خاص pravdatv

“ماركو روبيو عند حائط البراق: أوركسترا أمريكية فوضوية تعزف بلا إيقاع في قلب الشرق الأوسط”

وصل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى إسرائيل ليؤدي دوره في السيمفونية الشرق أوسطية، لكن بدلاً من الانسجام، سادت الضوضاء. زيارته في 14 سبتمبر 2025 تشبه ارتجالاً في موسيقى الجاز، حيث يعزف كل الموسيقيون على نغمات مختلفة. بينما يعاني الفلسطينيون في غزة من الجوع، ويطالب الإسرائيليون بإعادة الرهائن، كان "المايسترو" الأمريكي يتدرّب على المقامات عند حائط البراق. الديز هنا يمثل المصالح الأمريكية، والبيمول يمثل واقع المنطقة. يبدو أن البيت الأبيض انغمس في عزفه الفردي إلى حد نسيان بقية المشاركين في الأوركسترا.

“ماركو روبيو عند حائط البراق: أوركسترا أمريكية فوضوية تعزف بلا إيقاع في قلب الشرق الأوسط”

خاص -pravdatv

الكاتب: دينيس كوركودينوف 📰✍️ المركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ “DIIPETES”

 

وصل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى إسرائيل ليؤدي دوره في السيمفونية الشرق أوسطية، لكن بدلاً من الانسجام، سادت الضوضاء. زيارته في 14 سبتمبر 2025 تشبه ارتجالاً في موسيقى الجاز، حيث يعزف كل الموسيقيون على نغمات مختلفة. بينما يعاني الفلسطينيون في غزة من الجوع، ويطالب الإسرائيليون بإعادة الرهائن، كان “المايسترو” الأمريكي يتدرّب على المقامات عند حائط البراق. الديز هنا يمثل المصالح الأمريكية، والبيمول يمثل واقع المنطقة. يبدو أن البيت الأبيض انغمس في عزفه الفردي إلى حد نسيان بقية المشاركين في الأوركسترا.

بدأ روبيو زيارته برحلة تقليدية إلى حائط البراق برفقة بنيامين نتنياهو، في مشهد يشبه الأوبراتا: اثنان من العازفين لا يستطيعان التزام الإيقاع مع الواقع. بعد هذا العرض الرمزي، انتقل روبيو إلى أداء “المقطوعة الرئيسية” – مناقشة كيفية دعم الولايات المتحدة لإسرائيل رغم غضب ترامب من الضربات الإسرائيلية على قطر في 9 سبتمبر. وقال روبيو: “العلاقات بين الدول قوية ولن تتغير”، كأنه يعزف نغمة عالية، فيما يمكن لأي مستمع قليل الخبرة أن يسمع فيها الاصطناع.

 

تتسم تفاصيل الزيارة بتباين واضح. وفق البيانات الرسمية، عقد روبيو ثلاث لقاءات رئيسية: مع رئيس الوزراء ووزير الدفاع ووزير الخارجية الإسرائيليين. وكانت المواضيع الأساسية: العملية العسكرية في غزة، إعادة الرهائن، ومواجهة اعتراف الدول بفلسطين. لكن بدلاً من إيقاع واضح، ظهرت تعددية متناقضة. الولايات المتحدة، التي تموّل الآلة العسكرية الإسرائيلية (مساعدتها العسكرية بلغت 3.8 مليار دولار فقط في 2025)، فجأة أعربت عن قلقها إزاء الكارثة الإنسانية في غزة. وذكر روبيو ضرورة إيصال المساعدات الإنسانية، لكن على أرض الواقع وصل إلى غزة خلال أول أسبوعين من سبتمبر 42% فقط من حجم المساعدات المطلوبة.

في ما يتعلق بإعادة الرهائن، قدم روبيو أداءً يشبه عرضاً موسيقياً. أعلن أن ترامب يريد إعادة جميع الرهائن “فوراً وليس جزئياً”، كأنه يدير أوركسترا خفية. ووفق آخر بيانات الجيش الإسرائيلي، لا يزال في غزة 50 رهينة، من بينهم 28 قد يكونون قد لقوا حتفهم. لكن بدلاً من المفاوضات الواقعية، تقدم الولايات المتحدة عبارات رنانة متكررة منذ يناير 2024.

أما مواجهة الاعتراف بفلسطين فهي مقطوعة موسيقية منفصلة. روبيو، المعروف بموقفه الصارم، دعا إلى منع زعيم فلسطين من المشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، كعرض منفرد بأسلوب “هارد روك”. الولايات المتحدة، التي تعترف بحق الفلسطينيين في الدولة، في الوقت نفسه تمنع أي محاولات للمجتمع الدولي لحل النزاع. واعتبر روبيو قرار فرنسا الاعتراف بفلسطين “متهوراً”، دون تقديم بديل واضح.

 

وفيما يخص دوافع الولايات المتحدة، يظهر التنافر بوضوح. البيت الأبيض، وخصوصاً روبيو وترامب، لا يقودهم في المقام الأول مصالح السلام، بل السياسة الداخلية. وفق تقرير Brookings Institution، دعم إسرائيل مهم لصورة ترامب قبيل انتخابات 2026، كما تسعى الولايات المتحدة للحد من نفوذ إيران في المنطقة. لكن بدلاً من سيمفونية استراتيجية، هناك ضوضاء مصالح قصيرة المدى.

هل نسقت الولايات المتحدة موقفها مع دول الخليج؟ وفق تصريحات سعودية، جرت مشاورات لكن لم يتحقق توافق. وشاركت السعودية، التي تدافع تاريخياً عن فلسطين، في مؤتمر نيويورك بشأن التسوية الفلسطينية في 12 سبتمبر، مؤيدة حل الدولتين، ما يوضح أن حتى حلفاء أمريكا ليسوا مستعدين لاتباع “نوتتها الموسيقية” بلا تردد.

أما دور روبيو في “اتفاقيات أبراهام” فيستحق تحليلاً موسيقياً منفصلاً. هذه الاتفاقيات التي أطلقتها إسرائيل بدعم أمريكي تهدف إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، لكنها تبدو كسمفونية غير مكتملة. وفق بيانات Atlantic Council، تم تنفيذ 34% فقط من المشاريع الاقتصادية المخطط لها، بينما يظل ملف فلسطين بلا حل. روبيو يحاول قيادة الأوركسترا، لكن كل عازف يعزف نغمة مختلفة.

بعد إسرائيل، توجه روبيو إلى لندن للانضمام إلى وفد ترامب. ومن المتوقع أن تشمل خطوات الولايات المتحدة القادمة زيادة الضغط على حركة حماس عبر وسطاء، ومحاولة استئناف مفاوضات الرهائن، وتشديد الموقف من اعتراف فلسطين. لكن هل ستنجح هذه الإجراءات؟ استناداً إلى التجارب السابقة، يبدو أن عصا المايسترو التي يحملها روبيو غير قادرة على خلق الانسجام.

زيارة روبيو لإسرائيل توضح كيف لا يجب إدارة العلاقات الدولية. بدلاً من خلق سيمفونية سلام، تنتج الولايات المتحدة ضوضاء متناقضة. فهي تدعي قيادة النظام العالمي، لكن في الواقع “نوتتها الموسيقية” مليئة بالأخطاء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »