مقالات
أخر الأخبار

نظريات العلاقات الدولية وسياق الشرق الأوسط: الحرب في غزة وتجاذب “حزب الله”

في دراسة العلاقات الدولية، تتبلور عادة ثلاث مدارس رئيسية: المدرسة الواقعية (Realism)، المدرسة الليبرالية (Liberalism)، والمدرسة البنائية (Constructivism). من منظور الواقعية، ينظر إلى الدولة أو الفاعل كيانا يسعى للسلطة والبقاء، والمنافسة هي طبيعة النظام الدولي.

نظريات العلاقات الدولية وسياق الشرق الأوسط: الحرب في غزة وتجاذب “حزب الله”

✍️🧾كتبت زليخة معروف – كاتبة متخصصة في العلاقات الدولية والشؤون السياسية.

في دراسة العلاقات الدولية، تتبلور عادة ثلاث مدارس رئيسية: المدرسة الواقعية (Realism)، المدرسة الليبرالية (Liberalism)، والمدرسة البنائية (Constructivism). من منظور الواقعية، ينظر إلى الدولة أو الفاعل كيانا يسعى للسلطة والبقاء، والمنافسة هي طبيعة النظام الدولي. أما الليبرالية فتركز على التعاون بين الفواعل، المؤسسات الدولية، والقواعد التي تنظم العلاقات. في حين تشير البنائية إلى أن المعاني والأفكار، كالهوية، الشرعية، البنى الاجتماعية، هي ما تشكل الفاعلين وتوجهاتهم. في سياق الشرق الأوسط الراهن، يمكن رؤية كل من هذه النظريات تفسر جوانبا من الصراع: رغبة إسرائيل في ضمان أمنها (واقعية)، تدخلات المنظمات الدولية والمبادرات الدبلوماسية (ليبرالية)، وكذلك التأطير الرمزي لصراع الهوية والمقاومة (بنائية).

الحرب في قطاع غزة: تحليل نظري وتطبيق

عندما نتوجه إلى غزة، نرى أن الصراع لا يقتصر على هجوم عسكري أو تدخل أمني فحسب، بل يمتد إلى بعد استراتيجي أوسع. من منظور الواقعية، تهدف إسرائيل إلى تحييد حماس كقوة عسكرية وسياسية تقع ضمن ما تعتبره تهديدًا وجوديًا، وهو ما يظهر في الحملة العسكرية المكثفة والهدف المعلن لتفكيك قدرات الحركة. من ناحية أخرى، المدرسة الليبرالية تسلط الضوء على الجهود الدولية لإدخال المساعدات، وتأطير حل سياسي، لكن تلك الجهود تصطدم بالواقع الميداني المعقد والشرعية المتضاربة. من زاوية البنائية، يظهر أن الصراع يحمل دلالات رمزية: قضية المقاومة، والهوية الفلسطينية، والحكم على ما إذا كانت غزة قابلة للعيش، كلها مكونات تشكل مدى الشرعية وتحشيد الرأي العام.

في المجمل، فإن الحرب في غزة تعكس حالة من تناقض المدارس: من جهة قائمة المساعي الواقعية (قوة، أمن، بقاء)، ومن جهة أخرى الحاجات الليبرالية (دعم إنساني، مؤسسات)، وبنفس الوقت النزاع الرمزي والهوية البنائية (شرعية، مقاومة، سرديات).

“حزب الله” في لبنان: بعديات وتحولات

‏حزب الله في جنوب لبنان يمثل فاعلا مركبا، ليس فقط حزبيا أو سياسيا بل ذا بعد عسكري وبعد تبعي إقليمي. من منظور الواقعية، يتصرف الحزب كأداة لزيادة قدرة إيران على التأثير في إسرائيل عبر حدود شمالها، وهو ما يترجم إلى جبهة ثانية تربك تل أبيب. من منظور البنائية، ينظر إلى الحزب كمنظومة مقاومة تحمل هوية طائفية/إقليمية وتوسعها عبر السرديات والرموز، ما يجعله أكثر من مجرد لاعب محلي. وفي سياق الليبرالية، يمكن النظر إلى حدود لبنان (حزب الله) إسرائيل عبر إطار اللعب الإقليمي والتنسيق الدولي، حيث تكتسب “قواعد الاشتباك” ووقف التصعيد أهمية.

لكن التحولات واضحة، فقد تضاءل الدور الإقليمي للحزب بسبب تغيرات في سورية وسيناريو التمويل، وقد انعكس ذلك داخليا من خلال أزمة الشرعية والميل نحو التحول إلى فاعل أكثر دفاعا منه هجوميا.

التفاعل بين غزة ولبنان: كيف تتداخل الجبهتان؟

إن الربط بين ما يحصل في غزة وما يحصل في لبنان مع حزب الله هو مثال حي على “الحرب المتداخلة” (multi-front) التي تتجاوز حدود الدولة الواحدة. من منظور الواقعية، إسرائيل تخشى أن تشكل غزة والحدود الشمالية مع لبنان خطي تهديد متزامنين، ما يضخم تكاليفها الأمنية. من منظور الليبرالية، يرى البعض أن الحل يجب أن يشمل ضبط الجبهتين عبر دبلوماسية إقليمية، حماية المدنيين، وتعزيز مؤسسات حلول النزاع. من منظور البنائية، فمعاني: “المقاومة” و”الرد” تتقاطع بين فلسطين ولبنان، ما يضفي على الصراع طابعا يخرق الحدود التقليدية للدولة. وتشير دراسات إلى أن فرضية الحرب الشاملة ترتفع إذا فشلت آليات ضبط التصعيد.

الخلاصة: ملاحظات واستشراف

يمكن القول إن منطقة الشرق الأوسط، وعلى نحو خاص القضية الفلسطينية وصراع إسرائيل مع غزة، وكذلك جبهة حزب الله في لبنان، تمثل مختبرا حيا لتطبيق نظريات العلاقات الدولية. فالأمن والقوة، التعاون والمؤسسات، الهوية والمعاني كلها تتقاطع وتتشابك. في ضوء هذا الواقع، فإن الحل لا يكمن في تبني مدرسة واحدة فقط، بل في مقاربة مركبة تجمع بين فهم الديناميات الواقعية، والعمل الليبرالي-المؤسسي، والانتباه للبنى البنائية التي تشكل الحراك السياسي والمعنوي. في المستقبل القريب، تظل المخاطر كبيرة: استنزاف طويل، تطور إلى جبهة إقليمية، أو حتى إعادة تموضع للمفاعيل داخل لبنان أو غزة أو كليهما. لذا، فإن تحليلنا يجب أن يظل حيا، متجددا، ومتعدد الأبعاد.

✍️📰 أبرز النقاط

  • الثلاث مدارس الرئيسية للعلاقات الدولية تفسر جوانب الصراع في الشرق الأوسط: الواقعية، الليبرالية، البنائية.
  • الحرب في غزة تمثل مزيجاً من القوة، الدعم الدولي، والصراع الرمزي على الهوية.
  • حزب الله قوة مركبة في لبنان، تتداخل أبعادها العسكرية والسياسية والرمزية.
  • التفاعل بين غزة ولبنان يعكس مفهوم الحرب المتداخلة (multi-front war).
  • الحل يتطلب مقاربة مركبة تجمع بين الديناميات الواقعية، الليبرالية، والبنائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »