حقيقة القصف الأميركي لإيران..
مما علّمني إياه منهج النقد، أن الخيال عنصر جوهري في التصوّر والبناء، غير أنه ليس خيالًا منفصلًا عن الواقع، بل هو واقعٌ أُضيف إليه، أو رُكِّب عليه، أو نُقص منه. ولهذا، فإن الخيال ضروري لتقدير المواقف الجادّة والمحترمة، لكنّ الغالبية العظمى ممّن يخوضون في الحديث عن الحرب الإيرانية-الإسرائيلية، يعوزهم الخيال وتغلب عليهم الأماني.

حقيقة القصف الأميركي لإيران..
✍️كتب أيوب نصر
مما علّمني إياه منهج النقد، أن الخيال عنصر جوهري في التصوّر والبناء، غير أنه ليس خيالًا منفصلًا عن الواقع، بل هو واقعٌ أُضيف إليه، أو رُكِّب عليه، أو نُقص منه. ولهذا، فإن الخيال ضروري لتقدير المواقف الجادّة والمحترمة، لكنّ الغالبية العظمى ممّن يخوضون في الحديث عن الحرب الإيرانية-الإسرائيلية، يعوزهم الخيال وتغلب عليهم الأماني.
أعلن الرئيس الأميركي، قبل أيام، أنه سيمهل الإيرانيين أسبوعين للقبول بالاتفاق، وإلا فإنه سيدخل الحرب.
لكن، لماذا أسبوعان؟ وهل كانت إسرائيل لتتحمل كل هذه المدة؟
الجواب عن السؤال الثاني أولًا: إسرائيل لا تتحمل ولا تصبر على القصف كل هذه المدة، فهي دولة تقوم على ركيزتين أساسيتين:
أولاهما، الدعاية لنفسها بأنها “المخابرات التي لا تنام” و”الجيش الذي لا يُقهر”، لكن استمرار الحرب يكشف زيف هذه الدعاية؛
وثانيهما، أنها دولة قائمة على الهجرة إليها، واستمرار الحرب وطول أمدها يؤدي إلى الهجرة منها، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض وجودها وزوالها. لذلك، إسرائيل لا تطيق حربًا تمتد لأسبوعين، وهو ما يحيلنا إلى جواب السؤال الأول: ترامب وضع المهلة لأجل الوصول إلى اتفاق.
وهنا يخطر في الذهن سؤال آخر، وأعتذر عن كثرة الأسئلة: ما الذي يجب أن يتضمنه هذا الاتفاق ليكون سببًا في إنهاء الحرب؟
الجواب: يجب أن يتضمّن صيغة تحفظ ماء وجه الطرفين، ولا تخرج أحدهما من الحرب بطريقة مذلّة، ولهذا كانت مهلة الأسبوعين احتياطًا للتفاوض، لا أكثر.
هل توصلت الأطراف إلى اتفاق؟
لستُ أنا من يجيبك، بل يجيبك دونالد ترامب نفسه، لأن في كل كلام شيء من صاحبه، مما ينطوي عليه قلبه ويكنّه فؤاده، وترامب ليس استثناء.
ففي كلامه نقطتان مهمتان:
الأولى، كيف اختتم كلامه حين قال: “الآن هو وقت السلام”.
هذه الجملة تُثير الريبة، وتشير إلى أن قائلها كمن يمسك جمرة يريد أن يتخلص منها بأسرع ما يمكن. وكأنه يقول: “حفظنا ماء وجه إسرائيل، فتعالوا نعلن السلام”. ولكن، هل يوجد منتصر يسعى إلى السلام؟ الأعراف الحربية تقول إن المهزوم هو من يسعى إلى السلام.
ومن حقك أن تسألني: وأين هو حفظ ماء وجه إيران في كل هذا؟
يجيبك عليه ترامب نفسه حين يقول: “المشروع النووي الإيراني انتهى”.
وهذا قول شخصٍ منفصل عن الواقع، وسيوضح لك جنونه الدكتور مأمون فندي، الذي كتب قبل أيام:
” في أصفهان، بيطلعوا حاجة اسمها UF6، ده ببساطة ذرة يورانيوم مربوطة بست ذرات فلور، والناس بتسميه ‘غاز التخصيب’ أو ‘الهكسافلوريد’. أصفهان دي فين؟ في وسط إيران.
بعد كده بينقلوا الغاز ده على مكان اسمه نطنز. ليه؟ لأن عندهم في نطنز أجهزة اسمها طرد مركزي (centrifuges)، والآلات دي بتأكل الغاز ده عشان تفصل ذرات اليورانيوم وتطلع يورانيوم مخصب.
يعني باختصار: الهكسافلوريد هو برسيم الطرد المركزي، لو كان جهاز الطرد المركزي بقرة (بتعبيرات توفيق عكاشة)، عشان يشتغل ويفصل اليورانيوم.
يبقى لحد هنا إسرائيل بتضرب حقول البرسيم في أصفهان، وبعدها البقر في نطنز.
طيب وبعدين؟ بعد ما يخصبوا اليورانيوم في نطنز، بينقلوه لمنشأة اسمها فوردو. دي الخطوة التالتة.
فوردو فين؟ جوه جبل كبير، ما يوصلوها الجن الأزرق. يعني لو إسرائيل أو حتى أمريكا حاولوا يضربوها، فربنا معاهم. صعبة جدًا، لأن فوردو في بطن الجبل وبيحميها الجن.
دلوقتي، سؤال: فين المرحلة اللي بيصنعوا فيها القنبلة النووية؟ده السر الكبير.”
انتهى كلام الدكتور فندي، حفظه الله. وقد نقلته كما خطّه بالعامية، لعلّ الناس تفهم وتعي قبل أن تُطلق ألسنتها. فالألسن ترجمان الخيال إلى كلام.
لكن الدكتور أخفى أمرين:
الأول، ما الذي يوجد في فوردو بالتحديد؟
الثاني، أين المرحلة التي يُصنع فيها السلاح النووي؟
وسأتولى بيان ما لم يُصرَّح به، وقد استأذنت الدكتور فأذن لي.
في فوردو يُحوَّل اليورانيوم المخصّب إلى يورانيوم عالي التخصيب، وهو الصالح للاستخدام العسكري، ما يعني أن فوردو مخصصة لإنتاج المادة النووية العسكرية، لكنها ليست المرحلة الأخيرة. فالمرحلة الرابعة هي حيث يُنقل اليورانيوم عالي التخصيب لتصنيع القنبلة النووية ذاتها.
ترامب لم يقصف هذه المرحلة الأخيرة، أي موقع تصنيع القنبلة النووية، ولهذا فإن ادعاءه بأنه “أنهى المشروع النووي الإيراني” هو محض كذب واستخفاف بالعقول.
وهكذا، تخرج إيران من هذه الجولة محتفظة بمشروعها النووي، ولو بصيغة يجري التفاوض عليها لاحقًا.



