مقالات
أخر الأخبار

لبنان .. ما وراء نزع السلاح .. دولة جديدة أم أزمات أخرى؟

كتبنا عدة مقالات وتحدثنا في مقابلات إعلامية ومنشورات على منصات التواصل، وتتجدد المتابعة كصحفي وباحث سياسي بكل إنسانية. لا شك أن نوايا اللبنانيين تجاه أوطانهم وشعوبهم نبيلة، ولعل لبنان العريق، الأبي بشعبه العزيز، يستحق الكثير، وأقل ما يمكن تقديمه توجيه خطاب من القلب إلى القلب؛ خطاب يختلف عن الخطابات الإعلامية والسياسية التي غالبًا ما تخدم أجندات ومصالح دول لا تعير اهتمامًا لمصالح الشعوب، وتمارس الهيمنة والاستعلاء بعيدًا عن لغة المصالح الدولية المشروعة التي تكفلها الشرائع والمواثيق.

لبنان .. ما وراء نزع السلاح .. دولة جديدة أم أزمات أخرى؟

لبنان.. سلاح المقاومة.. هل عقبة في ظل التحديات الصهيونية؟

📰📰 ✍️ أ. إدريس أحميد – كاتب وباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي

كتبنا عدة مقالات وتحدثنا في مقابلات إعلامية ومنشورات على منصات التواصل، وتتجدد المتابعة كصحفي وباحث سياسي بكل إنسانية. لا شك أن نوايا اللبنانيين تجاه أوطانهم وشعوبهم نبيلة، ولعل لبنان العريق، الأبي بشعبه العزيز، يستحق الكثير، وأقل ما يمكن تقديمه توجيه خطاب من القلب إلى القلب؛ خطاب يختلف عن الخطابات الإعلامية والسياسية التي غالبًا ما تخدم أجندات ومصالح دول لا تعير اهتمامًا لمصالح الشعوب، وتمارس الهيمنة والاستعلاء بعيدًا عن لغة المصالح الدولية المشروعة التي تكفلها الشرائع والمواثيق.

ولعل ما يشهده العالم من صراعات دولية يأكل فيه القوي الضعيف، وتُداس فيه كرامة الشعوب، في سقوط أخلاقي لم تشهده العصور الحجرية ولا حتى الحربان العالميتان.

لبنان والقضية الفلسطينية وجهان لقضية واحدة

فمنذ إعلان قيام إسرائيل عام 1948، أصبح الجنوب اللبناني ملتصقًا جغرافيًا وسياسيًا وأمنيًا بالصراع العربي–الإسرائيلي. لم يكن لبنان بعيدًا عن معارك المنطقة، بل دفع أثمانًا باهظة في الحروب، والتهجير، والعدوان المتكرر. ومن رحم هذه المواجهات نشأت المقاومة اللبنانية، لتتحول لاحقًا إلى قوة إقليمية فرضت على إسرائيل معادلات ردع جديدة.

الحروب التي شهدها لبنان مع الكيان الصهيوني

1. حرب 1948–1949 (النكبة):
لم يخض لبنان حربًا مباشرة، لكنه استقبل عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، ما غيّر تركيبته الديموغرافية، خصوصًا في الجنوب والمخيمات.

2. أحداث 1958:
أزمة داخلية لبنانية متأثرة بالصراع العربي–الإسرائيلي، لكنها لم تكن حربًا مباشرة مع إسرائيل.

3. المواجهات المتفرقة (1968–1982):
تصاعدت الغارات الإسرائيلية على الجنوب بعد انطلاق العمل الفدائي الفلسطيني من لبنان، فتحوّل الجنوب إلى ساحة مواجهة دائمة.

4. غزو 1978 (عملية الليطاني):
اجتاحت إسرائيل الجنوب بهدف ضرب قواعد الفصائل الفلسطينية، وكان ذلك أول احتلال مباشر لمساحات واسعة من الأراضي اللبنانية.

5. الاجتياح الإسرائيلي 1982:
وصلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت، بهدف اقتلاع منظمة التحرير الفلسطينية. ترتب على الغزو الاحتلال الطويل للجنوب، وارتكاب مجازر أبرزها صبرا وشاتيلا، كما شهد ولادة المقاومة اللبنانية المسلحة جنبًا إلى جنب مع الفصائل الفلسطينية.

6. حروب الجنوب (1985–2000):
تواصلت المواجهات بين حزب الله والمقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي، الذي أنشأ “الشريط الحدودي”. هذه الفترة شهدت استنزافًا عسكريًا لـإسرائيل، وانتهت بتحرير الجنوب عام 2000 دون اتفاق أو تنازلات.

7. حرب تموز 2006:
شكّلت مواجهة فاصلة بين حزب الله وإسرائيل، حيث عجزت الأخيرة عن تحقيق أهدافها رغم التدمير الواسع للبنية التحتية اللبنانية. صمدت المقاومة، وأرست معادلة ردع جديدة جعلت أي عدوان إسرائيلي لاحق أكثر كلفة.

المقاومة بين السلاح والدولة

شرعية الدولة اللبنانية لا جدال فيها، لكن معضلة السلاح تظل قضية شائكة. فالمقاومة ترى أن سلاحها ضرورة وجودية في مواجهة إسرائيل، بينما أطراف داخلية وخارجية تعتبره عقبة أمام بناء الدولة. غياب الثقة بين الدولة والمجتمع، والارتهان للخارج، جعل التوصل إلى صيغة متوازنة أمرًا معقدًا.

المطالب الصهيونية – الأمريكية

الدعوات المتكررة لنزع سلاح المقاومة ليست في مصلحة لبنان، بل في مصلحة إسرائيل التي لم تلتزم يومًا بالشرعية الدولية. الولايات المتحدة، المنحازة بالكامل لتل أبيب، ترفع شعار “تقوية الدولة اللبنانية” فيما تفرض عقوبات على شخصيات وكيانات لبنانية، لتجعل خطابها فارغًا من أي مضمون وطني.

هذه الضغوط تتقاطع مع سياسات دول عربية اندفعت نحو التطبيع، ليُستخدم ملف السلاح كأداة ضغط داخلي على اللبنانيين. غير أن التاريخ أثبت أن معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” هي التي تحمي لبنان، وأي خلل فيها لا يخدم إلا المشروع الصهيوني.

التدخلات الخارجية في الداخل اللبناني

الأزمة اللبنانية لا يمكن فصلها عن التدخلات الإقليمية والدولية. كل طرف داخلي وجد له داعمًا خارجيًا:

  • إيران: بدعمها لـحزب الله باعتباره رأس حربة في مواجهة إسرائيل.
  • السعودية: عبر دعم قوى سياسية سنية في إطار الصراع الإقليمي مع إيران.
  • سوريا: لعبت دورًا مباشرًا منذ دخول قواتها إلى لبنان في 1976 وحتى انسحابها عام 2005، معتبرة لبنان جزءًا من أمنها القومي.
  • الولايات المتحدة وفرنسا: بتأثيرهما على سياسات الدولة، ومحاولاتهما تحجيم نفوذ حزب الله.

هذا التشابك جعل لبنان ساحة مفتوحة للصراعات بالوكالة، حيث تتغلب الحسابات الإقليمية على المصلحة الوطنية.

التجاهل العربي وفقدان الدعم الشعبي

في المقابل، الموقف العربي الرسمي ظل متخاذلاً أمام الجرائم الإسرائيلية. لم يتجاوز رد الفعل بيانات الشجب والإدانة، بينما انخرطت بعض الحكومات في التطبيع. هذا الموقف أفقدها الدعم الشعبي، الذي ظل وفيًا للقضية الفلسطينية والمقاومة اللبنانية، باعتبارها السد المنيع أمام الأطماع الصهيونية.

الخاتمة: سلاح المقاومة والمستقبل اللبناني

يبقى السؤال مفتوحًا: هل يشكل سلاح المقاومة ضرورة أمنية وطنية، أم عقبة أمام بناء دولة عصرية؟

الإجابة ليست بسيطة، لكنها تكمن في صياغة مشروع وطني جامع، يوازن بين حماية لبنان من الخطر الإسرائيلي، وتعزيز سلطة الدولة على كامل أراضيها، بعيدًا عن التجاذبات الطائفية والتدخلات الخارجية.

سواء تم نزع سلاح المقاومة أو بقي على حاله، فإن لبنان يواجه مخططًا أكبر يتجاوز حدوده الجغرافية. المشروع الصهيوني–الأمريكي يستهدف إعادة رسم خرائط المنطقة العربية كلها، عبر إضعاف الجيوش الوطنية، تفكيك المجتمعات، وإشعال الفتن الداخلية.

ما يُراد لـلبنان اليوم هو النموذج الذي يمكن أن يُطبق على دول عربية أخرى: تجريد القوى الحقيقية من أدوات قوتها، تحويل السلاح إلى مشكلة داخلية بدل أن يكون أداة دفاع، ثم فرض الهيمنة الاقتصادية والسياسية باسم “السلام” و”الاستقرار”.

لذلك، فإن معركة لبنان اليوم ليست لبنانية فقط، بل هي جزء من صراع أشمل على هوية المنطقة ومصيرها، وما سيقرره اللبنانيون في شأن المقاومة وسلاحها سينعكس بالضرورة على فلسطين وسوريا والعراق وسائر الدول العربية. لبنان، هذا الوطن العريق، بحاجة إلى وحدة حقيقية تُعيد له عافيته، ليبقى قويًا بجيشه وشعبه ومقاومته، في وجه المشروع الصهيوني الذي يستهدف الأرض والإنسان معًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »