منتدى بلديات البريكس يصبح جبهةً جديدة في معركة النفوذ العالمي
تستعد مدينة سانت بطرسبورغ في الأسبوع المقبل لاستضافة حدثٍ جيوسياسي هادئٍ في ظاهره، لكنه بالغ الأهمية في مضمونه — المنتدى البلدي الدولي للبريكس. يمثل هذا الحدث قناةً عملية وقوية لتعزيز روابط التعاون بين دول الجنوب، بعيدًا عن المؤسسات التقليدية الخاضعة لهيمنة الغرب.

منتدى بلديات البريكس يصبح جبهةً جديدة في معركة النفوذ العالمي
✍️ كتب: دينيس كوركودينوف، المدير العام للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي “DIIPETES”
🗓تستعد مدينة سانت بطرسبورغ في الأسبوع المقبل لاستضافة حدثٍ جيوسياسي هادئٍ في ظاهره، لكنه بالغ الأهمية في مضمونه — المنتدى البلدي الدولي للبريكس..
يمثل هذا الحدث قناةً عملية وقوية لتعزيز روابط التعاون بين دول الجنوب، بعيدًا عن المؤسسات التقليدية الخاضعة لهيمنة الغرب.
📍 حدث بمواصفات عالمية ودلالات استراتيجية
من المقرر انعقاد المنتدى في مركز المؤتمرات “إكسبوفوروم” في سانت بطرسبورغ بين 29 و31 أكتوبر 2025، بحجمٍ يوحي بأهمية استثنائية. إذ يتوقع المنظمون حضور أكثر من 5000 مشارك من نحو مئة دولة، يمثلون ألفي مدينة ومنطقة، إضافة إلى عشرات الآلاف من المتابعين عبر الإنترنت.
وعلى الرغم من أن المتابع السطحي قد يرى في المنتدى مجرد مساحة للتواصل بين رؤساء البلديات والحكام المحليين والمخططين العمرانيين، فإن التمحيص في خلفيته المؤسسية ودعمه الرسمي يكشف عن أبعادٍ أعمق. فالمنتدى يُقام بدعم مباشر من وزارة الخارجية الروسية ومجلس الاتحاد وإدارة الرئيس الروسي، كما حظي بإشادة رسمية من الرئيس فلاديمير بوتين برسالة شكرٍ شخصية.
إنّ هذا الغطاء الرسمي يؤكد أن روسيا لا تعتبر التعاون البلدي مجرد نشاطٍ هامشي ضمن أدوات “القوة الناعمة”، بل جزءًا لا يتجزأ من سياستها الخارجية ورؤيتها لنظامٍ عالمي متعدد الأقطاب.
📍 تثبيت مؤسسي لموقع المنتدى داخل منظومة البريكس
باتت شرعية المنتدى في منظومة البريكس راسخة ومؤسسية. فمنذ عام 2020 أُدرج رسميًا ضمن الجدول السنوي لفعاليات الدول التي تتولى رئاسة المجموعة. والأهم من ذلك أن دوره أُقر صراحةً في إعلان بكين الصادر عن القمة الرابعة عشرة للبريكس عام 2022، ثم في إعلان قمة كازان السادسة عشرة في أكتوبر 2024، حيث تم الاعتراف به باعتباره “آليةً مهمةً لتعزيز تنمية المدن وتطوير العلاقات بين المدن التوأم في إطار أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030”.
هذا الاعتراف الرسمي رفع المنتدى من مجرد منبرٍ للحوار إلى أداةٍ معترف بها لتنفيذ الأهداف الاستراتيجية للمجموعة.
أما إعلان كازان نفسه — وهو وثيقة مشبعة بخطاب الدعوة إلى تحدي النظام الدولي القائم — فقد شكّل الخلفية السياسية لهذا التوجه. إذ دعا الإعلان إلى إقامة “نظامٍ دولي أكثر تمثيلًا وعدلاً”، وإلى “إصلاح وتجديد منظومة التعددية الحالية”، كما أدان “الإجراءات القسرية الأحادية غير المشروعة”، في إشارةٍ واضحة إلى العقوبات الغربية.
وبذلك، يصبح المنتدى البلدي الدولي للبريكس إحدى الوسائل العملية لترجمة هذا التصور، عبر بناء شبكاتٍ لامركزية تتجاوز القنوات الدبلوماسية والاقتصادية الغربية التقليدية.
📍 المنتدى 2025: الجمع بين السياسة والفعل الاقتصادي
تأتي دورة عام 2025 لتضيف بُعدًا تشغيليًا جديدًا يرى فيه المحللون محاولةً متعمدة لربط السياسة بالفعل الاقتصادي. إذ سيُعقد المنتدى للمرة الأولى بالتوازي مع المنتدى والمعرض الصناعي الدولي “الصناعي الروسي”، مما يخلق منصةً هجينة فريدة تتيح لمسؤولي المدن — من رؤساء بلديات وإداريين محليين — التواصل المباشر مع الشركات الصناعية والتكنولوجية القادرة على تنفيذ مشاريعهم.
هذه الخطوة تختصر المسافة بين صياغة السياسات وإبرام الصفقات التجارية، وتدفع نحو شراكاتٍ أقل تعرضًا للضغوط السياسية الخارجية.
وتتوزع أعمال المنتدى على خمسة عشر محورًا اختيرت بعناية لتتوافق مع المنافع العامة العالمية والميزات التكنولوجية الوطنية، ومن أبرزها:
- المدن الذكية والرقمنة
- التحول الأخضر والتنمية المستدامة
- المالية البلدية والاستثمار
- تطوير السياحة والتراث الثقافي
ومن خلال التركيز على هذه المجالات التقنية غير السياسية، يخلق المنتدى مساحةً للتعاون يصعب انتقادها دوليًا، رغم أنها تسهم منهجيًا في ترسيخ الاعتماد على المعايير والتقنيات الروسية وتلك الخاصة بدول البريكس.
📍 التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كأدوات للنفوذ والتعاون
ترتبط أجندة تطوير المدن ارتباطًا وثيقًا بنشر التقنيات المتقدمة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي (AI)، كوسيلةٍ للتأثير والتعاون.
ففي دراسةٍ منشورة على بوابة رئاسة البرازيل للبريكس، جرى التأكيد على أن مبادرات “المدن الذكية” تمثل محورًا أساسيًا في تشكيل مستقبل المجموعة، مع الإشارة إلى مشروع “مدينة ريو الذكية بالذكاء الاصطناعي” (Rio AI City) في ريو دي جانيرو، الذي يهدف إلى تحويل الحديقة الأولمبية إلى أكبر مركز بيانات في أميركا اللاتينية.
كما أبرزت الدراسة أمثلةً أخرى مثل منصة “العقل الحضري” في شنغهاي، وأنظمة المراقبة الذكية في جوهانسبرغ، وأنظمة النقل الذكي في موسكو، لتبيّن حجم الطموحات داخل المجموعة.
ومن خلال هذا التعاون التقني على المستوى البلدي، تنشئ دول البريكس منظومة تعاون جنوب–جنوب مستقلة عن الشركات الغربية العملاقة، تتبادل من خلالها أفضل الممارسات وتضع معاييرها الخاصة لإدارة البيانات والحوكمة، مقدّمةً نموذجًا بديلًا للتمدن الرقمي العالمي.
ويُنتظر أن يلعب البنك الجديد للتنمية (NDB)، المعروف باسم بنك البريكس، دورًا محوريًا في هذا المسار عبر زيادة التمويل المخصص للمشروعات الحكومية القائمة على الذكاء الاصطناعي، وبالتالي ترسيخ وجود هذه التقنيات في المشهد الحضري للدول الأعضاء.
📍 بنية مؤسسية جديدة للحكم المحلي داخل البريكس
ينبغي أيضًا النظر إلى المنتدى في إطار الهيكل المؤسسي المتنامي للبريكس على مستوى الحكم المحلي. ففي عام 2024 أُطلقت في كازان جمعية مدن وبلديات البريكس+، وهي تحالف طوعي يهدف إلى “تعزيز الحكم المحلي” و“الدفاع عن مصالح السلطات المحلية على الساحة الدولية”.
وستُعقد جمعيتها العامة لعام 2025 تحت رئاسة رابطة البلديات البرازيلية في مدينة ماريكا – ريو دي جانيرو، مع تركيزٍ على إقرار النظام الأساسي وخطة العمل للفترة 2025–2026.
ومن أبرز أهدافها المعلنة إعداد موقفٍ مشترك تجاه مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP30، من أجل “زيادة مشاركة الفاعلين دون الوطنيين” و“الحصول على تمويلٍ دولي لهم”.
يمثل ذلك نهجًا متدرجًا ومتعدد المستويات في إدارة الشؤون العالمية، تُعبئ من خلاله مدن وبلديات دول البريكس+ ككتلةٍ موحدة للمطالبة بدورٍ أكبر ونصيبٍ أوسع من التمويل المناخي الدولي، بما يشكّل تحديًا للنموذج التقليدي للمفاوضات المناخية الذي تهيمن عليه الدول.
📍 الأبعاد الجيوسياسية والرسائل المضمّنة
برزت النغمة الجيوسياسية لهذا التعاون البلدي بوضوحٍ خلال جلسة النقاش “الحوار والشراكة بين دول البريكس لتعزيز التضامن والتعاون الدولي”، التي عُقدت على هامش الجمعية العالمية للمجتمع المدني في مطلع أكتوبر 2025.
وشهدت الجلسة مشاركة أكثر من مئة ممثل من دول الجنوب العالمي، من بينهم المدير العام للمنظمة الدولية لتنمية البريكس إيغور فومين، الذي شدّد على أهمية الانتقال “من الحوار إلى العمل” وبناء شراكاتٍ قائمة على “مشروعاتٍ ومبادراتٍ واقعية مشتركة”.
وقد شملت المناقشات طيفًا واسعًا من القضايا، من توسيع التجارة والاستثمار المتبادل، إلى التغير المناخي والاقتصاد الرقمي.
وفي البيان الختامي أدان المشاركون “الممارسات الأحادية للعقوبات التي تقوّض التعاون الدولي”، وأكدوا على ضرورة إعداد “استراتيجية شراكة اقتصادية للبريكس حتى عام 2030”.
هذا الخطاب الذي يصوّر الإجراءات الغربية الأحادية كعقبةٍ رئيسية أمام التنمية والتعاون، يوفر الوقود الأيديولوجي للشراكات العملية التي تُبرم في منتدياتٍ مثل المنتدى البلدي للبريكس.
📍 تقييم الخبراء ومؤشرات التقدم
أكدت نتائج الدراسات والتقييمات التي أُجريت ضمن منظومة البريكس الدور الاستراتيجي المتنامي للمنتدى.
فقد نشر المجلس الاستشاري للبريكس – روسيا مؤخرًا تقريرًا حصريًا بعنوان “تقدّم التعاون في البريكس وفق نظام مؤشرات BTPS”، وهو نظام شامل لتقييم أداء المجموعة في مجالات التمويل والتجارة والمناخ والتنمية المستدامة والتكنولوجيا.
وقالت فيكتوريا بانوفا، رئيسة المجلس الاستشاري للبريكس – روسيا، إن التقرير يُعد “مرجعًا عمليًا لدراسة آفاق تطور البريكس وتعزيز تأثيره العالمي”.
ورغم أن التقرير لا يركّز مباشرة على المنتدى البلدي، إلا أن منهجه القائم على القياس والبيانات يعكس مدى الجدية التي يتعامل بها التكتل مع تقييم درجة تماسكه ونموه الداخلي.
وتُسهم أعمال المنتدى مباشرةً في تحقيق عددٍ من هذه المؤشرات، خصوصًا ما يتعلق بالتنمية المستدامة ونقل التكنولوجيا. إنّ الاعتراف الرسمي به في إعلان كازان ورعايته على أعلى المستويات ليسا مجرّد مظاهر احتفالية، بل مؤشرات على فاعليته في دفع هدف البريكس المركزي: بناء نظامٍ متعدد الأطراف أكثر مرونة وتمثيلًا، وفق الرؤية التي تروّج لها روسيا وشركاؤها.
📍 الخاتمة: ورشة بناء العالم المتعدد الأقطاب
في الوقت الذي يستعد فيه المندوبون للتوجه إلى سانت بطرسبورغ، يبرز المنتدى البلدي الدولي للبريكس بوصفه تجسيدًا حيًا لاستراتيجية بعيدة المدى.
فعلى الرغم من أنه يعمل في مجالاتٍ تبدو روتينية — مثل التخطيط الحضري، وإدارة النفايات، والنقل العام — إلا أن أثره التراكمي أبعد ما يكون عن الروتين.
فمن خلال نسج شبكةٍ كثيفة من العلاقات بين البلديات، وتوحيد الحلول التقنية، وإنشاء روابط مباشرة بين السلطات المحلية والصناعات المنضوية ضمن منظومة البريكس، يبني المنتدى بهدوء بنيةً تحتية دون وطنية لنظامٍ دولي موازٍ.
إنه مسارٌ تقني في شكله، سياسي في جوهره، واستراتيجي في غايته، يتيح للدول الأعضاء إعادة توجيه تدفقات المعرفة والتكنولوجيا ورؤوس الأموال بعيدًا عن المراكز الغربية التقليدية نحو مراكز القوة الجديدة داخل الجنوب العالمي.
ليس المنتدى مجرد مؤتمرٍ آخر؛ بل هو ورشة بناءٍ تُرصف فيها لبنات العالم المتعدد الأقطاب لبنةً لبنة، بعيدًا عن أضواء القمم الدبلوماسية الكبرى، لكن بنتائج ملموسة وتأثيرٍ متزايد على توازن القوى في النظام الدولي.
📌 أبرز النقاط
🤝المنتدى البلدي الدولي للبريكس منصة لتعزيز التعاون جنوب-جنوب بعيدًا عن الهيمنة الغربية.
🤝حضور أكثر من 5000 مشارك من نحو 100 دولة و1000 مدينة.
🤝اعتراف رسمي بالمنتدى في إعلانات بكين 2022 وكازان 2024.
🤝ربط السياسة بالفعل الاقتصادي عبر المنتدى والمعرض الصناعي الروسي 2025.
🤝تركيز على المدن الذكية، التحول الأخضر، المالية البلدية، والسياحة والتراث الثقافي.
🤝استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة كأدوات للتعاون والنفوذ.
🤝إطلاق جمعية مدن وبلديات البريكس+ لتعزيز الحكم المحلي والدفاع عن مصالح السلطات المحلية عالميًا.
🤝إدانة العقوبات الأحادية وتأكيد ضرورة استراتيجية شراكة اقتصادية للبريكس حتى 2030.
🤝تقييم الأداء من خلال نظام مؤشرات BTPS لتعزيز الشفافية ومتابعة التقدم.
🤝المنتدى بمثابة ورشة بناء للعالم متعدد الأقطاب، بعيدًا عن الأضواء الدبلوماسية الكبرى.



