خاص pravdatv

زياد الرحباني… حين اختار روسيا وطنًا للفن والكرامة

لم يكن زياد الرحباني مجرد موسيقي أو كاتب مسرحي أو مؤلف ساخر؛ بل كان صوتًا صادحًا في برية الصمت العربي، وفنانًا محاربًا لا يفصل الفن عن المعركة. رجل من طينة الرفض، عَجنته بيروت بالنار والحديد، ونحتته مسارحها ومقاهيها وأحياؤها الحزينة على هيئة تمرد دائم، لا يُساوم ولا يُهادن

زياد الرحباني… حين اختار روسيا وطنًا للفن والكرامة

✍️📰كتب رئيس جمعية الصداقة اللبنانية الروسية – مدير عام منصة Pravda TV الدكتور رياض نجم


لم يكن زياد الرحباني مجرد موسيقي أو كاتب مسرحي أو مؤلف ساخر؛ بل كان صوتًا صادحًا في برية الصمت العربي، وفنانًا محاربًا لا يفصل الفن عن المعركة. رجل من طينة الرفض، عَجنته بيروت بالنار والحديد، ونحتته مسارحها ومقاهيها وأحياؤها الحزينة على هيئة تمرد دائم، لا يُساوم ولا يُهادن.

كان زياد الرحباني أكثر من مجرد فنان لبناني… كان ذاكرة حية لوجع الناس، ولسخريتهم المريرة، ولأحلامهم التي لم تجد وطناً.
لم يرضَ لنفسه أن يكون امتدادًا لسيرة فنية عائلية عظيمة فحسب، بل قرر أن يكسر القالب، ويؤسس هوية فنية وفكرية مستقلة، تنبض بالتمرّد، وتتكلم لغة الناس البسطاء، وتعادي الطغيان والطائفية والاستعمار.

في زمن الانهيارات اللبنانية المتكررة، بقي زياد صوتًا نقيًا، صادقًا، لا يخضع للابتزاز ولا للتطبيع، ولا ينتمي إلا إلى فكره وإحساسه وضميره. كان يساريًا حتى العظم، منحازًا إلى قضايا الطبقات المهمّشة، وكان يرى في العدالة الاجتماعية قيمةً عليا، لا تتحقق إلا عندما تتحرر الأوطان من هيمنة رأس المال والهيمنة الغربية، وفي طليعتها الولايات المتحدة.

من هنا، لم تكن روسيا بالنسبة إليه مجرد ملجأ جغرافي، بل كانت امتدادًا روحيًا وفكريًا. لطالما أحبها، لا من باب الاستشراق أو الحنين، بل لما تمثله من مقاومة للهيمنة، ومن رمزية للثورة، ومن مساحة للفكر والعمل بحرية.

وفي سنواته الأخيرة، اتخذ قراره الكبير بالهجرة إليها، معلنًا أنه سيرحل دون رجعة، وأنه وجد هناك ما لم يجده في بلده: الاحترام، والاستقرار، والوضوح.

قالها في مقابلة تلفزيونية بصدق جارح:
“بدّي فلّ على روسيا، خِلص… قرفت من هون. هونيك الواحد بيعرف شو عم يشتغل، وعندي مشروع مع تلفزيون روسيا اليوم.”
لم يكن غاضبًا فقط… كان موجوعًا.

ولأنّ زياد هو زياد، لم يرحل بهدوء، بل ترك أثرًا في كل خطوة، وخصوصًا في حفلاته التي أقامها في المركز الثقافي الروسي في بيروت، تلك الليالي التي لم تكن مجرد أمسيات موسيقية، بل لحظات وطنية بامتياز، اختلط فيها العزف بالرسالة، والحنين بالغضب، والموسيقى بالموقف.

حملت حفلاته تلك عنوان “59 بزيادة”، ولم يكن يريد زياد أن يكون العمر أطول.
في تلك الليالي، لم يكن زياد ضيفًا، بل كان سيد الخشبة، يُكرَّم كما يليق به، ويحتفي به جمهور من كل جيل وانتماء، وقد أراد لتلك الحفلات أن تكون وداعًا معلنًا، و”بيانًا أخيرًا” قبل أن يغادر بعد عشر سنوات: هو الذي لطالما اعتبر أن المسرح وطنٌ بديل، وحين ضاق به لبنان، قرر حمل وطنه الصغير إلى أرضٍ رأى فيها حرية الفن وعدالة الفكرة.

زياد الرحباني لم يكن فنانًا محليًا. كان عابرًا للطوائف، عابرًا للحدود، عابرًا للزمن.

لقد رحل زياد جسديًا، لكن صوته لا يزال حاضرًا، وموسيقاه لا تزال تطرح السؤال ذاته:
“كيفك إنت؟”
“وبالنسبة لبكرا شو؟”


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »