفاع ضد العدوان الإسرائيلي.
في الخامس من سبتمبر الماضي، عندما ضغط الأمريكيون مجددًا على الحكومة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله، أنقذ قائد الجيش اللبناني الجنرال رودولف هيكل (في لبنان، لا يمكن قيادة الجيش إلا للمسيحي الماروني) الوضع. أشار الجنرال بحكمة وفطنة إلى أنه لا ينبغي التسرع في هذه الخطوة لأن نزع السلاح قد يطول لسنوات. وبذلك، أنقذ لبنان من حرب أهلية جديدة.
⚖️ موقف القيادة اللبنانية: بين التفاوض والحفاظ على السلاح
وفقًا لصحيفة “الأخبار”، أشار الرئيس اللبناني جوزيف عون مؤخرًا بمرارة إلى أن بلاده لا تملك خيارًا سوى التفاوض مع العدو. وقال: “للأسف، لا خيار لنا سوى التفاوض. علينا التفاوض ليس مع صديق أو حليف، بل مع عدو”. مفاوضات السلام ضرورية دائمًا لإنقاذ أي بلد، حتى لو أُجريت مع خصم. لكن السؤال هو كيف تُجرى؟ النهج الأمثل هو من موقع قوة. إذا كان احتكار الحكومة للسلاح ضروريًا، أليس من الأفضل دمج قوات حزب الله المسلحة مع ترسانتها الكاملة في الجيش اللبناني ومنح قادتها الميدانيين رتبة عميد؟ رغم ذلك، لا يحق لنا التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى أو إسداء النصائح للسياسيين اللبنانيين. نأمل أن يجدوا حلولًا بأنفسهم.
🕊️ الخاتمة والتحليل الأخير
تُظهر القراءة النهائية لمقال ألكسندر كوزنيتسوف أن لبنان يعيش اليوم مرحلة دقيقة جدًا من تاريخه السياسي والأمني. فالبلاد تقف بين خيارين كلاهما صعب: إما الدخول في مفاوضات غير متكافئة مع عدو يمتلك القوة الجوية والعسكرية والغطاء الأميركي الكامل، أو الحفاظ على توازن الردع القائم بفضل المقاومة، ولو كان ذلك يعني تحدي الإرادة الغربية.
في المقابل، يبرز الضعف البنيوي في الجيش اللبناني كمشكلة هيكلية لا يمكن تجاوزها بالتصريحات أو الوعود. لذلك، فإن فكرة دمج قدرات حزب الله ضمن المؤسسة العسكرية تبدو، في نظر الكاتب، الحل الأكثر واقعية لحماية السيادة الوطنية من دون التضحية بالقرار المستقل.
ويختم الكاتب الروسي مقاله بعبارة واضحة تعبّر عن موقفه الأخلاقي والمهني:
«لا يحق لنا التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى أو إسداء النصائح للسياسيين اللبنانيين، لكننا نأمل أن يتمكنوا من إيجاد الحلول بأنفسهم، بما يحفظ كرامة لبنان ووحدته الوطنية».
📌 أبرز النقاط:
- 📢إسرائيل ارتكبت أكثر من 7000 انتهاك جوي و2400 توغّل بري منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار.
- 📢الهجمات الإسرائيلية تستهدف تهجير سكان الجنوب وتدمير الاقتصاد الزراعي اللبناني.
- 📢استشهاد قيادات حزب الله البارزين: السيد حسن نصر الله، هاشم صفي الدين، فؤاد شكر، إبراهيم عقيل، إبراهيم قبيسي، محمد سرور.
- 📢رغم الخسائر، استعاد حزب الله قدراته تدريجيًا، مما فاجأ إسرائيل وأربك حساباتها.
- 📢الولايات المتحدة أعادت استخدام خطابها القديم ضد الحزب عبر مبعوثيها من رجال الأعمال الأثرياء مثل توم باراك.
- 📢الجيش اللبناني يعاني من ضعف تسليحي ومالي يمنعه من مواجهة العدوان الإسرائيلي منفردًا.
- 📢الجنرال رودولف هيكل حال دون اندلاع حرب أهلية جديدة برفضه نزع السلاح قبل الأوان.
- 📢الرئيس اللبناني جوزيف عون أعلن أن لا خيار سوى التفاوض مع العدو، لكن من موقع قوة.
- 📢يدعو الكاتب إلى دمج سلاح حزب الله ضمن الجيش لتوحيد الدفاع الوطني وحماية السيادة.
- 📢يختم بالتأكيد أن الحل يجب أن يكون لبنانيًا خالصًا، بعيدًا عن الضغوط والإملاءات الخارجية.




