ترامب الدجّال الجديد… ونتنياهو الكاهن الأكبر: صفقة “السلام الأبدي” أم صفقة القرون السوداء؟
في مشهدٍ سياسيٍّ يعيد إلى الأذهان أسوأ فصول التاريخ الاستعماري، وقف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض ليعلنا معًا ما سُمِّي بـ«خطة السلام الأبدي». غير أنَّ جوهر المشهد لم يكن سلامًا، بل مسرحيةً مدروسة الإخراج، أبطالها أمريكيون وإسرائيليون، وضحيتها شعبٌ فلسطينيٌّ أُقصي عمدًا من المشهد السياسي، وغابت عنه الأنظمة العربية التي اكتفت بدور المتفرج الصامت أو الشريك المموِّل في الخفاء.

ترامب الدجّال الجديد… ونتنياهو الكاهن الأكبر: صفقة “السلام الأبدي” أم صفقة القرون السوداء؟
🧾✍️📰كتب الخبير الاستراتيجي و الأمني الأستاذ الدكتور حكيم غريب _ الجزائر
في مشهدٍ سياسيٍّ يعيد إلى الأذهان أسوأ فصول التاريخ الاستعماري،
وقف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض ليعلنا معًا ما سُمِّي بـ«خطة السلام الأبدي».
غير أنَّ جوهر المشهد لم يكن سلامًا، بل مسرحيةً مدروسة الإخراج، أبطالها أمريكيون وإسرائيليون، وضحيتها شعبٌ فلسطينيٌّ أُقصي عمدًا من المشهد السياسي، وغابت عنه الأنظمة العربية التي اكتفت بدور المتفرج الصامت أو الشريك المموِّل في الخفاء.
ترامب، ببراغماتيته الفجّة ولغته المليئة بالمبالغة، ظهر في هيئة «المخلِّص» الذي جاء ليُنهي الحرب في غزة ويعيد الأمل إلى الشرق الأوسط، بينما في الحقيقة كان يوزِّع صكوك الغفران السياسية لإسرائيل، ويمنحها اعترافًا ضمنيًا بسيادتها الكاملة على القرار الفلسطيني.
أما نتنياهو، فقد لعب دور «الكاهن الأكبر»، مستغلًا اندفاع ترامب وغياب العرب ليُكرِّس فكرة إسرائيل «المُنقِذ من الفوضى»، ويحوِّل المعاناة الإنسانية في غزة إلى فرصة لتثبيت الهيمنة الإسرائيلية عبر بوابة «الإعمار المشروط».
هذه الخطة التي تُسوَّق إعلاميًا تحت شعار «وقف الحرب وإعادة الإعمار»، تخفي في باطنها صفقة قرون جديدة عنوانها الحقيقي: «سلام مقابل السيطرة». فالمشهد الأمريكي – الإسرائيلي لا يختلف كثيرًا عن الصفقات التاريخية التي غيَّرت وجه المنطقة منذ اتفاقية سايكس–بيكو إلى اتفاقيات أوسلو، سوى أنَّ هذه المرة جاءت الصيغة أكثر نُعومة ودهاءً: احتلالٌ بلا جنود، واستسلامٌ مغطّى بلغة التنمية والمساعدات الإنسانية.
بين خطاب ترامب المتخم بالشعارات الدينية والسياسية، وخضوع نتنياهو المحسوب على اليمين الديني المتطرف، يتضح أن ما يجري ليس خطة سلام، بل هندسة سياسية جديدة للشرق الأوسط، هدفها إعادة توزيع الأدوار وإسكات الصوت الفلسطيني باسم الواقعية السياسية. وهكذا يتحول الفلسطيني من مقاومٍ يطالب بحقه، إلى كائنٍ يحتاج إلى «خطة إعمار» و«مجلس وصاية»، يُدار من واشنطن وتل أبيب، ويموَّل من العواصم العربية التي اختارت طريق التطبيع بدل طريق الكرامة .
إن ما يُسمّى بـ«صفقة السلام الأبدي» ليس إلا صفقة القرون السوداء، لأنها تسعى لتكريس منطق التبعية، وتُعيد صياغة مفهوم السيادة في المنطقة على مقاس واشنطن وتل أبيب. فترامب في ثوب الدجّال، يبيع الوهم باسم السلام، ونتنياهو في ثوب الكاهن الأكبر، يمنح «بركة الاحتلال» لمن يقبل بالإذعان. وبين هذا وذاك، تظل غزة — بجراحها وصمودها — الشاهد الحيّ على سقوط الأخلاق الدولية، وعلى نهاية مرحلة وبداية أخرى عنوانها الهيمنة المقنَّعة بلغة السلام .
المحور الأول: “السلام الأبدي” في خطاب ترامب بين الوهم الديني والحساب السياسي.
في عالم السياسة الأمريكية، حيث تختلط العقيدة بالمصلحة، والدين بالبراغماتية، جاء خطاب دونالد ترامب حول ما سماه “السلام الأبدي” ليؤكد أن الرجل لا ينظر إلى الشرق الأوسط من زاوية العدالة أو القانون الدولي، بل من منظور صفقة تجارية تُدار بعقلية المقاول لا بعقلية رجل الدولة. لقد حاول ترامب أن يظهر في صورة “نبيّ السلام” الذي يحمل الخلاص للمنطقة، لكنه في الحقيقة لم يكن سوى تاجر أزمات، يسوّق الوهم تحت عناوين براقة ليضمن بقاء إسرائيل مركزًا للمشهد وواشنطن حكمًا على الجميع .
يبدو “السلام الأبدي” في خطاب ترامب محاولة لتقديس مشروع سياسي بغطاء لاهوتي، إذ يُستعار مصطلح “الأبدي” من المعجم الديني ليُضفي على الخطة بعدًا روحانيًا زائفًا، يجعل من إسرائيل “أرض الوعد” ومن نتنياهو “رجل السلام المختار”.
هذا التلاعب الرمزي بالدين في السياسة يعكس فهمًا أمريكيًا جديدًا للشرق الأوسط، قائمًا على تطويع المقدّس لخدمة الهيمنة، وتحويل فكرة الخلاص إلى أداة للسيطرة.
فترامب لم يخاطب فقط القادة العرب أو الرأي العام العالمي، بل وجّه رسائل ضمنية إلى القاعدة الإنجيلية في الولايات المتحدة، التي تؤمن بأن قيام “إسرائيل الكبرى” شرط لعودة المخلّص المزعوم.
وهكذا تماهت المصالح الانتخابية مع الأيديولوجيا الدينية في خطابٍ واحدٍ يجمع بين الوهم والصفقة.
من ناحية أخرى، حمل خطاب ترامب ملامح الحساب السياسي البارد، إذ جرى تقديم خطة “السلام” ليس باعتبارها تسوية سياسية عادلة، بل باعتبارها مشروعًا اقتصاديًا مربحًا. فقد تم اختزال المأساة الفلسطينية في أرقام وخرائط ومشاريع إعمار، وكأنّ القضية ليست صراعًا على الأرض والسيادة، بل نزاعًا حول من يدفع ويمنح ويموّل. هذا التشييء المتعمد للشعب الفلسطيني يعكس جوهر الفكر الترامبي الذي يرى في الإنسان “عنصرًا قابلًا للمقايضة”، وفي الكرامة الوطنية “سلعة تفاوضية.
أما على المستوى الجيوسياسي، فإن ما طرحه ترامب لم يكن سوى إعادة إنتاج لسياسة “الهيمنة الناعمة” بوسائل اقتصادية ودبلوماسية جديدة. فبدلًا من الاحتلال العسكري المباشر، يُطرح “الوصي الأمريكي” في ثوب المنقذ الإنساني، وبدلًا من الصراع على الأرض، يجري خلق نموذج جديد من “السلام الإداري”، حيث تتحول غزة إلى مختبر دولي لتجريب أنماط الحكم المراقَب والممول، في ظل غياب أي تمثيل وطني حقيقي. إنها سياسة “السلام المُراقَب” التي تُبقي الفلسطيني تحت العدسة وتحت السيطرة، دون أن تمنحه حرية القرار أو السيادة.
ويكشف خطاب ترامب أيضًا عن نزعة “أبوية استعمارية” جديدة، تذكّر بخطابات الزعماء الغربيين في بدايات القرن العشرين حين كانوا يبررون استعمار الشعوب بـ“نشر الحضارة”. اليوم يعود المنطق نفسه في ثوب حديث، إذ تُقدَّم واشنطن كحاضنة السلام، وتُمنح إسرائيل صكّ التفوق الأخلاقي، بينما يُجرد الفلسطيني من صفة الفاعل السياسي ليُختزل في دور المتلقي للمساعدات. إنها هندسة لغوية دقيقة تخفي وراءها مشروعًا لإعادة تعريف مفاهيم مثل الحرية، والسيادة، والمقاومة، في إطار يخدم مصالح أمريكا وإسرائيل معًا.
🔴 السلام الأبدي بين الوهم والسيطرة
إنّ “السلام الأبدي” في خطاب ترامب ليس وعدًا بالاستقرار، بل إنذارٌ بمرحلة جديدة من التبعية المقنّعة، حيث تُدار الجغرافيا الفلسطينية من خارجها، وتُحدّد ملامح مستقبلها في البيت الأبيض، بينما يُمنح العرب دور “الشهود الممولين” الذين يباركون الصفقة ولا يشاركون في صياغتها. 🏛️
لقد أراد ترامب أن يكون “كاتب العهد الجديد للشرق الأوسط”، لكنه في الحقيقة لم يكتب سوى فصلٍ آخر من فصول الهيمنة المغلّفة بخطاب السلام، حيث يتحول الدجال السياسي إلى رسولٍ زائفٍ يبيع الوهم باسم العدالة، ويمنح الاحتلال مشروعية دينية باسم “التحرر من الإرهاب”. ⚖️
المحور الثاني: نتنياهو الكاهن الأكبر بين استثمار الدم الفلسطيني وتقديس فكرة “الأمن الأبدي لإسرائيل”
في المسرحية السياسية التي جمعت ترامب ونتنياهو في البيت الأبيض، لم يكن الأخير مجرد شريكٍ في العرض، بل كان المخرج الحقيقي للمشهد. فبينما كان ترامب يوزع الوعود بسلامٍ أبديٍّ وهمي، كان نتنياهو يُحكم حبك الخطة بما يخدم العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي ترى في “إضعاف الفلسطيني” الطريق الأوحد لتعزيز “أمن إسرائيل الأبدي”. لقد ظهر نتنياهو في ثوب الكاهن الأكبر الذي يبارك الصفقة باسم “السلام”، بينما في الحقيقة كان يكرّس عقيدة الدم والأمن التي بُنيت عليها الدولة العبرية منذ نشأتها .
نتنياهو والخوف كأداة للبقاء
منذ بداياته السياسية، عرف نتنياهو كيف يوظف الخوف كأداة للبقاء. فـ“التهديد الفلسطيني” بالنسبة له ليس خطرًا وجوديًا، بل رأسمال سياسي يُغذّي به الداخل الإسرائيلي ويُرضي به الحلفاء في الخارج.
واليوم، تحت عباءة “خطة السلام”، يمارس الرجل أعقد أشكال التلاعب الخطابي: فهو يتحدث عن وقف الحرب بينما يشرعن استمرار الاحتلال، ويدّعي السعي إلى الأمن بينما يوسع منظومة القمع.
بذلك، يحوّل نتنياهو المأساة الفلسطينية إلى مشروع استثماري طويل الأمد، يضمن له النجاة من أزماته الداخلية، ويمنحه موقع “الزعيم التاريخي” الذي أنقذ إسرائيل من عدوها الأبدي.
لقد نجح نتنياهو في تحويل كل مجزرة وكل حرب على غزة إلى فرصة سياسية جديدة. في كل مرة يُقتل فيها طفل فلسطيني أو تُهدم بناية، يخرج ليؤكد أن إسرائيل “تدافع عن نفسها”، فيرسّخ في العقل الغربي سردية “الضحية الدائمة”. وعندما جاء ترامب ليعرض خطته، لم يجد نتنياهو أفضل من تلك اللحظة لتثبيت أسطورته السياسية: الزعيم الذي “حقق السلام دون التنازل عن شبر واحد”، و“أخضع الفلسطينيين دون مفاوضات مباشرة”. هنا تتجلى عبقرية الخداع السياسي الإسرائيلي الذي يُتقن ارتداء قناع السلام وهو يحمل في يده خنجر الاحتلال .
نتنياهو وطقوس “الأمن الأبدي”: السياسة تتحول إلى عقيدة
أما أخطر ما تحمله رؤية نتنياهو
فهو مفهوم “الأمن الأبدي”، ذلك الشعار الذي يستخدمه لتبرير كل أشكال العنف والهيمنة. فبالنسبة له، الأمن ليس مجرد حالة، بل عقيدة دينية–سياسية مقدسة، يُستباح باسمها كل شيء: الأرض، والإنسان، وحتى القانون الدولي.
وبذلك يُعيد إنتاج فكرة“شعب الله المختار” في قالب أمني معاصر، يجعل من إسرائيل فوق المحاسبة، ومن الفلسطينيين مادة للاختبار في معمل التجارب الأمنية والعسكرية.
لقد تحولت غزة في مخيلة نتنياهو إلى حقل تجارب للأسلحة، وإلى ساحة لقياس “فعالية الردع”، أكثر منها قضية إنسانية أو سياسية.
إنّ نتنياهو في هذه الصفقة لم يكن كاهنًا بالمعنى الرمزي فحسب، بل كاهنًا فعليًا يقدّم القرابين على مذبح “السلام المزعوم”؛ قرابين من اللحم الفلسطيني والدم العربي. فحين وقف في البيت الأبيض مبتسمًا بجانب ترامب، لم يكن يحتفل بنهاية الحرب، بل ببداية مرحلة جديدة من السيطرة الناعمة، تُدار فيها غزة عبر “مجلس وصاية دولي” لا مكان فيه للفلسطينيين إلا كمتلقين للإعانات. ومع ذلك، يواصل العالم تصديق روايته، لأن الإعلام الغربي، كما العواصم العربية المطبّعة، تبنّت منطقه القائل: الأمن أولًا، ثم السلام، ثم الإنسان .
بهذا المعنى، يُمكن القول إن نتنياهو لم يشارك في كتابة صفقة ترامب، بل كتبها بيده، مستخدمًا ترامب كمنصة صوتية تعلن ما صاغته المؤسسة الإسرائيلية منذ سنوات: سلام على مقاس القوة، وعدالة تُقاس بمستوى الانصياع. إنه سلام الكاهن الأكبر، الذي يقدس القوة ويُحرّم المقاومة، ويُعيد رسم حدود الشرق الأوسط على مقاس الهيكل السياسي الإسرائيلي .
يظهر نتنياهو كأخطر مجرم حرب من أي قائد عسكري إسرائيلي سابق، لأنه لا يكتفي بالقتل المادي للفلسطيني، بل يسعى إلى قتل الذاكرة والمعنى. فهو يدرك أن الحرب قد تنتهي، لكن “الأمن الأبدي” هو الفكرة التي تبرر استمرار الاحتلال إلى ما لا نهاية. وهكذا يتحول السلام في خطابه إلى طقس عبادة للهيمنة، وتتحول الصفقة إلى وثيقة دينية جديدة تُكرّس إسرائيل كقَدَرٍ جغرافي مقدّس، لا كدولة سياسية قابلة للمساءلة .
المحور الثالث: غياب العرب وحضور الوهم – من الصمت الدبلوماسي إلى المشاركة في صناعة الاستسلام.
في كل مرة تُكتب فيها صفحة جديدة من فصول القضية الفلسطينية، يغيب العرب عن طاولة القرار ويُستدعون فقط للتصفيق بعد انتهاء العرض. لكن هذه المرة لم يكن الغياب مجرّد موقفٍ سياسيٍ أو حيادٍ دبلوماسي، بل تحوّل إلى حضور سلبي فاعل في صناعة ما يمكن تسميته بـ”سلام الاستسلام”، حيث أصبحت بعض الأنظمة العربية جزءًا من ماكينة التسويق السياسي لخطة ترامب – نتنياهو، سواء بالصمت أو بالمشاركة التمويلية تحت شعار “دعم الاستقرار الإقليمي”. لقد نجح المشهد الأمريكي – الإسرائيلي في توظيف هذا الغياب العربي، ليمنحه شرعية إضافية، ويقدمه كـ”توافق دولي على إنهاء الحرب”، بينما في جوهره كان إعلانًا رسميًا لموت الموقف العربي المشترك
لقد مثّل الصمت العربي أمام ما سُمِّي بخطة “السلام الأبدي” سقوطًا أخلاقيًا واستراتيجيًا مزدوجًا. فمن الناحية الأخلاقية، تم التخلي عن القضية الفلسطينية باعتبارها لم تعد مركز الصراع العربي – الإسرائيلي، بل تحولت إلى قضية إنسانية تُدار بمنطق الإغاثة والمساعدات، لا التحرر والسيادة. ومن الناحية الاستراتيجية، سمح هذا الانكفاء العربي لواشنطن وتل أبيب باحتكار المشهد وصياغة المستقبل، في وقتٍ كان فيه العالم العربي غارقًا في أزماته الداخلية، من الحروب الأهلية إلى الانقسامات الإيديولوجية. وهكذا تمّ إقصاء العرب من معادلة الصراع، لا بفعل المؤامرة فقط، بل أيضًا بفعل الانسحاب الإرادي من التاريخ .
في ظل هذا الغياب، برزت ظاهرة جديدة يمكن وصفها بـ“التطبيع الرمزي الصامت”، حيث لم تعد بعض الدول العربية تحتاج إلى إعلان مواقف داعمة لإسرائيل أو لخطط ترامب، بل يكفيها الامتناع عن الرفض.
هذا الصمت الممنهج هو في حد ذاته أداة من أدوات الشرعنة السياسية، لأن الغياب عن الموقف أصبح يُقرأ كنوعٍ من الرضا الضمني.
وهكذا تحوّل الموقف العربي من “دعم فلسطين” إلى “عدم إزعاج واشنطن”، ومن “المطالبة بالحقوق” إلى “التحايل على الضمير”.
الأخطر من ذلك أن بعض الأنظمة العربية رأت في خطة ترامب فرصة للهروب من أزماتها الداخلية عبر الالتحاق بالصف الأمريكي – الإسرائيلي، أملاً في مكاسب سياسية أو حماية أمنية. فتحوّل مفهوم “التحالف الاستراتيجي” من الدفاع عن القضايا العربية إلى التعايش مع الاحتلال، ومن رفض الوصاية الأجنبية إلى القبول بها مقابل بقاء النظام أو كسب رضا واشنطن. هذا التحوّل الخطير يعكس أزمة وعي استراتيجي عربية عميقة، فقد تلاشت فكرة الأمن القومي العربي لتحل محلها معادلة “الأمن مقابل الولاء”، وأصبح الاستقرار مرادفًا للسكوت على الإهانة الوطنية
إن غياب العرب عن معركة الوعي لا يقل خطورة عن غيابهم عن معركة السلاح. فحين تتحدث واشنطن عن “مجلس سلام” لإدارة غزة، ولا يُسمع صوت عربي واحد يرفض فكرة أن يُدار جزء من الأرض الفلسطينية من البيت الأبيض، فإنّ ذلك يعني أن العجز لم يعد سياسيًا فقط، بل تحول إلى خضوع ثقافي كامل. لقد نجحت القوى الكبرى في خلق ما يمكن تسميته بـ“وعي الخضوع”، حيث يُقنع العربي نفسه أن الاستسلام هو شكل من أشكال الحكمة، وأن الصمت هو لغة الدبلوماسية الرصينة .
بينما كانت غزة تحترق وتقاوم، كانت القنوات الدبلوماسية العربية مشغولة بصياغة بيانات رمادية لا تُدين ولا تُبارك، وكأن الدم الفلسطيني لم يعد يعني شيئًا في ميزان المصالح. في المقابل، واصلت العواصم الغربية تصوير الخطة على أنها “فرصة تاريخية للسلام”، وراح الإعلام المموّل عربيًا يروّج للصفقة باعتبارها “حلًا واقعيًا”. إنها المفارقة المريرة التي تجعل من المحتل صانع سلام، ومن الضحية متهمًا بـ رفض الحلول
إنّ غياب العرب عن المشهد لا يعني أنهم لم يُستشاروا، بل يعني أنهم اختاروا أن يكونوا متفرجين على إعادة كتابة مصير الأمة بأيدٍ غريبة. وبينما تَرفع واشنطن راية “السلام الأبدي”، ترفع غزة راية “الكرامة الأبدية”، لتقول للعالم إن الشعوب قد تُهزم عسكريًا، لكنها لا تُهزم روحيًا .
لقد تحول الصمت العربي من حيادٍ إلى مشاركة غير معلنة في صناعة الاستسلام، وبهذا المعنى فإنّ أخطر ما في صفقة ترامب – نتنياهو ليس مضمونها السياسي، بل قبولها العربي غير المعلن، الذي فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الهيمنة الأمريكية – الإسرائيلية في المنطقة، تُدار فيها السيادة بالعقود، والمواقف بالتمويل، والمستقبل بالوهم.
المحور الرابع: توني بلير… الشيطان العائد بوجه المنقذ المهمة القذرة في خطة ترامب.
حين ورد اسم توني بلير في تفاصيل خطة ترامب لإدارة غزة، لم يكن ذلك تفصيلًا عابرًا، بل إشارة رمزية إلى عودة “الشيطان السياسي” الذي دمّر العراق باسم الديمقراطية، ليعود اليوم إلى الشرق الأوسط متقمصًا ثوب “المبعوث الإنساني للسلام”. فبلير ليس مجرد شخصية سياسية بريطانية سابقة، بل هو رمز للعصر الإمبريالي الجديد الذي تُدار فيه الحروب تحت شعار الإصلاح، ويُمارس فيه الاحتلال بلغة التنمية. إدراجه في “مجلس السلام” المزعوم الذي يرأسه ترامب ليس سوى تتويج لمسيرة رجل احترف المهام القذرة: من تبرير الغزو إلى هندسة الفوضى، ومن بيع الأكاذيب إلى شرعنة الاحتلال
💥 توني بلير: الوجه الدبلوماسي للدمار يعود للشرق الأوسط 💥
📌 منذ غزو العراق عام 2003، كان توني بلير هو الوجه الدبلوماسي للدمار، إذ قدّم للعالم رواية “أسلحة الدمار الشامل” التي تبيّن لاحقًا أنها كذبة كبرى، لكنه لم يُحاكم يومًا على الجريمة التي مزّقت دولة، وأشعلت حروبًا لا تزال آثارها حتى اليوم.
💼 بعد خروجه من الحكم، لم يتراجع بلير عن دوره، بل أعاد تموضعه في المنطقة عبر مؤسساته الاستشارية وشبكاته المالية، مقدّمًا نفسه كمستشار للأنظمة، ووسيط بين الغرب والعرب، ومهندس لـ“صفقات السلام الاقتصادي”.
🌍 اليوم، يعود الرجل من الباب الأمريكي – الإسرائيلي نفسه، ليتولّى مهمة جديدة لا تقل خطورة: تلميع الاحتلال في ثوب الإدارة الدولية، وترويض غزة عبر “وصاية إنسانية” مغطاة بخطاب التنمية والإعمار.
وجود بلير في خطة ترامب ليس صدفة؛ فهو النموذج المفضل لدى واشنطن لتصدير “السلام القذر”، أي ذلك النوع من التسويات التي تبدأ بالتهدئة وتنتهي بالهيمنة. فبلير يجيد فنّ الجمع بين الخطاب الأخلاقي والممارسة الاستعمارية، وبين لغة “حقوق الإنسان” والسياسات التي تُنهي وجود الإنسان. وهو يعرف، أكثر من أي سياسي غربي آخر، كيف يبيع للعرب الوهم باسم “الاستقرار”، وكيف يخاطب الغرب بلغة “القيم المشتركة” ليُغطي على كل الجرائم التي تُرتكب على الأرض .
تكمن خطورة بلير في أنه لا يظهر كغازٍ أو محتل، بل كـ“وسيط سلام”، وهو في الحقيقة المنفذ الميداني لمشاريع التفكيك السياسي التي ترسمها واشنطن وتنفذها تل أبيب. ففي العراق دمّر الدولة باسم الديمقراطية، وفي ليبيا بارك الفوضى باسم الثورة، واليوم في غزة يُكلَّف بمهمة إعادة صياغة الاحتلال في صورة “إدارة مدنية مؤقتة”، أي شكل جديد من الوصاية الدولية الموجَّهة أمريكيًا وإسرائيليًا. وهكذا يصبح بلير – من جديد – أداة الغرب المفضلة في ترويض الشرق
إن عودة توني بلير إلى المشهد ليست عودة دبلوماسية بل عودة أخلاقية إلى جريمة لم تكتمل. فالرجل الذي برّر غزو بغداد سيبرّر غدًا وصاية غزة، والرجل الذي شرعن سقوط نظام سيشرعن اليوم سقوط قضية. مهمته ليست تحقيق السلام، بل تنظيف صورة الاحتلال وإعادة بيعه بلغة إنسانية ناعمة، خدمةً لمشروع أمريكي – إسرائيلي أوسع، هدفه تفكيك ما تبقّى من الوعي العربي وربط مستقبل المنطقة بمراكز القرار الغربية .
وهكذا يتحوّل توني بلير إلى المبعوث الشيطاني لمرحلة “السلام القذر”: سلامٌ بلا حرية، وإعمارٌ بلا سيادة، ووعودٌ بلا كرامة. فترامب يُوزّع الأدوار، ونتنياهو يحدد الخطوط الحمراء، وبلير يتولى التنفيذ، بينما يقف العرب على الهامش، ممزقين بين الصمت والتواطؤ. إنها الحلقة الأخيرة من مسلسل “الوصاية الأخلاقية على الشرق الأوسط”، حيث يُعاد تدوير أدوات الماضي لتدمير الحاضر باسم المستقبل
المحور الخامس: السلطة الفلسطينية – الشرعية الغائبة بين موت الدور وفقدان القرار
حين أعلن دونالد ترامب خطته المسماة “السلام الأبدي”، كان الغائب الأكبر عن المشهد هو السلطة الفلسطينية، تلك التي كانت في يومٍ من الأيام تعتبر نفسها “الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني”، والمعترف بها دوليًا على مستوى الأمم المتحدة. لقد تحوّل حضورها الدولي الرمزي إلى غيابٍ سياسي فعلي، فبعد أن كانت تصدر البيانات من منابر الأمم المتحدة، أصبحت عاجزة عن إصدار قرار من قلب رام الله. إنها سلطة فقدت شرعيتها الشعبية والقدرة على التأثير في مسار الأحداث، فتحولت من فاعلٍ في الصراع إلى متفرجٍ على نهايته .
⚖️ السلطة الفلسطينية بين الماضي والحاضر
منذ تأسيسها بموجب اتفاق أوسلو عام 1994، وُلدت السلطة الفلسطينية كجسمٍ سياسي هجين، لا هو دولة ذات سيادة، ولا هو حركة تحرير. كانت وظيفتها في نظر إسرائيل والغرب إدارة شؤون الفلسطينيين لا إدارة نضالهم.
ومع مرور السنوات، تآكلت شرعيتها تدريجيًا نتيجة عجزها عن تحقيق أي من أهدافها الوطنية، وتحوّلت مؤسساتها إلى جهاز إداري أكثر منه كيانًا سياسيًا. ومع طرح خطة ترامب، بدا المشهد كاشفًا تمامًا: العالم يعيد رسم مستقبل غزة دون استشارتها، والولايات المتحدة تتحدث عن “مجلس سلام” دون ذكر اسمها، وكأنها كيان من الماضي انتهت صلاحيته.
❓ لكن السؤال الجوهري هو: هل انتهى دور السلطة الفلسطينية فعلاً أم تمّ إنهاؤه عمدًا؟
الحقيقة أن الأمرين حدثا معًا؛ فـالسلطة ساهمت في إضعاف نفسها عبر الارتهان السياسي للوساطة الأمريكية طيلة عقود، بينما عملت إسرائيل والولايات المتحدة على تفريغها من مضمونها السيادي عبر سياسة الإذلال المالي والابتزاز السياسي. وبين هذا وذاك، ضاعت القضية بين “سلطة بلا سلطة” و”مقاومة بلا وحدة”، فباتت فلسطين تُدار من الخارج بقرارات أمريكية – إسرائيلية، وتُراقب من الداخل بسلطةٍ فقدت ثقة شعبها .
إنّ المأساة الحقيقية تكمن في أن السلطة الفلسطينية لم تعد قادرة حتى على رفض الخطة بشكل فعّال. لقد صدر الرفض بصوتٍ ضعيف، دون حشد دبلوماسي أو تعبئة دولية كما كانت تفعل سابقًا، لأن الشرعية التي كانت تستند إليها فقدت مضمونها بعد عقودٍ من الانقسام والجمود السياسي. وبذلك، أصبحت السلطة أشبه بـ”هيئة رمزية”، تُستخدم في الخطابات الدولية كدليل على “وجود تمثيل فلسطيني”، بينما في الواقع لم يعد هذا التمثيل سوى قشرة فارغة تحجب موت الفعل السياسي الفلسطيني الحقيقي .
ولعل أخطر ما في خطة ترامب أنها تجاوزت السلطة الفلسطينية تمامًا، كما تجاوزت منظمة التحرير نفسها، لتخلق بديلًا إداريًا مؤقتًا باسم “اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية”. هذه الصيغة ليست بريئة، بل تعني ببساطة نزع البعد الوطني عن الكيان الفلسطيني وتحويله إلى جهاز إداري إنساني، أي سلطة بلا هوية. فترامب ونتنياهو لا يريدان شريكًا سياسيًا، بل شريكًا مطيعًا، ينفّذ التعليمات ويُظهر للعالم أن هناك تمثيلًا فلسطينيًا شكليًا
من زاوية أخرى، يمكن القول إن السلطة الفلسطينية تعيش اليوم حالة موت سريري سياسي؛ فهي لا تملك أدوات القوة، ولا تسيطر على القرار العسكري، ولا تحظى بإجماع شعبي. حتى حضورها في المنتديات الدولية لم يعد ذا تأثير، بعدما فقد خطابها القدرة على الإقناع. أما في الواقع الميداني، فإن المقاومة في غزة والضفة أصبحت أكثر تأثيرًا من مؤسسات السلطة نفسها، ما جعل الأخيرة تظهر أمام العالم كجسم بيروقراطي هشّ يعيش على المساعدات أكثر مما يعيش على الشرعية الوطنية .
نهاية دور السلطة الفلسطينية في مشروع ترامب
إنّ نهاية دور السلطة الفلسطينية في مشروع ترامب ليست صدفة، بل جزء من استراتيجية “التجاوز التاريخي” للقضية. فـالخطة لا تريد سلطة تفاوض، بل إدارة تابعة، ولا تريد دولة مستقلة، بل كيانًا مراقبًا.
وفي هذا الإطار، يُراد تحويل السلطة إلى مجرد وسيط إداري بين الاحتلال والشعب، أو إلى مكتب تنفيذي لتطبيق قرارات الخارج.
إنها عودة إلى منطق “الإدارة المدنية” الذي مارسته إسرائيل في الثمانينيات، لكن هذه المرة بأدوات فلسطينية وغطاء دولي.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن السلطة – رغم عجزها – لا تزال تمتلك رمزية رمادية في المشهد الدولي، باعتبارها الورقة الأخيرة التي تمنح المجتمع الدولي وهم “استمرار عملية السلام”. وهذا الوهم يخدم واشنطن وتل أبيب معًا، إذ يتيح لهما القول إنّ “المفاوضات لا تزال ممكنة”، بينما في الواقع يُعاد تشكيل الجغرافيا والسياسة على الأرض. إنها مفارقة تاريخية: سلطة بلا سيادة، تفاوض بلا مفاوضات، وسلام بلا أرض
إن السلطة الفلسطينية لم تُهزم فقط بالسياسة، بل بالزمن. لقد تجاوزها التاريخ حين توقفت عن الفعل، وأقصتها الجغرافيا حين قُسمت فلسطين بين غزة المحاصرة والضفة المجزأة، وأسقطها الوعي الشعبي حين اكتشف أن الحرية لا تُمنح بقرارات الأمم المتحدة، بل تُنتزع من قلب الميدان. وبين سلطةٍ تترنح ومقاومةٍ تصمد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ما زال للسلطة الفلسطينية مكان في المعادلة، أم أصبحت شاهدًا على جنازة القضية التي وُلدت لتدافع عنها؟
🧾🛑الخاتمة
هكذا، وبعد أكثر من سبعة عقود على النكبة، يعود التاريخ في ثوبٍ جديد، لكن بروحٍ قديمة، ليُعلن عن مرحلةٍ أخرى من الوصاية السياسية المغلّفة بخطاب السلام. فخطة ترامب لم تكن سوى إعادة إنتاج لجوهر المشروع الصهيوني – الأمريكي، القائم على الهيمنة لا على العدالة، وعلى إدارة الاحتلال بدل إنهائه. إنها ليست خطةً للسلام، بل هندسة سياسية كبرى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، تبدأ من غزة ولا تنتهي عندها، حيث يصبح الفلسطيني مجرّد “مستفيدٍ من الإعمار” لا صاحب حقٍّ في الأرض أو القرار
لقد سقط القناع عن مفهوم “السلام الأبدي”
الذي لم يكن سوى ستارٍ لغويٍّ يغطّي مشروع “الوصاية الأبدية”، حيث تُستبدل البنادق بالتصاريح، والكرامة بالمساعدات، والسيادة بالمجالس الدولية.
وبينما يحتفل ترامب بسلامه المزعوم، ويبتسم نتنياهو منتشيًا بـ”نصره السياسي”، تظلّ غزة، الجرح النازف، تواجه العالَم بصمودها العاري، وتذكّره أن الشعوب لا تموت حين تُقصف، بل حين تُخدع.
لقد مات الضمير العربي يوم اختار الصمت، ويوم صدّق أن الاستسلام يمكن أن يكون حلاً، ويوم رفع شعار “الواقعية السياسية” بدل شعار “الكرامة الوطنية”. لم تعد العواصم العربية تقاتل من أجل فلسطين، بل باتت تقاتل من أجل مقاعدها في طاولة واشنطن، وتبحث عن مكانٍ آمن في ظلّ نظامٍ عالميٍّ لا يحترم إلا الأقوياء. وفي المقابل، وُلد ضميرٌ آخر في الشارع العربي – ضمير الشعوب الحرة – الذي يرى في غزة بوصلة الكرامة الأخيرة، وفي المقاومة آخر أشكال الوجود العربي الحقيقي .
أما “مجلس السلام” الذي يرأسه ترامب ويضمّ توني بلير، فليس إلا تجسيدًا لتحالف الدجالين: رئيسٍ يسوّق الوهم باسم الخلاص، وكاهنٍ يمنح الاحتلال شرعية روحية، وشيطانٍ يعود إلى المشرق بعد أن دمّر العراق، ليُعيد كتابة الوصاية على فلسطين. إنها المسرحية الكبرى التي يُراد لها أن تُقنعنا بأن “العدالة وُلدت في البيت الأبيض”، بينما الحقيقة تُكتب على جدران غزة بالدم والنار: أن الأرض لا تتحرر بخطط، بل بإرادة من لا يملكون إلا الإيمان بعدالة قضيتهم
إنّ الفلسطيني اليوم لا يملك دولة، ولا جيشًا، ولا دعمًا عربيًا صادقًا، لكنه يملك ما لا يملكه كل خصومه: شرعية الصمود. وهذه الشرعية، مهما حاولت واشنطن وإسرائيل دفنها تحت ركام الخرائط والصفقات، ستبقى هي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن كسرها. فالقضية الفلسطينية ليست ملفًا سياسيًا يمكن طيّه، بل ذاكرة حيّة في وعي الأمة، تتجدد مع كل جيل، وتُعلن أن الكرامة لا تُفاوض
وهكذا، بينما يكتب ترامب ونتنياهو وتوني بلير فصول “صفقة القرون السوداء”، يكتب الشعب الفلسطيني فصله الأبقى: فصل المقاومة، والبقاء، ورفض الانكسار. وبين “السلام الأبدي” الأمريكي و“الوصاية الأبدية” الإسرائيلية، يبقى صوت الحجر، وصدى التكبير في شوارع غزة، ودموع الأمهات على أطلال البيوت المهدمة، هو الإعلان الصادق عن أن الحرية لا تموت… بل تنتظر لحظة العودة .
🛑ما بين دجالٍ أمريكي يبيع الأوهام باسم “السلام الأبدي”، وكاهنٍ صهيونيٍّ يغسل يديه من دماء الأطفال باسم “الأمن الأبدي”، وسلطةٍ فلسطينيةٍ فقدت البوصلة، وعربٍ تاهوا بين الصمت والتطبيع، تضيع فلسطين من جديد… لكنها لا تموت.
🧾✍️ترامب باع الكذبة الكبرى باسم الخلاص، ونتنياهو بارك الجريمة باسم الإيمان، والأنظمة العربية باركت الاستسلام باسم الواقعية السياسية، والسلطة الفلسطينية وقّعت الغياب باسم “التمثيل الشرعي”.
لكنّ التاريخ لا يُكتب بأقوالهم، بل بصمود شعبٍ يقف وحده أمام العالم، يرفع راية الكرامة حين يسقط الجميع.
اليوم لا يُقاس الموقف بعدد الجيوش ولا قوة التحالفات، بل بقدر الوفاء لفلسطين. فمن خانها فقد خان الأمة، ومن صمت عنها فقد شارك في ذبحها، ومن باعها فقد باع نفسه. أما من قاوم — ولو بحجر، ولو بكلمة، ولو بدمعة — فقد كتب اسمه في سجل الخلود
الصفقة ستُنسى… لكن فلسطين ستبقى
لأن الأرض التي تنبت الشهداء لا تعرف الاستسلام،
ولأن الشعوب التي تؤمن بالحق لا تحتاج إذنًا من البيت الأبيض لتعيش بكرامة.




