سهيل فرح من الجزائر: التعارف الإنساني جسر العبور نحو التعايش ونبذ خطاب الكراهية
بدعوة رسمية من رئاسة الجمهورية الجزائرية، ممثّلة بالمجلس الإسلامي الأعلى، وبرعاية من سماحة الشيخ البروفيسور مبارك زيد الخير، رئيس المجلس، حلّ الباحث الدكتور سهيل فرح ضيفاً ومحاضراً رئيسياً في المؤتمر الدولي الذي نظمه المجلس في العاصمة الجزائرية خلال الفترة الممتدة من 21 إلى 23 يونيو 2025، تحت عنوان: "التعارف الإنساني وأثره في إرساء العلاقات وتحقيق التعايش".
سهيل فرح من الجزائر: التعارف الإنساني جسر العبور نحو التعايش ونبذ خطاب الكراهية
بدعوة رسمية من رئاسة الجمهورية الجزائرية، ممثّلة بالمجلس الإسلامي الأعلى، وبرعاية من سماحة الشيخ البروفيسور مبارك زيد الخير، رئيس المجلس، حلّ الباحث الدكتور سهيل فرح ضيفاً ومحاضراً رئيسياً في المؤتمر الدولي الذي نظمه المجلس في العاصمة الجزائرية خلال الفترة الممتدة من 21 إلى 23 يونيو 2025، تحت عنوان: “التعارف الإنساني وأثره في إرساء العلاقات وتحقيق التعايش”.
تعود فكرة المؤتمر إلى مبادرة علمية قادها البروفيسور عبد القادر بوعرفة، أستاذ الفلسفة في جامعة وهران، وصاحب أكثر من أربعة عشر مؤلفاً في الفلسفة والجماليات والدين، والذي أشرف على إعداد المحاور واختيار الشخصيات المشاركة، مستنداً إلى خبرته الطويلة في الحقل الأكاديمي والفكري.
استحضر الدكتور سهيل فرح خلال كلمته ذكريات علاقته العلمية مع بوعرفة، الذي كان أحد طلبته النجباء في مادة الإبستمولوجيا والفكر الغربي في جامعة السانية بوهران أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ليعود ويجده اليوم شخصية ديناميكية، تنسّق هذا الحدث الفكري بروح نشطة تشبه خلية نحل متكاملة.
المؤتمر استقى محاوره من الآية القرآنية الكريمة: “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا…”، وشهد حضوراً متنوعاً من شخصيات أكاديمية ودينية وثقافية من مختلف دول المغرب العربي، أوروبا، وروسيا، حيث التقت أصوات فكرية متعددة تُجسّد أنماط تفكير وسلوك حضارات متنوعة، ما أضفى على النقاشات طابعاً معرفياً وإنسانياً غنياً.
وضمت قائمة المشاركين شخصيات بارزة من تونس، موريتانيا، ليبيا، النيجر، دول الساحل، إضافة إلى مصر، السعودية، الأردن، ولبنان، إلى جانب وفود من دول أوروبية مثل إيطاليا، فرنسا، ألمانيا، وبريطانيا.
وقد مثّل الدكتور سهيل فرح روسيا في هذا المؤتمر، إلى جانب سماحة المفتي الدكتور ضمير محي الدينوف، رئيس المعهد الإسلامي في موسكو، في مشهد جمع العلماء الفقهاء، المتصوفة، الباحثين في فلسفة الحضارات، الأكاديميين في علوم الاجتماع والأنثروبولوجيا، والمهتمين بشؤون الفكر الديني والتعايش الإنساني.
في مداخلته، أكد الدكتور فرح أن مصير البشرية أصبح مشتركاً، فنحن جميعاً نعيش على قشرة أرضية واحدة، في مركبة كوكبية تدور كل 24 ساعة داخل منظومة شمسية واحدة، مبرزاً أن إدراك هذه الحقيقة يتطلب تجاوز الفوارق الظاهرية كاللون واللغة والهوية، لصالح فهم مشترك للإنسان والوجود.
كما شدّد على أهمية إرساء خطاب ديني وفلسفي متوازن، يبتعد عن الغلو والشمولية، ويدعو إلى تعميم القيم الأخلاقية والسلوكيات الإنسانية على مختلف الثقافات، وليس فقط ضمن المجتمعات الإسلامية، معتبراً أن بعض مداخلات المؤتمر افتقرت إلى هذا التوازن، حيث طغى الخطاب الديني الأحادي على حساب الحكمة الفلسفية والمنهج العلمي.
في المقابل، أشاد الدكتور سهيل فرح بأصوات واقعية ومنفتحة، قدّمت رؤى معرفية تستند إلى العقل العلمي وتحذّر من مخاطر التسييس والتطرّف الديني، مؤكداً أهمية خطاب ديني معتدل منفتح على العالم، ينسجم مع القيم الكونية ويواجه الأيديولوجيات الهدّامة.
وعبّر عن تقديره للدور المميز الذي لعبه شيوخ الزوايا والمتصوفة، خاصة أولئك القادمين من موريتانيا، النيجر، تشاد، إلى جانب العلماء الأنثروبولوجيين والفلاسفة من إيطاليا، بريطانيا، وروسيا-لبنان، الذين أثروا النقاش بروح عقلانية وروحانية متناغمة، بعيداً عن التعصب والانغلاق.
كما أثنى على إدارة المؤتمر من قبل سماحة الشيخ البروفيسور مبارك زيد الخير، وعلى الحضور الإيجابي لمفتي العاصمة الجزائرية سماحة الدكتور كمال أبو زيدي، الذي ترك، بدماثة خلقه ونقاء قلبه، انطباعاً طيباً ساهم في تهيئة مناخ إنساني راقٍ للنقاش والتعارف.
ولم يُخفِ الدكتور فرح وجود مشاعر غضب مشروعة لدى بعض المشاركين تجاه مظاهر الهيمنة الغربية، واستمرار خطابات الكراهية والتفرقة، إلا أنه دعا إلى موازنة الانفعال بالعقل النقدي العميق لضمان فعالية الخطاب وتطوير رؤية نقدية للذات وللآخر، بعيداً عن الشعارات الفارغة أو ردود الفعل العاطفية.
وأكد أن التعارف الإنساني الحقيقي لا يتحقق إلا عبر تحرّر العقول من الصور النمطية، وتجاوز تناقضات الذاكرة الجماعية والتاريخية، بإرادة معرفية وروحية مشتركة، تعزّز بناء جسور التواصل، وتُرسّخ القيم الكونية التي تجمع البشر على اختلاف ألوانهم وثقافاتهم.
وفي ختام مشاركته، عبّر الدكتور سهيل فرح عن اعتزازه بتجربة المؤتمر، التي سمحت له بتعميق معرفته بالتنوع الثقافي والفكري المغاربي والأوروبي، واكتساب صداقات جديدة، لا سيما من طلبته السابقين في جامعة وهران، الذين أصبحوا اليوم زملاء وأساتذة وباحثين مرموقين، يساهمون في إثراء المشهد الثقافي الجزائري والعربي.
وختم بتأكيده أن مثل هذه اللقاءات الفكرية والروحية، القائمة على التعارف الحقيقي والانفتاح المتبادل، تشكل حجر الزاوية في بناء حوار حضاري متكامل، يُساهم في التأسيس لمجتمعات أكثر انسجاماً وعدلاً وتسامحاً على مستوى العالم.





