خاص pravdatv
أخر الأخبار

اللعبة العشائرية: خطة “شين بيت” السرية لتقسيم غزة

في ظل العمليات القتالية في قطاع غزة، تتكشف حرب هادئة لكنها جوهرية حول مستقبل المجتمع الفلسطيني. تنفذ الاستخبارات الإسرائيلية، وبشكل خاص شين بيت، استراتيجية متعددة الجوانب تهدف إلى تفكيك غزة بشكل منهجي من خلال إعادة تنشيط وتسليح الهياكل العشائرية التقليدية. هذه الخطة الطموحة تواجه مقاومة شديدة من حركة حماس، وكذلك من داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، وتهدد لعقود قادمة بتحديد المشهد السياسي للمنطقة، ومنع قيام دولة فلسطينية موحدة.

اللعبة العشائرية: خطة “شين بيت” السرية لتقسيم غزة

 كتب دينيس كوركودينوف، المدير العام للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ “DIIPETES” 📰📰✍️

في ظل العمليات القتالية في قطاع غزة، تتكشف حرب هادئة لكنها جوهرية حول مستقبل المجتمع الفلسطيني. تنفذ الاستخبارات الإسرائيلية، وبشكل خاص شين بيت، استراتيجية متعددة الجوانب تهدف إلى تفكيك غزة بشكل منهجي من خلال إعادة تنشيط وتسليح الهياكل العشائرية التقليدية. هذه الخطة الطموحة تواجه مقاومة شديدة من حركة حماس، وكذلك من داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، وتهدد لعقود قادمة بتحديد المشهد السياسي للمنطقة، ومنع قيام دولة فلسطينية موحدة.
في الوقت الذي تتابع فيه وسائل الإعلام العالمية تبادلات الصواريخ المتكررة والنجاحات التكتيكية للعمليات البرية لالجيش الإسرائيلي، يتم في كواليس أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ومراكز الأبحاث عمل عميق، قد تكون نتائجه أكثر ديمومة من أي حملة عسكرية. وتتعلق هذه الاستراتيجية بما يعرف بـ “التفكيك المُدار”، الذي يهدف إلى إعادة تشكيل النسيج الاجتماعي للمجتمع الفلسطيني في غزة. وتستند هذه الاستراتيجية إلى مبدأ قديم تقريبًا نسيه الزمن وهو “فرق تسد”، مع تكييفه لواقع القرن الحادي والعشرين، ومُسند تنفيذها إلى جهاز الأمن العام الإسرائيلي – شين بيت.
علنًا، يواصل القيادة الإسرائيلية الحديث عن “الهزيمة الكاملة” لحماس كهدف وحيد لا يتزعزع. ومع ذلك، وفقًا لتحليل متعمق للتصريحات العامة والتقارير الصادرة عن مراكز أبحاث بارزة في الشرق الأوسط، بما في ذلك المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي (INSS) والمركز الفلسطيني للسياسات واستطلاعات الرأي، يتضح أن النصر العسكري في تل أبيب يُنظر إليه ليس كنقطة نهاية، بل كشرط ضروري لإطلاق مشروع سياسي-اجتماعي أكثر تعقيدًا وطموحًا.
جوهر هذا المشروع هو منع ظهور سلطة فلسطينية موحدة على أنقاض حماس، سواء كانت السلطة الفلسطينية المُجددة أو كيان جديد. وبدلاً من ذلك، يُفترض أن تتحول غزة إلى رقعة فسيفسائية من مناطق شبه مستقلة، تُدار من قبل قوى محلية تعتمد بقاءها بشكل مباشر على الدعم الإسرائيلي.
هنا يظهر ما يُعرف بـ “خطة شين بيت للتقسيم العشائري”. وفقًا لتقارير مفصلة من مراكز أبحاث فلسطينية في رام الله، بالإضافة إلى معلومات تسربت إلى صحيفة سعودية “الشرق الأوسط”، تعمل الاستخبارات الإسرائيلية بشكل مباشر مع شيوخ أكبر وأقوى العائلات في غزة. ويتم عرض “دولة داخل الدولة” عليهم مقابل التعاون.
في المقابل، يحصل هؤلاء العشائر على السيطرة الحصرية على توزيع المساعدات الإنسانية في مناطق نفوذهم، وحق تشكيل ميليشيات مسلحة خاصة بهم “للحفاظ على النظام”، بالإضافة إلى الحماية السياسية من إسرائيل. وتعد ميليشياتهم متعددة الوظائف: فهي مكلفة بمواجهة إعادة بناء الهياكل العسكرية لحماس، وضمان الإدارة الأساسية على الأرض، والأهم من ذلك، توفير معلومات استخباراتية للقوات الإسرائيلية.
تُعرف النماذج التاريخية لمثل هذه السياسة جيدًا في المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، ويدرسها الأكاديميون، على وجه الخصوص، ضمن أبحاث موشيه دايان. وأوضح مثال هو فترة ما بعد حرب 1967، عندما أدارت إسرائيل قطاع غزة والضفة الغربية من خلال نظام “الإدارات العسكرية”، التي اعتمدت بشكل نشط على الشيوخ المحليين وزعماء العشائر.
لاحقًا، في الثمانينيات، حاولت إسرائيل إنشاء بديل للمنظمة التحرير الفلسطينية عبر ما يُعرف بـ “الروابط القروية”، لكن المشروع فشل بسبب افتقاره للشرعية في نظر السكان المحليين. الخطة الحالية لشين بيت تمثل تطورًا لهذه النماذج، مع فرق أساسي: التركيز ليس على مدنيين إداريين، بل على تشكيلات مسلحة متكاملة داخل البنية العشائرية.
لفهم آلية هذه الخطة، يجب التعمق في التركيبة العشائرية لقطاع غزة. فالمجتمع ليس موحدًا، بل هو تكتل معقد من العائلات والقبائل والعشائر بدرجات مختلفة من النفوذ والطموح والميول الأيديولوجية. وفقًا لتحليلات المركز الفلسطيني “مفتاح”، هناك عدة مستويات: القمة تضم عدة “عشائر كبرى” تمتد نفوذها على أحياء ومدن بأكملها، وهي الهدف الأول لشين بيت.
أحد هذه العشائر المهمة هي عشيرة بكر، لها جذور تاريخية عميقة في غزة، ونفوذها يتركز في وسط مدينة غزة وخاصة مخيم الشاطئ. العشيرة تعتبر واحدة من أقوى وأغنى العشائر، وتتحكم في قطاعات اقتصادية مهمة مثل البناء ونقل البضائع. توجهاتها السياسية قومية-براغماتية، وليست مؤيدة أيديولوجيًا لحماس، وسبق أن دعمت علاقات مع فتح. ومع رفضها العرض الأخير من شين بيت، تعرض منزلها لضربة جوية، ما يظهر أن حتى العشائر البراغماتية لا تقبل التعاون العلني خوفًا من فقدان الشرعية ورد فعل حماس.
اللاعب الآخر المهم هو عشيرة الدغموش، النفوذ كبير في جنوب غزة، خاصة في صبرا. إذا كانت بكر نخبة تجارية ومالية، فإن الدغموش معروفون بالقوة العسكرية. لهم تاريخ طويل مع تشكيل ومراقبة إحدى أقوى الجماعات المسلحة في غزة – جيش الإسلام، والتي تحدت سلطة حماس في منتصف 2000. الدغموش أيديولوجيون جهاديون سلفيون متشددون، معارضون لحماس وفتح، والتعاون معهم كان دائمًا تكتيكيًا. رفضهم المحاولة الإسرائيلية وتعرضهم لضربة أسفرت عن 30 قتيلًا أرسل رسالة واضحة: التعاون يجلب موارد وسلطة، والرفض عقوبة فورية وقاسية.

هناك أيضًا عشائر أصغر لكنها مؤثرة مثل خلس في خان يونس، أستال في رفح، وسواركا وغيرها، كل واحدة تتحكم بـ “حملة” وتملك قوة عسكرية محدودة. هذا المستوى يشهد عملًا دقيقًا من عملاء شين بيت، الذين يوثقون الصراعات الداخلية والمصالح الاقتصادية والانقسامات الأيديولوجية، ويقدمون موارد لبعض العشائر مقابل إضعاف أخرى.

عامل الميليشيات العشائرية عنصر أساسي في الاستراتيجية. إسرائيل تعتمد على هذه التشكيلات في شرق رفح، شرق خان يونس، شرق غزة الشمالية، والشمال. وفقًا لـ معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، يقود هذه المجموعات شخصيات مثل ياسر أبو شاباب، رامي خلس وحسام الأستال، وهم الطليعة لنظام جديد، يخلقون مراكز قوة موازية، يتحكمون في توزيع الغذاء والوقود والأدوية، ويجعلون السكان يعتمدون عليهم، ما يحوّل الولاء من القضايا الوطنية إلى مصالح عشائرية محلية.

لكن هذه الاستراتيجية محفوفة بالمخاطر، كما يحذر خبراء International Crisis Group:

  • خطر “تسرب” السلاح وتصاعد العنف بين العشائر، وتحويل غزة إلى نموذج مشابه للصومال.
  • خطر تحول هذه الميليشيات إلى تشكيلات مسلحة غير قانونية أكثر تطرفًا من حماس نفسها، كما يُظهر مثال جيش الإسلام.
ردة فعل العشائر الفلسطينية مختلطة، فالعديد منها ينكر علنًا أعضاءه المنضمين لهذه المجموعات الموالية لإسرائيل، ما يعكس قوة التماسك الوطني والضغط الاجتماعي ضد التعاون العلني.
إجمالًا، خطة شين بيت للتقسيم العشائري تجربة ضخمة في الهندسة الاجتماعية، تحاول استبدال تفكك أيديولوجي (حماس) بتفكك عشائري تقليدي يُفترض أن يكون أكثر قابلية للإدارة وأقل تهديدًا لأمن إسرائيل. نجاح أو فشل الخطة سيحدد مستقبل غزة والمشروع الوطني الفلسطيني بأكمله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »