اخبار لبنان
أخر الأخبار

كتب د. المهندس نضال الشرتوني:جريمة دفن الاثار ومحو ذاكرة بيروت…

تُعدّ بيروت واحدة من أقدم مدن البحر المتوسط، ويعود تاريخ استيطانها إلى آلاف السنين: الفينيقيون، اليونان، الرومان، البيزنطيون، العرب، العثمانيون… وهي مدينة حافظت رغم الحروب على تراكم طبقات حضارية متواصلة جعلت مركزها التاريخي أشبه بـ” متحف حيّ”

جريمة دفن الاثار ومحو ذاكرة بيروت….

🧾✍️الدكتور  المهندس نضال الشرتوني ـ 

المصدر : منصة تقدم 

تُعدّ بيروت واحدة من أقدم مدن البحر المتوسط، ويعود تاريخ استيطانها إلى آلاف السنين: الفينيقيون، اليونان، الرومان، البيزنطيون، العرب، العثمانيون… وهي مدينة حافظت رغم الحروب على تراكم طبقات حضارية متواصلة جعلت مركزها التاريخي أشبه بـ” متحف حيّ”
لكنّ المرحلة الأكثر تدميراً لتراثها لم تكن خلال حرب 19751990، بل بعد الحرب وتحديداً بدءاً من عام 1992 حين تولّت الدولة، بالشراكة مع القطاع الخاص، عملية “إعادة الإعمار”. ما حدث في وسط بيروت يُعدّ من أكبر عمليات طمس ممنهج للهوية والتراث الحضري في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
ان محو ذاكرة الشعوب يسهل تدجينها وامكانية التحكم بها. عندما يفصل الانسان عن تاريخه وحضارته وثقافته ويصل الى درجة الاقتناع بان هذا لا يعني شي له يصبح بدون وطن يفتخر به ولا قضية يدافع عنها.
أولا: الخلفية التاريخية لوسط بيروت
اهمية المنطقة قبل الحرب
• كانت من اهم المراكز التجارة في الحوض الشرقي للبحر المتوسط.
• ضمّت أحياء وأسواقاً تاريخية:
1 سوق الطويلة،
2 سوق أياس،
3 سوق البازركان،
4 سوق سرسق،
5 سوق الصاغة،
6 سوق النحّاسين،
7 وسوق الجميل.
• احتوت طبقات أثرية متراكمة تعود إلى:
1 الحقبة الفينيقية
2 الحقبة الهلنستية
3 الحقبة الرومانية (أعمدة، طرق، بقايا معابد)
4 الحقبة البيزنطية
5 الحقبة الإسلامية والعثمانية
• تشكّل ذاكرة حيوية للشعب البيروتي ومركز ثوراته ونضالاته منذ القرن التاسع عشر.
ثانيا : وضع الدولة يدها على المنطقة
بعد انتهاء الحرب، تولّت حكومة الرئيس رفيق الحريري إدارة ملف وسط بيروت.
في عام 1992 ووضعت وسط بيروت التاريخي في قلب مشروع سياسي – اقتصادي هدفه إعادة تشكيل لبنان النيو – ليبرالي عبر الهندسة المالية والعقارية وبدأت الإجراءات التي اعتُبرت الخطوة الأولى نحو “خصخصة” قلب العاصمة:
اهم الإجراءات التي اتخذت لوضع اليد على الوسط التاريخي عام 1992:
تأسيس شركة خاصة مستقلة “solider” لها كيان مالي اقتصادي واداري. — تأسست solider عام 1994 بموجب قانون 1991/117 (لوضع اليد على الجزء الذي كان حتى منتصف القرن التاسع عشر ضمن اسوار المدينة وجوارها القديمة) عليه أعطيت مسؤولية تطوير وإعادة بناء وسط بيروت التاريخي وفق الرؤية الحديثة تحويل وسط بيروت الى مركز اقتصادي (1)

إعلان المنطقة “منطقة متضرّرة” رغم أن أجزاءً كبيرة منها قابلة للترميم.

ثالثا: كيف جرى التعامل مع أصحاب الحقوق الأصليين في وسط بيروت
– كلفت الحكومة شركة سو ليدير لوضع الية وجمع أصحاب الحقوق “واشراكهم” في جهود إعادة الاعمار لأن حجم الدمار كبير (علما بان كل الدلائل تبين بان المنطقة لم تتعرض الى الدمار كبير) في النتيجة تم الحفاظ على كمية زهيدة جدا لا تتعدى 265 مبنى إضافة الى 26 مبنى دينيا او حكوميا.
📌انطلق المخطط من فكرة الدمج بين التاريخ والحداثة تحت شعار مدينة عريقة بهدف الاستفادة من القيمة الرمزية للتراث في تسويق المشروع.
📌 حصلت سو ليدير على تفويض كامل لأداره نزع واستملاك وهدم الأبنية في المنطقة.
📌نزع ملكية الأبنية والأراضي التاريخية بما فيها المواقع الاثرية مقابل أسهم بدل التعويض النقدي مع تجاهل القيمة التاريخية والثقافية لهذه الأملاك.
📌- الهدم الشامل ودفن الاثار تحت الباطون مما أدى الى موت الحياة في المنطقة التاريخية.
📌- افرغت “سوليدير” الردم وهدم الأبنية وكل بقايا الاعمال في مطمر ومرفأ النورماندي وحولت ذلك الى مساحات كبيرة جدا وأصبحت ملك للشركة انشأت عليها الأبنية وناطحات السحاب ومرفأ ومطاعم ونوادي وأسواق.
📌- الغاء النشاط الاجتماعي التقليدي في الأسواق والشوارع بما فيها مثلا سوق الذهب التاريخي.
🔷️- النتيجة كانت ان منطقة سو ليدير لم تعد لها أي علاقة بشعب لبنان وتراثه النضالي من معركة الاستقلال الوطني ضد الفرنسيين وتحرير بيروت من احتلال العدو الإسرائيلي 1982 حتى أصبحت بيروت ومركزها التاريخي بدون إرادة باردا بلا روح.
هذا يعني عمليا خصخصة قلب العاصمة بيروت -جغرافيا واقتصاديا وتاريخيا (2)
رابعا: عمليات التنقيب تمت من عام 1992 حتى 1994
خلال التنقيب ظهر ما وصفه علماء الآثار بأنّه أعظم اكتشافات القرن في شرق المتوسط:
1 شبكة طرق رومانية كاملة.
2 مبانٍ فينيقية نادرة.
3 ميناء فينيقي قديم.
4 كنائس بيزنطية.
5 بقايا أسوار ومرافئ عثمانية.
… جرت عملية دفنها وإزالتها:
1 تمّ تكسير آلاف القطع الأثرية بالجرافات.
2 ردم بدل حمايتها المواقع التراثية بطبقات إسمنتية.
3 تدمير مبانٍ عثمانية كانت قابلة للترميم
4 الخانات
5 الأسواق السراي القديمة ازيلت بالكامل
6 تحويل المرفأ الفينيقي إلى موقف سيارات إسمنتي.
اختفاء كامل للهوية العمرانية التي كانت تشكّل ذاكرة بيروت منذ ألفي سنة.
كان عدد من علماء الآثار الأجانب قد قدّموا اعتراضات رسمية، لكن تم تجاهلها بالكامل.
ووصفت بعض الدراسات ما جرى بأنه “أكبر دفن لتراث مدينة متوسطية في القرن العشرين”.
خامسا: تفريغ وسط بيروت من أهله
بعد تدمير الأسواق، تمّ تهجير الانسان البيروتي الذي عاش فيها الاف السنين:
1 العائلات البيروتية
2 أصحاب الحرف والتجار
3 العمّال
4 سكان الأحياء القديمة
تحوّلت المنطقة إلى منطقة نخبوية تستهدف الاستثمار العقاري لا الحياة الاجتماعية.
بيروت فقدت قلبها الشعبي، وبات وسطها بارداً، فارغاً، بلا روح.
سادسا: تحويل الذاكرة إلى سلعة
تحوّلت المنطقة من مركز تراثي إلى مشروع تجاري ضخم:
1 أبراج زجاجية
2 ساحات بلا ذاكرة
3 واجهات مصممة للاستهلاك التجاري
4 أسعار عقارات لا يستطيع أي بيروتي تحملها
هذا النموذج يشبه ما وصفه علماء الاجتماع بـ “قتل المدينة التاريخية” أو Urbanicide — أي محو المدينة ككيان اجتماعي وثقافي.
سابعا : النتائج الكارثية على الهوية البيروتية
محو الذاكرة الجمعية:
• اختفت الأماكن التي ارتبطت بنضالات الشعب في بيروت.
• اختفى مركز المدينة الذي شهد أحداث 1958، 1975، وتحوّلات القرن العشرين السياسية والعسكرية.
انهيار التراث العمراني اللبناني:
لم يبقَ من الأسواق القديمة إلا مجسّمات إسمنتية مزيّفة. اسطنبول، القاهرة، تونس، دمشق… كلها حافظت على أسواقها،
أما بيروت فقد خسرتها في لحظة واحدة.
فقدان التاريخ الأثري (3):
طبقات فينيقية ورومانية فريدة دُمّرت أو دُفنت إلى الأبد، وحرمت الأجيال من رؤية تاريخ مدينتهم.
قطع علاقة الشعب بمركزه المدني:
لم يعد وسط بيروت مكاناً للمثقفين والادباء والعلماء والمناضلين ولا للناس العاديين، بل أصبح منطقة مغلقة لا تستقبل إلا رأس المال، واصحاب راس المال والتجار والسماسرة وأصحاب البنوك وتجار الصفقات.
✍️ثامنا: التوصيف القانوني والاخلاقي لما جرى:
يمكن وصف عملية 1992 بأنها:
• جريمة حضارية.
• طمس تراثي متعمّد.
• استبدال ذاكرة بأخرى مصطنعة.
• تهجير جمعي.
• خصخصة آثار وتاريخ مدينة كاملة
هذا النوع من التدمير عادةً يحدث في سياقات الاحتلال الخارجي، لكن ما جرى في بيروت وقع تحت مظلة الدولة اللبنانية نفسها.
إن ما جرى في وسط بيروت بين 1992 و1995 لا يُعد مجرد مشروع عمراني، بل تحويل جذري لروح المدينة.
لقد أُزيلت العديد من الأسواق والشوارع عمرها 2500 سنة، ودُفنت تحت الباطون، وتمت إزالة أي رابط بين الشعب وتاريخه النضالي والاقتصادي والاجتماعي.
في هذه المنطقة من بيروت ولدت العديد من الحركات الشعبية النضالية ومنها المقاومة الوطنية اللبنانية التي لعبت دورا اساسياً بتحرير مدينة بيروت من العدو الصهيوني عام 1982 كما حررت اجزاء أخرى من لبنان.
هذا التاريخ الناصع لابطال بيروت ولبنان دفن تحت الباطون في بيروت. التي كانت تُسمى مدينة المقاومين و “ست الدنيا” و” مدينة الحرفيين “والتجار والادباء والمثقفين والعمال والمهندسين والأطباء ومدينة الثقافة والعلم والفن والادب تحوّلت إلى مشروع عقاري ميت بلا ذاكرة، وفقدت مركزها وتراثها وتاريخها الذي عاش آلاف السنين.
تدمير وطمس آثار بيروت ومحو ذاكرة شعبها وتهجيره وتحويل هذه القلعة الإثارية إلى شركة خاصة تعتبر جريمة العصر.
هذا ما يسميه باحثو التراث والاثار ب “الهندسة السياسية للذاكرة”.

✍️  الدكتور نضال الشرتوني

مهندس طاقة، أستاذ جامعي من لبنان، لديه العديد من الدراسات والأبحاث في اختصاصه وفي المجال الاقتصادي العام.

المراجع

 1🔷️مجلة أشغال عامة – تجربة إعادة إعمار وسط بيروت
تأليف منى خشن – سو ليدير، 2-9-2025
https://publicworksstudio.com/solidier-down-town/

 

2🔷️قانون تأسيس سو ليدير
تأسست عام 1994 حسب قانون رقم 117 / 1991 وتعديل بعض أحكام المرسوم رقم 5 الصادر عام 1977 (إنشاء مجلس الإنماء والإعمار).

 

3🔷️تاريخ مرفأ بيروت منذ الفينيقيين حتى الانفجار
سوسن مهنا، 7 يونيو 2023
https://independentarabia.com

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »