خاص pravdatv
أخر الأخبار

الدكتور حسن نصار يفتح ذاكرة جرح “البيجر”: حين حاولوا القتل برسائل النداء… ظل صوت الحياة الأقوى

الساعة الثالثة وثلاث وعشرون دقيقة بعد ظهر السابع عشر من أيلول 2024، شهد لبنان فاجعة غير مسبوقة. لحظة انفجار أجهزة نداء "البيجر" لم تكن مجرد اهتزاز أو دوي، بل كانت حادثة هزّت كل زاوية، كل قلب، وكل روح، لتترك وراءها خرابًا ووجعًا لا يمكن وصفه بالكلمات.  

الدكتور حسن نصار يفتح ذاكرة جرح “البيجر”: حين حاولوا القتل برسائل النداء… ظل صوت الحياة الأقوى

إعداد: جيهان فتوني – pravda tv 

الساعة الثالثة وثلاث وعشرون دقيقة بعد ظهر السابع عشر من أيلول 2024، شهد لبنان فاجعة غير مسبوقة. لحظة انفجار أجهزة نداء “البيجر” لم تكن مجرد اهتزاز أو دوي، بل كانت حادثة هزّت كل زاوية، كل قلب، وكل روح، لتترك وراءها خرابًا ووجعًا لا يمكن وصفه بالكلمات.

في تلك اللحظة، تصاعدت أصوات الألم والدهشة، وامتزجت بالصمت الرهيب الذي سبق الفاجعة مباشرة، حيث أيادٍ بُترت وعيون فقدت نورها، وأجساد تعرضت للتهتك بشكل غير مسبوق. رغم كل هذه المعاناة، برزت إرادة الحياة في أبهى صورها، في أيادٍ امتدت لإنقاذ المصابين، وفي أرواح رفضت الاستسلام.

كل إصابة، وكل لحظة تحدٍ، كانت شاهدة على بطولة صامتة، على صمود الإنسان أمام آلة قتل متعمدة. كل انفجار، كل نزف، كان جزءًا من مخطط إرهابي ممنهج، لكنه لم يفلح في إطفاء نور الحياة، ولم يوقف إرادة الشعب في المقاومة والصمود. 

وسط هذا الجرح المفتوح، كان هناك خيط نور يشق العتمة. لم يكن نورًا خارقًا أو معجزة سماوية، بل كان الأطباء أنفسهم: أياديهم التي ارتجفت للحظة أمام هول ما رأت، عادت لتتماسك وتخيط جراحًا مستحيلة. كانوا جنودًا في معركة الحياة، يقاتلون بأدوات بسيطة في وجه الدمار، يزرعون الأمل، ويحملون أرواحًا أثقلتها الصدمة على أكتافهم ليعيدوها إلى مسار الحياة.

لقد تحولت المستشفيات في تلك الساعات إلى ساحات مقاومة موازية، وإرادة لا تعرف الاستسلام. كل طبيب، كل ممرضة، كل مسعف، كان يقاتل بطريقته كي ينتزع مصابًا جديدًا من بين الأنقاض والدمار. كانوا هم صُنّاع الأمل، الذين حولوا اليأس إلى عزيمة، والفاجعة إلى حكاية صمود.

ومن بين هؤلاء الأطباء  الذين عاشوا الحدث لحظة بلحظة، يروي لنا الدكتور حسن نصار شهادته لـ Pravda TV.

في تسجيل صوتي مؤثر، يخيّم الصمت وتعود الذاكرة إلى السابع عشر من أيلول 2024؛ اليوم الذي شهد انفجار أكثر من أربعة آلاف جهاز نداء “بيجر”. تحوّلت هذه الأجهزة إلى قنابل متنقلة، فكل من حملها وجد نفسه ضحية وشاهداً في آن واحد، لتُسجَّل الفاجعة الكبرى كواحدة من أبشع الجرائم التي مزّقت قلب لبنان وتركته مثقلاً بالجراح.

ويكمل نصار بعد صمت لثواني ، كانت في ذاكرته ساعات

“كان يومًا فاجعياً ومروعًا، يوم نفذ فيه العدو الصهيوني مجزرة مروعة استهدفت  آلاف الأشخاص بثواني معدودة. وقع الانفجار كان هائلًا، فاق كل ما عرفناه من حوادث إصابات أو كوارث طبيعية، وتجاوز حتى فظاعة كارثة مرفأ بيروت عام 2020. عند لحظة الانفجار، أعلنت المستشفيات حالة Yellow Code، أي الطوارئ القصوى، فاستنفر الجميع: الجراحون، الممرضون، وطلاب الطب، لأن كل ثانية كانت فاصلة بين الحياة والموت، وكل لحظة حملت في طياتها تحديًا وبطولة في وجه الفاجعة.

 

“في لحظة واحدة، صارت المستشفيات خلية نحل بشرية، الأروقة تغص بالمصابين الممزقين بين الألم والموت، وغرف العمليات لا تعرف توقفًا، مستمرة في معركة يائسة ضد الموت الذي يتهدد كل لحظة.”

 

“عندما دخلت المستشفى، اجتاحني مشهد لم أعرف له مثيلًا: الأروقة تغص بالمصابين، إصاباتهم فاقت كل حدود الخيال، بعضها أشد فظاعة من تفجير المرفأ. الأجساد ممزقة، الدماء تنهمر بلا توقف، وعيون البعض فقدت البصر في لحظة، شاهدة على الموت الذي يزحف بلا رحمة. ومع كل صدمة أمام هذا المشهد، فرضت الرسالة الطبية نفسها: التدخل الفوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، السيطرة على النزف، ومحاولة إنعاش من بدا كأنه على حافة الرحيل. كان الصراع بين الصدمة والمهنية يقود كل لحظة من العمل، معركة يائسة ضد الموت نفسه.”

الإصابات كانت متنوعة ومعقدة وقاتلة

شظايا الأجهزة المتفجرة تركت تشوهات مروعة في ملامح الوجه، مع تمزق الجلد والأنسجة الرخوة وكسور في العظام الوجهية، ما جعل بعض الوجوه تفقد شكلها الطبيعي بالكامل، بينما ظل النزف والتهتك يعكسان وحشية الانفجار.

إصابات العيون
اخترقت شظايا دقيقة المقلة مسببة نزفًا في الجسم الزجاجي، مع تمزق شبكية في عدة حالات، وأدت بعض الإصابات إلى فقدان البصر بشكل دائم، لتصبح العيون شاهدة على العنف الفج للمكان.

إصابات الأطراف والأصابع
تعرض عدد من المصابين لـبتر جزئي أو كامل في الأصابع، إلى جانب تمزق عضلي وعظمي واسع وكسور مفتتة، ما استلزم تدخلًا جراحيًا دقيقًا لإعادة بناء الوظائف الحركية وحفظ ما يمكن إنقاذه.

إصابات الجلد والأنسجة الرخوة
تعددت الجروح العميقة والمتسعة، بعضها يحتوي على شظايا ملتحمة بالأعضاء الداخلية، ما استلزم إزالة دقيقة للشظايا، تطهير متكرر، وخياطة معقدة، ضمن سباق مع الزمن للحد من العدوى والحفاظ على الحياة.

إصابات البطن والفخذ
ترافقت مع نزف داخلي حاد وتمزق في الأعضاء الداخلية بسبب شظايا ملتحمة بها، الأمر الذي استدعى تدخلًا جراحيًا عاجلًا وفوريًا لمنع تدهور الحالة وإنقاذ المصابين.


تفاصيل الانفجار والمواد المستخدمة

المواد التي انفجرت لم تكن مواد عادية، بل مواد شديدة الانفجار مثل الهيكساجين والليبلستيد، حيث إن 100 إلى 200 جرام منها تعادل قوة TNT التدميرية. لم يكن الهدف مقتصرًا على قتل المقاتلين فقط، بل كان إصابة أكبر عدد ممكن من المدنيين.

أسفرت الانفجارات عن إصابات واسعة النطاق بين الشباب العاملين في الخدمة المدنية، وبعضهم لم يكن له أي ارتباط عسكري، لكنه تعرض لإعاقات دائمة شملت:

  • فقدان الحركة جزئيًا أو كليًا.
  • فقدان البصر نتيجة إصابات مباشرة في العيون.
  • عجز كامل أثر على القدرة على ممارسة الحياة اليومية بشكل طبيعي.

يشير هذا إلى أن الانفجار لم يكن مجرد عمل تكتيكي عسكري، بل عملية ممنهجة لإلحاق الضرر المدني وإحداث دمار واسع النطاق، مع تأثير طويل المدى على صحة الضحايا وقدرتهم على العودة إلى حياتهم الطبيعية.

الجدول الطبي للإصابات الناتجة عن المواد شديدة الانفجار

الوجه

تشوهات واضحة في ملامح الوجه، تمزق الجلد والأنسجة، كسور في العظام الوجهية، نزف شديد.

الإجراءات: إعادة بناء جراحي، مراقبة النزف، الوقاية من العدوى.

العينين

شظايا اخترقت المقلة، نزف الجسم الزجاجي، تمزق الشبكية، فقدان البصر الدائم.

الإجراءات: تدخل جراحي عاجل، تقييم الرؤية، الوقاية من العدوى.

الأطراف والأصابع

بتر جزئي أو كامل، تمزق عضلي وعظمي واسع، كسور مفتتة.

الإجراءات: إعادة بناء دقيقة، علاج طبيعي، مراقبة الدورة الدموية.

الجلد والأنسجة الرخوة

جروح عميقة ومتسعة، شظايا ملتحمة بالأعضاء الداخلية.

الإجراءات: إزالة دقيقة للشظايا، تطهير متكرر، خياطة متخصصة.

البطن والفخذ

نزف داخلي حاد، تمزق في الأعضاء الداخلية بسبب شظايا ملتحمة بها.

الإجراءات: تدخل جراحي عاجل وفوري، مراقبة حيوية، دعم نقل الدم.

الإعاقات طويلة الأمد

فقدان الحركة، فقدان البصر، تشوهات دائمة، آثار نفسية شديدة (PTSD).

الإجراءات: إعادة تأهيل طويل الأمد، علاج نفسي، دعم اجتماعي.

 


في غرفة العمليات، كانت اللحظات أشبه بمعركة مفتوحة:

 

عند وصول المصابين إلى المستشفى، بدأت الفرق الطبية على الفور بـ تنظيف وتطهير الجروح بشكل مستمر. كانت معظم الجروح واسعة جدًا وتهتك الأنسجة فيها شديد، حتى أن جمع أطراف الجلد للخياطة لم يكن ممكنًا في كثير من الحالات. كل شظية صغيرة كانت تُعد تهديدًا إضافيًا للعدوى، لذلك كان على الطاقم الطبي إزالة الشظايا بدقة متناهية وتطهير المناطق المصابة بعناية شديدة.

 

تم إعطاء المضادات الحيوية فورًا للحد من خطر العدوى، ولتفادي تسمم الدم أو فشل الأعضاء الداخلية.

 

الأوتار والعضلات الممزقة كانت تحديًا آخر؛ كل إصابة تتطلب خياطة دقيقة للغاية باستخدام تقنيات متخصصة، أحيانًا لساعات متواصلة، لمحاولة استعادة أكبر قدر ممكن من الحركة.

 

إصابات العيون كانت الأكثر حساسية: شظايا دقيقة اخترقت المقلة مسببة نزف الجسم الزجاجي وتمزق الشبكية، فبدأ الفريق الطبي بإزالة الشظايا، إعادة بناء القرنيات، وإيقاف النزف داخل العين، مع العلم أن بعض الحالات أدت إلى فقدان البصر الدائم رغم كل الجهود. 

ولمنع مضاعفات إضافية، تم إعطاء اللقاحات الضرورية، مثل لقاح الكزاز، خصوصًا أن الجروح كانت ملوثة بالأتربة والشظايا المعدنية، ما يجعل أي تأخير قاتلًا. 

العملية كلها كانت سباقًا مع الزمن؛ كل لحظة تأخير كانت قد تكلف المصاب حياته أو تزيد من حجم الإعاقة. الطاقم الطبي عمل بلا توقف، مع صدمة من حجم الدمار، ومحاولة للحفاظ على حياة كل مصاب قدر الإمكان.

“كنا نعمل في غرفة عمليات مكتظة، تشبه خلية نحل. لا وقت للكلام، لا وقت للراحة. كل دقيقة فيها حياة، وكل خطأ بسيط قد يعني موتًا أو عجزًا دائمًا. الاتصالات لم تنقطع بين المستشفيات، الجميع يطلب مساعدات إضافية من جراحين وممرضين. كان علينا أن نتصرف بسرعة، بدقة، وبإصرار، رغم أن المشهد كان يفوق الوصف.”


حتى بعد العمليات الجراحية، لم تنتهِ المعركة. المصابون احتاجوا إلى:

  • إعادة تأهيل شامل لفاقدي البصر عبر التدريب على الحركة واستخدام الأدوات المساعدة.
  • علاج طبيعي طويل الأمد لفاقدي الأطراف أو المصابين بكسور معقدة.
  • متابعة طبية دقيقة لمنع التهابات أو مضاعفات لاحقة.

تمكن الطاقم الطبي من إنقاذ معظم المصابين، جزئيًا أو كليًا، لكن بعضهم حمل ندوبًا لا تمحوها الأيام: إعاقات جسدية مستمرة وصدمة نفسية عميقة. الواقع المرير أن العالم يراقب هذه الجرائم بلا مساءلة، وكأن القتل الجماعي صار مسموحًا به في صمت رهيب.

 

ومع ذلك، في المستشفيات اللبنانية، أيدي الجراحين لا تزال تعمل، وقلوبهم تنبض بالأمل، تحاول أن تعيد الحياة لكل من فقد كل شيء، لتثبت أن الإنسانية لم تمت بعد، وأن العزم على إنقاذ الأرواح أقوى من كل ظلام هذا العالم.

ورغم حجم المأساة، كان هناك نور في كل غرفة عمليات: نور المقاومة، نور إرادة الحياة.

 

ختم دكتور نصار حديثه قائلاً:

“كل مصاب في ذلك اليوم، سواء فقد جزءًا من جسده أو بصره، كان شاهداً على إرادة الحياة التي رفضت الانكسار. لقد أثبتوا أن الصمود لا يُقاس بالقوة الجسدية فقط، بل بعقيدة ثابتة، تتغذى على الأمل والإيمان بالحياة، مهما اشتدت المآسي.”

وأضاف: “اليوم، يسير الجرحى بـبصيرتهم التي تفوق البصر، حاول العدو أن يضعفهم ويبعدهم عن المعركة، لكنهم عادوا إليها بقوة أكبر وعزيمة لا تنكسر، مستعدين لمواجهة كل تحدٍ جديد.”

 

✍️ شهادة الدكتور نصار ليست مجرد مأساة محلية أو حدث استثنائي ،بل رسالة إلى العالم كله: الإرهاب الإسرائيلي يمتد من غزة إلى لبنان وإلى كل  العالم، متجاوزًا كل الأعراف والقوانين الدولية، متجاهلًا حتى قواعد الحرب التي تحمي المدنيين. هذا السلوك الإجرامي يعكس حالة الانفلات الأخلاقي والسياسي التي تتسم بها آلة القتل الإسرائيلية، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية عاجلة لوقف هذا العدوان المتكرر. من غزة إلى بيروت، ومن الشرق الأوسط إلى الضمير العالمي، يبقى إرهاب إسرائيل حقيقة ثابتة لا يمكن إنكارها، تحتم على كل شعوب العالم مقاومته ومحاسبته على جرائمه .

 

 

🩺 تعريف بالدكتور حسن نصار


الدكتور حسن نصار هو أخصائي في الجراحة العامة، خريج جامعة الصداقة في موسكو حيث أكمل دراسته المتقدمة (الاجتهاد السوفيتي) سنة 1987.
يتمتع بخبرة طويلة في التعامل مع حالات الإصابات الجماعية والطوارئ، وكان حاضرًا في قلب عمليات الإسعاف والجراحة أثناء انفجار أجهزة نداء “البيجر”،
حيث شارك مباشرة في تقديم الرعاية الطبية للمصابين وإدارة الحالات الحرجة في تلك الكارثة.


المزيد عن الدكتور حسن نصار

🔗 روابط تعريفية حول البيجر والمتفجرات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »