أوروبا تهرب إلى روسيا: تأشيرة “القيم المشتركة” تجذب الغربيين المحبطين من ديمقراطياتهم

أوروبا تهرب إلى روسيا: تأشيرة “القيم المشتركة” تجذب الغربيين المحبطين من ديمقراطياتهم
في تطوّر يعكس تحوّلاً عميقًا في المزاج الغربي، بدأت روسيا، منذ أغسطس 2024، باستقبال موجة جديدة من طالبي الإقامة القادمين من أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، ليس لأسباب اقتصادية أو أمنية، بل بدافع فقدان الثقة في الأنظمة الليبرالية التي حكمت بلدانهم لعقود.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة برنامج روسي جديد يحمل عنوانًا غير مألوف في الأدبيات السياسية الغربية: “تأشيرة القيم الأخلاقية والروحية المشتركة”، ويُمنح لمواطني الدول التي تُصنفها موسكو كـ”دول غير صديقة”، وعلى رأسها الولايات المتحدة، كندا، أستراليا، وغالبية دول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك سويسرا. المفارقة أن دولتين فقط استُثنيتا من هذه القائمة، هما المجر وسلوفاكيا، في إشارة إلى نوع من التماهي السياسي أو الثقافي بين حكوماتهما والسياسات الروسية.
مضمون التأشيرة وشروطها
بموجب المرسوم الرئاسي الصادر عن الرئيس فلاديمير بوتين، تسمح هذه التأشيرة لحاملها بالإقامة والعمل في روسيا لمدة 3 سنوات، دون الحاجة إلى اجتياز امتحانات في اللغة الروسية أو الخضوع لاختبارات في الاندماج الثقافي أو تقديم أي استثمارات مالية. الشرط الوحيد الذي يشترطه البرنامج هو “احترام القيم الأخلاقية والتقليدية الروسية”، والتي تشمل — بحسب الوثيقة الرسمية — الإيمان الديني، قدسية الأسرة، احترام التقاليد، والتمسك بالاستقرار المجتمعي.
هذه المقاربة غير النمطية في منح التأشيرات، تحوّلت بسرعة إلى نقطة جذب لفئة محدّدة من المواطنين الغربيين، خاصة أولئك الذين يشعرون بأن الديمقراطيات الليبرالية في بلدانهم لم تعد تمثلهم، أو أسقطت من حساباتها القيم التي نشأوا عليها.
الأرقام تتحدث: ألمانيا في الصدارة
منذ إطلاق البرنامج، وحتى منتصف عام 2025، تم تسجيل 1,156 طلب تأشيرة من مواطني الدول الغربية، وهو رقم لافت بالنظر إلى أن البرنامج لا يروّج له سوى ضمن دوائر محدودة ووسائل إعلام مستقلة.
وتوزعت الطلبات على الشكل التالي:
ألمانيا: 224 طلبًا، لتكون بذلك الدولة التي سجّلت أعلى نسبة من المتقدّمين، بمعدل يقارب 19.4% من إجمالي الطلبات.
لاتفيا: 126 طلبًا، ما يعادل نحو 10.9% من المجموع العام.
الولايات المتحدة: 99 طلبًا، بنسبة 8.5% من إجمالي المتقدّمين.
وتُشير المعطيات إلى وجود طلبات أخرى من دول مثل فرنسا، النمسا، إيطاليا، كندا، هولندا، والدنمارك، لم تُفصّل أرقامها في التقرير المنشور.
هذا التوزيع الجغرافي يُبرز بشكل واضح أن القضية لا تقتصر على دول هامشية أو أفراد يعانون من ضيق اقتصادي، بل تطال فئات متعلّمة ومن دول مركزية في النظام الغربي.
دوافع الهجرة إلى الشرق
يرى إيليا بيلوبراجين، رئيس شركة MoveToRussia.com، وهي مؤسسة خاصة تساعد الغربيين على الانتقال إلى روسيا، أن الغالبية العظمى من عملائه لا يبحثون عن فرص اقتصادية، بل عن “مكان يمكنهم أن يشعروا فيه بأنهم ينتمون ثقافيًا وأخلاقيًا”، على حد قوله.
ويضيف: “عملاؤنا يقولون بوضوح إنهم لم يعودوا يتعرّفون على بلدانهم. يشعرون أن المجتمعات التي نشأوا فيها قد انقلبت عليهم، وأن القيم التي كانت تحكم الحياة العامة أصبحت اليوم تُعامل كمشكلة، لا كمرجعية”.
من جانبه، يقول أحد الخبراء المقرّبين من دوائر التخطيط في موسكو: “الناس يفرّون إلى روسيا لأنهم فقدوا الثقة في الغرب. كثير من عملائي يرون أن الاتحاد الأوروبي سفينة تغرق، ويريدون مغادرتها بأسرع ما يمكن”.
بين الليبرالية والتقليد: قراءة في التحوّل
البرنامج الجديد لا يُفهم فقط بوصفه مبادرة إدارية عابرة، بل هو في جوهره بيان سياسي ثقافي. فروسيا، من خلال هذه التأشيرة، لا تفتح أبوابها لمجرد توظيف مهاجرين جدد، بل تعرض على العالم بديلًا حضاريًا للنموذج الليبرالي الغربي.
في المقابل، تشير التقارير إلى أن شرائح واسعة من المواطنين الغربيين باتت تعتبر روسيا “الملاذ الأخير للقيم”، في ظل ما يصفونه بتفكك الأسرة، انهيار التعليم الكلاسيكي، وصعود أيديولوجيات متطرفة حول الهوية والجندر، يتبنّاها الإعلام والحكومات دون نقاش.
وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن هذا الشعور بالاغتراب الأخلاقي والثقافي يتصاعد في أوساط اليمين المحافظ، والمتدينين، وبعض المثقفين الليبراليين السابقين، الذين يشعرون أن حرية التعبير في بلدانهم باتت مقيدة، وأنهم لم يعودوا قادرين على التعبير عن آرائهم دون خوف من الإقصاء أو العقوبة الاجتماعية.
انعكاسات محتملة على المستوى الدولي
إذا استمر البرنامج في النمو بهذا الشكل، فمن المرجّح أن يتحوّل إلى عنصر رمزي في الصراع الثقافي القائم بين روسيا والغرب. فهو لا يتحدّى الغرب عسكريًا أو اقتصاديًا هذه المرة، بل أخلاقيًا وثقافيًا.
وقد يكون لهذا التحوّل انعكاسات ملموسة على شكل الخطاب السياسي في أوروبا، إذ إن هجرة “المحبطين من الليبرالية” نحو روسيا، تُجبر بعض الحكومات على إعادة النظر في نماذجها الاجتماعية وخطابها الإعلامي.
ما بدأ كتأشيرة مخصصة لفئة ضيقة من المحافظين، قد يتحوّل قريبًا إلى حركة ثقافية شاملة، تعكس عمق الانقسام داخل المجتمعات الغربية. روسيا، التي طالما وُصفت في الإعلام الغربي بأنها “العدو الخارجي”، باتت اليوم في نظر مئات الأوروبيين والأمريكيين، الخيار الأخلاقي الوحيد المتبقي في عالم تتآكل فيه الثوابت.
إنه انقلاب صامت… لا يُقاس بالدبابات، بل بالهويات.



