خاص pravdatv
أخر الأخبار

ترامب يراهن على القواعد بدل الانتصارات: إفلاس السياسة أم مناورة انتخابية؟

تثير تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بشأن رغبته في استعادة السيطرة على قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان جملة من الأسئلة الاستراتيجية. فهذه القاعدة ليست مجرد موقع عسكري مهجور، بل تمثل رمزًا لصراع طويل بين القوى الكبرى على أرض أفغانستان. إعادة طرح مسألة السيطرة عليها في هذا التوقيت تعكس أزمة سياسية داخلية، ورغبة في إعادة خلط الأوراق على الساحة الدولية. فترامب، الذي عجز في ولايته الأولى عن تحقيق إنجازات كبرى مع الصين وروسيا، يسعى اليوم إلى استثمار الرموز العسكرية بدلًا من الانتصارات الفعلية، في محاولة لإقناع الداخل الأمريكي بصلابة موقفه.

ترامب يراهن على القواعد بدل الانتصارات: إفلاس السياسة أم مناورة انتخابية؟

✍️📚البروفيسور حكيم غريب – الخبير في الشؤون الاستراتيجية والأمنيةـ الجزائر

✍️📚 زينب بونوة الباحثة المختصة في الشؤن الأمنية ـ الجزائر

 

تثير تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بشأن رغبته في استعادة السيطرة على قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان جملة من الأسئلة الاستراتيجية. فهذه القاعدة ليست مجرد موقع عسكري مهجور، بل تمثل رمزًا لصراع طويل بين القوى الكبرى على أرض أفغانستان.

إعادة طرح مسألة السيطرة عليها في هذا التوقيت تعكس أزمة سياسية داخلية، ورغبة في إعادة خلط الأوراق على الساحة الدولية. فترامب، الذي عجز في ولايته الأولى عن تحقيق إنجازات كبرى مع الصين وروسيا، يسعى اليوم إلى استثمار الرموز العسكرية بدلًا من الانتصارات الفعلية، في محاولة لإقناع الداخل الأمريكي بصلابة موقفه.

المحور الأول: الأهداف الحقيقية وراء استعادة قاعدة باغرام 

 

 

تُعدّ قاعدة باغرام الجوية أكثر من مجرد منشأة عسكرية مهجورة في قلب أفغانستان؛ فهي تختزن في ذاكرتها محطات فارقة من الصراع الدولي على أرضٍ عُرفت تاريخيًا بأنها “مقبرة الإمبراطوريات”. وعندما يلوّح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب برغبته في استعادتها، فإن ذلك لا يمكن قراءته كخطوة عسكرية فحسب، بل كإشارة سياسية واستراتيجية تحمل في طياتها جملة من الأهداف المتشابكة.

هذا الإعلان يأتي في وقت تتسم فيه الساحة الدولية بالاضطراب: تصاعد الحرب الروسية في أوكرانيا، احتدام الصراع التجاري والاقتصادي مع الصين، وفقدان واشنطن لمواقع نفوذ عديدة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.


 

 

من هنا، تبدو باغرام بالنسبة لترامب ورقة رمزية لاستعادة زمام المبادرة، وللتذكير بأن الولايات المتحدة قادرة على العودة إلى قلب المعادلات الجيوسياسية متى شاءت .
كما أن استدعاء القاعدة في هذا التوقيت ليس بعيدًا عن حسابات الداخل الأمريكي. فالخطاب الموجّه إلى الناخبين عادةً لا يقتصر على الملفات الاقتصادية والمعيشية، بل يتجاوزها إلى استعراض القوة والنفوذ. وترامب، الذي لم ينجح في فرض إرادته على الصين خلال ولايته الأولى، ولم يستطع إجبار روسيا على التراجع في أوكرانيا، يحاول من خلال ورقة باغرام أن يرمم صورته كزعيم قادر على اتخاذ قرارات جريئة وحاسمة .

إضافة إلى ذلك، فإن القاعدة تمثل نقطة تماس حساسة مع كل من الصين وروسيا وإيران، ما يمنحها أهمية استراتيجية تتجاوز حدود أفغانستان. فإعادة فتح ملفها تعني إعادة خلط أوراق القوى الكبرى، وإعادة إشعال التنافس على ممرات آسيا الوسطى. وبذلك تتحول تصريحات ترامب إلى أداة ابتزاز وضغط، ليس على حكومة كابل فحسب، بل على خصوم واشنطن ومنافسيها في النظام الدولي 

 

الفرع الأول: مناورة انتخابية لإعادة رسم صورة القوة

 

حين يعلن دونالد ترامب عن رغبته في استعادة السيطرة على قاعدة باغرام الجوية، فإن خلفية هذا التصريح لا يمكن فصلها عن المناخ الانتخابي في الولايات المتحدة. فالرجل الذي يخوض صراعًا سياسيًا داخليًا محتدمًا، يسعى إلى ترميم صورته كرجل “القوة والحزم”، بعدما فقد الكثير من مصداقيته في ملفات كبرى مثل الصين وروسيا وأوكرانيا.

من هنا، تصبح قاعدة باغرام ليست مجرد منشأة عسكرية مهجورة، بل رمزًا يوظّفه في الداخل الأميركي لاستدعاء صورة الزعيم القادر على اتخاذ قرارات جريئة .

البعد الاستراتيجي

إعادة طرح قاعدة باغرام تمثل محاولة من ترامب لإحياء سردية “استعادة القوة المفقودة”. فهو يقدّم نفسه للداخل الأمريكي على أنه قادر على إعادة واشنطن إلى قلب الصراعات الكبرى، في وقت تتعرض فيه الهيمنة الأمريكية لتحديات متزايدة من الصين وروسيا.

هذه المناورة الانتخابية تعكس رغبة في توظيف رمزية القواعد العسكرية لتأكيد أن الولايات المتحدة لم تتراجع، وأنها قادرة على العودة متى شاءت إلى مواقع النفوذ الاستراتيجية .

البعد الأمني

من زاوية أمنية، يُراد تصوير استعادة باغرام كخطوة لحماية المصالح الأمريكية في آسيا الوسطى، وكحاجز أمني أمام ما يُصوَّر كتهديدات متنامية من قوى إقليمية مثل إيران، ومنظمات مسلحة محتملة في المنطقة. هذه الصورة تُسوَّق للناخب الأمريكي باعتبارها تعزيزًا للأمن القومي، حتى وإن لم يكن المشروع واقعيًا على الأرض .

 

البعد العسكري

عسكريًا، قاعدة باغرام ليست مجرد مدرجات للطائرات، بل منصة لوجستية متكاملة يمكن أن تدعم العمليات في آسيا الوسطى وباتجاه حدود الصين وإيران، إعادة طرحها في الخطاب الانتخابي يضفي على ترامب صورة القائد العسكري، ويعطي انطباعًا بأن عودته إلى السلطة تعني استعادة القدرة على التحكم في موازين القوى الإقليمية. إنها محاولة لصناعة وهم التفوق العسكري كجزء من المعركة الانتخابية .

البعد السياسي

سياسيًا، توظيف باغرام يعكس استراتيجية للهروب إلى الأمام. فبدلًا من معالجة إخفاقاته السابقة في السياسة الخارجية، يلجأ ترامب إلى خطاب شعبوي يُخاطب المشاعر الوطنية الأمريكية، ويستحضر صورة “أمريكا العظمى” القادرة على استعادة قواعدها متى شاءت. بهذا المعنى، تصبح القاعدة أداة انتخابية أكثر مما هي مشروع سياسي قابل للتنفيذ .

البعد الاستخباراتي

من الناحية الاستخباراتية، التلويح بباغرام يمنح ترامب ورقة ضغط نفسية على الخصوم والحلفاء في آنٍ واحد. فهو يوصل رسالة إلى الصين وروسيا بأن عودته إلى البيت الأبيض ستعني إعادة نشر أدوات المراقبة والتجسس قرب حدودهم الاستراتيجية. كما يوجه رسالة للداخل الأمريكي بأنه الرجل الذي يعيد بناء الأجهزة الأمنية والعسكرية لتأدية دورها العالمي، بعد أن صُوّرت إدارات سابقة بأنها تخلت عن هذا الدور .

إذن، يمكن القول إن إعادة طرح مسألة قاعدة باغرام ليست سوى مناورة انتخابية متعدّدة الأبعاد، وظّفها ترامب بذكاء لخدمة خطابه الشعبوي. إنها ورقة تستحضر التاريخ، وتستدعي القوة العسكرية، وتُسوّق للأمن القومي، وتوجّه رسائل استخباراتية، لكنها في جوهرها ليست سوى أداة لتلميع صورة المرشح أمام الناخبين، أكثر من كونها مشروعًا واقعيًا لإعادة تشكيل النفوذ الأمريكي في أفغانستان

الفرع الثاني: استدعاء الذاكرة التاريخية.

 

قاعدة باغرام ✈️ ليست مجرد منشأة عسكرية ضخمة تقع على بعد خمسين كيلومترًا من العاصمة كابل 🏙️، بل هي رمز تاريخي وثقيل ارتبط بأكثر من مرحلة حاسمة في مسار الصراع الدولي على أرض أفغانستان 🌏.

فقد شهدت القاعدة على الغزو السوفياتي عام 1979 ⚔️، وتحولت إلى مسرح لتخزين الأسلحة 🪖 وتخطيط العمليات 🗺️، ثم وقعت في أيدي قوى متعاقبة، قبل أن تصبح مركزًا لعمليات الولايات المتحدة 🇺🇸 وحلف شمال الأطلسي 🛡️ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 🏢.

بهذا المعنى، فإن ذكر باغرام في الخطاب السياسي الأمريكي يوقظ ذاكرة الحرب الباردة ❄️، ويعيد إلى الأذهان صور الصراع مع الاتحاد السوفياتي ☭، وهو ما يحاول ترامب استثماره اليوم لإظهار نفسه بوصفه امتدادًا لتلك المرحلة “الانتصارية” 🏆 في التاريخ الأمريكي.

 

كما انها استدعاء الذاكرة التاريخية حول باغرام يمنح ترامب فرصة للقول إن الولايات المتحدة قادرة على إعادة إنتاج مشهد الهيمنة كما فعلت في ثمانينيات القرن الماضي، حين انهارت القوة السوفياتية أمام المقاومة الأفغانية المدعومة أمريكيًا. إن التذكير بهذا الإرث يخلق حالة وجدانية لدى الناخب الأمريكي، بأن العودة إلى باغرام ليست مغامرة، بل استمرارية لمسار تاريخي ناجح قاد إلى انهيار “العدو الأحمر” بالأمس، وكأنه يريد أن يوحي بأن التاريخ يمكن أن يعيد نفسه مع الصين أو روسيا اليوم .

و من زاوية أمنية، استخدام ذاكرة باغرام يُسوّق كضمانة أن الولايات المتحدة كانت في الماضي قادرة على التحكم بمفاصل الأمن في آسيا الوسطى، وأن العودة إليها ستعيد واشنطن إلى موقع التفوق الأمني في وجه خصومها. هذا الخطاب يعكس محاولة إقناع الداخل الأمريكي بأن القاعدة ليست مجرد قاعدة، بل رمز لإعادة إنتاج شبكة أمنية كاملة في قلب آسيا .

اما من الناحية العسكرية، يتيح استدعاء التاريخ فرصة لإبراز دور القاعدة في دعم العمليات الميدانية الكبرى. فترامب يوظف هذه الذاكرة ليؤكد أن باغرام كانت مركزًا لوجستيًا مكّن واشنطن من قيادة حربها على “طالبان” وتنظيم “القاعدة”، وبالتالي فإن عودتها إلى يد الولايات المتحدة ستعني امتلاك أداة عسكرية متكاملة يمكن توظيفها مجددًا ضد أي تهديد، سواء من قوى محلية أو من دول منافسة .

سياسيًا، يلعب ترامب على وتر الرموز التاريخية لاستقطاب الرأي العام. فهو يقدّم باغرام كجزء من سردية “أمريكا التي لا تُهزم”، ويستحضرها كدليل على قدرة بلاده على قلب المعادلات الجيوسياسية. هذا الاستخدام للتاريخ ليس بريئًا، بل يستهدف خلق إجماع سياسي حول فكرة أن عودته ستعيد واشنطن إلى زمن القوة .

أما على المستوى الاستخباراتي، فإن استدعاء باغرام يعني استحضار دورها كمركز رئيسي لعمليات المراقبة والتجسس على كامل الإقليم، من الصين في الشرق إلى إيران في الغرب، ومن آسيا الوسطى شمالًا إلى باكستان جنوبًا. بهذا الشكل، يوظف ترامب ذاكرة القاعدة لإرسال رسائل مشفرة لخصوم واشنطن بأن عودته قد تعني إحياء منظومة الاستخبارات الأمريكية على مقربة من حدودهم الاستراتيجية
إن استدعاء الذاكرة التاريخية في خطاب ترامب حول قاعدة باغرام ليس مجرد صدفة، بل هو مناورة مدروسة لإعادة إنتاج رمزية الانتصار على السوفيات، وتوظيفها في معركة سياسية وانتخابية جديدة ضد خصومه الداخليين والخارجيين. فالتاريخ هنا ليس ماضيًا يُروى، بل أداة سياسية وأمنية وعسكرية واستخباراتية يجري استخدامها لتعبئة الداخل الأمريكي وإحراج الخصوم الدوليين

 

الفرع الثالث: ورقة الضغط على كابل وطالبان

منذ انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان عام 2021، تحاول “الإمارة الإسلامية” تثبيت سلطتها داخليًا والحصول على اعتراف دولي يرفع عنها العزلة ويمنحها شرعية سياسية واقتصادية. وفي هذا السياق، يبرز تصريح ترامب حول استعادة قاعدة باغرام كورقة ضغط مباشرة على طالبان وحكومة كابل.

 

فالرسالة واضحة 📢: واشنطن 🇺🇸، في حال عودة ترامب 🔁، قد لا تلتزم باتفاقيات الدوحة 📝، بل قد تعيد فتح ملف الوجود العسكري ⚔️ وتفرض قواعد جديدة للعبة السياسية والأمنية 🎯.

بهذا، تصبح باغرام ✈️ ليست مجرد قاعدة مهجورة، بل أداة ابتزاز استراتيجي 💼 تعكس رغبة ترامب في إبقاء كابل 🏙️ تحت رحمة الضغوط الأمريكية ⚡.

فمن منظور استراتيجي 🔍، التلويح بباغرام يضع طالبان ⚔️ أمام معادلة صعبة: إما القبول بشروط أمريكية جديدة قد تمس بسيادتها 🏛️، أو مواجهة خطر عودة النفوذ العسكري الأمريكي 🇺🇸 في قلب أراضيها 🗺️

هذه الورقة تمنح ترامب أداة لتقويض ثقة طالبان في قدرتها على إدارة الدولة بمعزل عن الضغوط الخارجية 🔐، وتفتح الباب أمام واشنطن لاستعادة دورها كفاعل أساسي 🎭 في المشهد الأفغاني.

 

وعلى المستوى الأمني، يهدف خطاب ترامب إلى زعزعة ثقة الداخل الأفغاني في قدرة طالبان على حماية البلاد.

فعندما يعلن ترامب نيته استعادة باغرام، فإنه يبعث برسالة إلى الشعب الأفغاني مفادها أن سلطتهم الحالية عاجزة عن فرض الأمن والاستقرار أمام قوة دولية كبرى. هذا الخطاب يمكن أن يُستخدم لتشجيع قوى معارضة أو مجموعات مسلحة على تحدي “الإمارة الإسلامية”، مما يعمق حالة الاضطراب الأمني .
عسكريًا، يشكّل التلويح بالعودة إلى باغرام تهديدًا مباشرًا لطالبان. فالقاعدة كانت في الماضي مركزًا لإدارة الضربات الجوية والعمليات الخاصة، وإعادة طرحها اليوم يعني أن واشنطن قادرة على استعادة القدرة العسكرية في أي وقت. هذا يضع طالبان أمام تحدي إعادة توزيع قواتها وتأمين محيط العاصمة، مما يستهلك مواردها المحدودة ويضعف قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية الأخرى .

سياسيًا، ورقة باغرام تمثل وسيلة لإضعاف شرعية طالبان على الساحة الدولية. فإذا كان ترامب قادرًا على إعادة فتح ملف الوجود العسكري، فهذا يوجه رسالة للدول التي تتردد في الاعتراف بحكم طالبان بأن الوضع غير مستقر وأن أي التزامات قد تنهار عند عودة الجمهوريين إلى السلطة. بهذا الشكل، تُستعمل القاعدة كورقة سياسية لحرمان طالبان من أي فرصة حقيقية للخروج من العزلة .

يظهر أن استعادة قاعدة باغرام في خطاب ترامب ليست مجرد خطوة رمزية تجاه الصين أو روسيا، بل أيضًا ورقة ضغط مباشرة على طالبان وكابل. فالقاعدة تُستعمل كأداة ابتزاز سياسي وأمني، تهدد بتقويض شرعية “الإمارة الإسلامية” داخليًا ودوليًا، وتذكّر الجميع بأن واشنطن، حتى بعد الانسحاب، لم تفقد قدرتها على العودة متى شاءت. وبذلك، تصبح باغرام في خطاب ترامب سلاحًا استراتيجيًا مزدوج

الاستخدام: موجهًا للخارج ضد القوى الكبرى، وللداخل الأفغاني ضد طالبان وحكومتها 

المحور الثاني:

انعكاسات الصراع على الصين وروسيا.
إعلان ترامب عن رغبته في استعادة السيطرة على قاعدة باغرام الجوية لا يمكن قراءته في إطار داخلي أو انتخابي فحسب، بل يحمل أبعادًا جيوسياسية مباشرة تمسّ القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين وروسيا. فهذه القاعدة التي تتوسط قلب آسيا الكبرى تُعدّ موقعًا بالغ الحساسية في معادلة التوازنات الدولية، إذ تقع على تماس جغرافي وسياسي مع مناطق تعتبرها بكين وموسكو مجالًا حيويًا لأمنهما القومي .

فمن جهة الصين، يمثل موقع باغرام القريب من إقليم شينجيانغ مركز الثقل الاستراتيجي الذي يثير قلق بكين. فهذا الإقليم غني بالموارد، ويمثل عقدة طرق لمبادرة “الحزام والطريق”، وفي الوقت نفسه يشهد توترات داخلية مرتبطة بالبعد القومي والديني. إن مجرد التلويح بعودة واشنطن إلى باغرام يعني بالنسبة للصين تهديدًا مباشرًا لاستقرار حدودها الغربية وممراتها الاقتصادية .

أما روسيا، فإن حضور باغرام في الخطاب الترامبي يعيد إلى الأذهان جراح الغزو السوفياتي لأفغانستان. فالقاعدة التي شكّلت يومًا ما منصة للجيش الأحمر في سبعينيات القرن الماضي، قد تتحول من جديد إلى منصة للضغط على موسكو في محيطها الحيوي الممتد عبر آسيا الوسطى. وبذلك فإن إحياء ملف باغرام يرمز إلى محاولة أمريكية لإعادة فتح جبهة استراتيجية حساسة لطالما اعتبرتها روسيا خطًا أحمر لأمنها القومي .

إن استدعاء ترامب لباغرام بهذا الشكل يحرج الصين وروسيا معًا، لأنه يجبرهما على مواجهة معادلة مزدوجة:

إما التزام الصمت بما يعني الاعتراف بقدرة واشنطن على تهديد عمقهما الحيوي، أو الردّ بخطوات مضادة قد تؤدي إلى تصعيد المواجهة الجيوسياسية في المنطقة. بهذا المعنى، تتحول باغرام من قاعدة جوية مهجورة إلى ورقة ضغط دولية تحمل في طياتها بذور صراع جديد على النفوذ في قلب آسيا

الفرع الأول: الصين في دائرة الاتهام

 

🇺🇸 استعادة قاعدة باغرام: رسالة واشنطن لبكين

حين يتحدث ترامب عن استعادة قاعدة باغرام، فإن الصين هي الهدف الأول الذي يقرأ الرسالة بوضوح.
الموقع الجغرافي للقاعدة يجعلها أشبه بـ برج مراقبة متقدم على حدود بكين الغربية، وتحديدًا بالقرب من إقليم شينجيانغ الحساس، الذي يمثل نقطة ضعف استراتيجية للصين.

🔴 البعد الاستراتيجي:
باغرام قادرة على تقويض مشروع “الحزام والطريق”، لأنها قريبة من الممرات البرية التي تسعى بكين إلى تأمينها باتجاه آسيا الوسطى والشرق الأوسط. وجود أمريكي في هذه المنطقة يعني تعطيل أي محاولة صينية لتعزيز نفوذها الاقتصادي.

🔵 البعد الأمني:
بكين تخشى من توظيف القاعدة كمركز لدعم حركات معارضة أو جماعات متشددة قد تُستخدم لإثارة الفوضى في شينجيانغ. التلويح الأمريكي بالعودة يثير هواجس الأمن الداخلي الصيني.

🔴 البعد العسكري:
من الناحية العملياتية، القاعدة يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لعمليات استطلاع أو تدخل عسكري محدود ضد المصالح الصينية في المنطقة، مما يفرض على بكين إعادة توزيع قوتها العسكرية.

🔵 البعد السياسي:
تصريحات ترامب توضع في سياق التنافس السياسي بين واشنطن وبكين، وهي رسالة واضحة بأن عودة الجمهوريين إلى الحكم ستعني تشديد الضغوط على الصين سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.

 

 

 

الفرع الثاني: روسيا بين إرث الماضي وصراع الحاضر

 

🇷🇺 موسكو وباغرام: إرث مؤلم ورسالة مزدوجة لروسيا والصين

بالنسبة لموسكو، عودة الحديث عن **باغرام** تعني استدعاء مرحلة مؤلمة من تاريخها، حين تحولت القاعدة إلى منصة للجيش الأحمر الذي فشل في إخضاع أفغانستان. لذلك فإن أي حديث أمريكي عن استعادتها يُقرأ في الكرملين على أنه **تحدٍ مباشر لإرثها ومكانتها كقوة كبرى**.

🔴 البعد الاستراتيجي:
روسيا تعتبر **آسيا الوسطى مجالًا حيويًا لأمنها القومي**. وجود أمريكي جديد في باغرام يعني تهديد خطوطها الاستراتيجية وفتح ثغرة في خاصرتها الجنوبية.

🔵 البعد الأمني:
التلويح الأمريكي بعودة القاعدة قد يعزز من مخاوف موسكو بشأن تسلل الفوضى إلى حدودها عبر أفغانستان، ما قد يفاقم التحديات الأمنية الداخلية في جمهورياتها الإسلامية.

🔴 البعد العسكري:
من الناحية العسكرية، عودة باغرام إلى النفوذ الأمريكي تعني أن موسكو ستواجه قاعدة متقدمة قادرة على **مراقبة تحركات قواتها في آسيا الوسطى**، مما يفرض عليها تعزيز وجودها العسكري في المنطقة.

ما يجعل إعلان ترامب أكثر تعقيدًا هو أنه يضع **الصين وروسيا معًا في موقف حرج**. فالتصريح لا يستهدف طرفًا واحدًا، بل يوجه **رسالة مزدوجة إلى القوتين** تعتبران منافستين مباشرتين لواشنطن.

 

 

 

ما يجعل إعلان ترامب أكثر تعقيدًا هو أنه يضع الصين وروسيا معًا في موقف حرج. فالتصريح لا يستهدف طرفًا واحدًا، بل يوجه رسالة مزدوجة إلى القوتين تعتبران منافستين مباشرتين لواشنطن .

 

 

إن إعلان ترامب بشأن قاعدة باغرام يضرب عصفورين بحجر واحد: فهو يستهدف الصين بشكل مباشر عبر تهديد إقليم شينجيانغ وممرات “الحزام والطريق”، ويعيد إلى روسيا ذاكرة الهزيمة السوفياتية لتقويض مكانتها في آسيا الوسطى. لكنه في الوقت نفسه يخلق إحراجًا مزدوجًا لبكين وموسكو، إذ يجبرهما على التعامل مع تحدٍّ أمريكي مشترك قد يخلخل استقرارهما الأمني ويقيد نفوذهما الاستراتيجي في المنطقة

المحور الثالث: القراءة الاستراتيجية لرهانات ترامب.

 

عند التمعّن في تصريحات ترامب حول استعادة قاعدة باغرام الجوية، يتضح أنها ليست مجرد نزوة شخصية أو مناورة إعلامية، بل تعبير عن رؤية استراتيجية مركّبة يسعى من خلالها لإعادة تعريف دور الولايات المتحدة في النظام الدولي، ولتوظيف الرموز العسكرية في خدمة مشروعه السياسي الداخلي. فترامب، الذي عجز في ولايته الأولى عن تحقيق إنجازات ملموسة في ملفات الصين وروسيا والشرق الأوسط، يحاول اليوم أن يُعيد ترتيب المشهد عبر رهان محفوف بالمخاطر: تحويل القواعد العسكرية إلى بديل عن الانتصارات السياسية والدبلوماسية. هذه الرهانات تحمل أبعادًا استراتيجية وأمنية وعسكرية وسياسية واستخباراتية، تفرض قراءة معمقة لتفكيك أهدافها ونتائجها المحتملة .

إفلاس السياسة التقليدية

انسحاب واشنطن من أفغانستان عام 2021 شكّل لحظة فارقة في صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى، إذ بدا المشهد أقرب إلى هزيمة تاريخية منه إلى انسحاب منظم. ترامب يسعى اليوم إلى استثمار هذه الذاكرة لعكس المعادلة، فيقدّم نفسه بوصفه المنقذ القادر على إعادة القوة المفقودة. لكنه بدلاً من البناء على الدبلوماسية والتحالفات، اختار أن يلجأ إلى ورقة القواعد العسكرية ليجعل منها دليلًا على عودة الهيمنة.

بهذا يفضح خطابه إفلاس السياسة التقليدية، ويكشف عن عجزه في تحقيق اختراقات حقيقية مع الصين وروسيا، مكتفيًا بإحياء رموز عسكرية عفا عليها الزمن، وكأنها تعويض عن فشل الدبلوماسية وأدواتها 

المناورة الانتخابية وتوظيف الرمزية العسكرية

لم يتردد ترامب في تحويل قاعدة باغرام من مجرد موقع عسكري سابق إلى شعار انتخابي ضخم يوظّفه في الداخل الأمريكي. فهو يستحضرها كرمز يعكس قوة واشنطن في الماضي، ويعرض نفسه على أنه الزعيم الذي سيعيد أمريكا إلى مواقعها التاريخية المفقودة.

ومن خلال إثارة المخاوف من “الخطر الصيني – الروسي – الإيراني”، يحاول تعبئة الرأي العام، مستخدمًا الخوف وسيلة للهيمنة على وعي الناخبين.

#باغرام

🔴 بذلك تتحول باغرام في خطابه إلى أداة لشيطنة خصومه الخارجيين، وفي الوقت نفسه ورقة لإظهار منافسيه الديمقراطيين بمظهر العاجزين عن حماية الأمن القومي.

🔵 هذا الاستخدام الدعائي للرمزية العسكرية يعكس عقلية التاجر الذي يقامر بمستقبل شعبه، محوِّلًا السياسة إلى سلعة انتخابية قابلة للتسويق لا إلى استراتيجية متماسكة.

 

 

المخاطر المستقبلية والسيناريوهات المحتملة

إن عودة فتح ملف باغرام، ولو على مستوى الخطاب، تضع الولايات المتحدة أمام مخاطر متزايدة، لا على الصعيد الإقليمي فحسب، بل على مستوى النظام الدولي بأسره.

فالصين وروسيا لن تقفا مكتوفتي الأيدي أمام تهديد مباشر لمجالهما الحيوي، بل ستسعيان إلى تعزيز تحالفهما والرد بخطوات قاسية تقطع الطريق على أي محاولة أمريكية لإعادة التموضع في أفغانستان.

وقد يقود ذلك إلى تسريع تشكل نظام عالمي متعدد الأقطاب، يُقصي واشنطن أكثر فأكثر من مناطق النفوذ التقليدية.

#أمنياً_وعسكرياً

🔴 أمنياً، التلويح بالعودة إلى أفغانستان قد يشعل المنطقة من جديد، ويعيد تنشيط جماعات مسلحة لطالما استفادت من الفوضى في ظل التدخلات الأجنبية.

🔵 أما عسكريًا، فإن مجرد استدعاء باغرام يفتح الباب أمام سباق تسلّح ومواجهات غير مباشرة مع بكين وموسكو. وهنا يصبح ترامب، في نظر خصومه، زعيمًا متهورًا يقود بلاده إلى حافة صراع مفتوح.

 

 

الخلاصة

تُظهر رهانات ترامب على قاعدة باغرام عقلية مقامِرة تحاول إخفاء الإفلاس السياسي والدبلوماسي عبر استدعاء رموز القوة العسكرية. فهي مناورة انتخابية قصيرة المدى، لكنها تحمل مخاطر استراتيجية بعيدة المدى قد تشعل المنطقة من جديد. إن ترامب لا يزال أسير عقلية التاجر، الذي يعتقد أن الأزمات الكبرى يمكن إدارتها كما تدار الصفقات التجارية، ولو على حساب استقرار العالم. غير أن روسيا والصين ليستا زبائن في سوقه، بل قوتان تتأهبان للرد بصرامة، وربما بالضربة القاصمة التي تُنهي أوهامه الجانحة. وهكذا، تتحول باغرام في خطابه من قاعدة مهجورة إلى مرآة تعكس تهور رجل يراهن على الأوهام، ويقود بلاده نحو مقامرة محفوفة بالمخاطر قد تكلفها نفوذها ومكانتها .

إن قراءة شاملة لخطاب ترامب حول استعادة قاعدة باغرام تكشف عن شخصية سياسية مأزومة لا تزال أسيرة أوهام القوة وذكريات الهيمنة. فالرجل الذي فشل في تحقيق إنجازات واقعية على صعيد السياسة الدولية خلال ولايته الأولى، يعود اليوم ليوظّف رموزًا عسكرية من الماضي، محاولًا تحويلها إلى أدوات انتخابية رخيصة. غير أن خلف هذا الخطاب تكمن أطماع لا تعرف حدًا، أطماع تُظهر أن ترامب لا يسعى إلى حماية الأمن القومي الأمريكي بقدر ما يسعى إلى إنقاذ نفسه من الإفلاس السياسي والانتخابي

إن ترامب، بعقلية التاجر التي تحكم سلوكه السياسي، يتعامل مع القضايا الدولية كما يتعامل مع صفقة خاسرة يريد تعويضها بأي وسيلة، حتى ولو كانت تلك الوسيلة مقامرة بأمن العالم واستقرار الشعوب.

فهو يرى في قاعدة باغرام ورقة يمكن المزايدة بها داخليًا لإقناع ناخبيه بأنه يعيد مجد أمريكا، وفي الوقت نفسه أداة ضغط خارجي على خصومه من الصين وروسيا، وكأن الأمن الدولي مجرد رهينة في مزاد انتخابي .

 

لكن حقيقة الأمر أن هذه الأطماع الترامبية لا يمكن أن تتحقق في ظل نظام دولي متغير. فالصين وروسيا ليستا مجرد خصمين يمكن ابتزازهما بخطاب شعبوي، بل قوتان صاعدتان تستعدان لمواجهة أي تهديد مباشر لمجالهما الحيوي. وإصرار ترامب على اللعب بورقة باغرام يعكس تهورًا قد يقود إلى نتائج عكسية، إذ سيعجّل بتعزيز التحالف الصيني–الروسي، ويضع واشنطن في مواجهة جبهة مزدوجة تعجز حتى عن تحمل كلفتها الاقتصادية والعسكرية.

الأخطر من ذلك أن هذه المناورة تكشف عن منطق لا عقلاني يخلط بين الدعاية الانتخابية والاستراتيجية الدولية. فترامب يتوهم أن بوسعه إعادة الزمن إلى الوراء، وأن استعادة قاعدة مهجورة يمكن أن تعيد الولايات المتحدة إلى موقعها السابق كقوة لا تُقهر. غير أن العالم تغيّر، ومعادلات القوة لم تعد تسمح بتكرار سيناريو الثمانينيات.

 

 

 

 

لذلك، فإن أطماعه المتجددة ليست إلا محاولة يائسة لبيع الوهم لشعبه، وإخفاء حقيقة إفلاسه السياسي خلف شعارات القوة .
إن الحقيقة التي ينبغي كشفها أن ترامب لا يملك رؤية متكاملة للأمن القومي، بل يملك شهية مفتوحة للمقامرة بالمصالح الوطنية والعالمية في سبيل مكاسب شخصية.

أطماعه اللامتناهية تكشف زعيمًا يعيش في الماضي، يلهث خلف رموز عسكرية فقدت معناها، ويظن أن السياسة الخارجية يمكن أن تُدار بمنطق المقاولات والتجارة. لكن النتيجة المتوقعة هي أن مثل هذه العقلية لن تجلب لأمريكا سوى مزيد من العزلة، ولن تترك للمنطقة سوى اضطراب جديد قد يدفع ثمنه الأبرياء قبل اللاعبين الكبار

 

 

📖 لماذا يريد ترامب العودة للاستيلاء على قاعدة باغرام؟

✍️📚 البروفيسور حكيم غريب – الخبير في الشؤون الاستراتيجية والأمنية ـ الجزائر

✍️📚 زينب بونوة – الباحثة المختصة في الشؤون الأمنية ـ الجزائر

🧭 أبرز النقاط:

  • 📌 رغبة ترامب في استعادة قاعدة باغرام: إعلان العودة للسيطرة على القاعدة وإثارة التوتر الدولي.
  • 📌 الاتفاقية السابقة مع طالبان: اتفاق الدوحة 2020 لسحب القوات الأميركية واحترام السيادة.
  • 📌 تهديدات ترامب: لغة التهديد والمساومة السياسية على خلفية القاعدة.
  • 📌 أهمية قاعدة باغرام: موقع استراتيجي يربط جنوب آسيا وآسيا الوسطى ويتيح مراقبة المنطقة.
  • 📌 التوتر بين واشنطن وكابل: تصريحات ترامب تتعارض مع سيادة أفغانستان وتفرض ضغطًا سياسيًا.
  • 📌 البعد الاستراتيجي والانتخابي: استخدام القاعدة كرمز سياسي داخلي لإظهار القوة أمام الناخبين الأميركيين.
  • 📌 البعد العسكري والأمني: التلويح بباغرام يهدد الأمن الإقليمي ويعزز قدرة الولايات المتحدة العسكرية.
  • 📌 البعد السياسي والدولي: ورقة ضغط على الصين وروسيا مستذكراً الهيمنة الأميركية السابقة.
  • 📌 الخلاصة: الرهانات الترامبية على باغرام تعكس عقلية مقامرة سياسية مع مخاطر على الاستقرار الإقليمي والدولي.

🔗 روابط المصدر والتعريف:

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »