دينيس كوركودينوف في مقابلة خاصة مع “Pravda TV”:روسيا، إيران، إسرائيل: توازن محفوف بالمخاطر في خضم اشتباك إقليمي متفجر
في ظل اشتداد الصراع في الشرق الأوسط، وتحديدًا على جبهة المواجهة بين إيران وإسرائيل، يبرز الموقف الروسي كلاعب دقيق يوازن بين التحالفات والاعتبارات الجيوسياسية.

دينيس كوركودينوف في مقابلة خاصة مع “Pravda TV”:روسيا، إيران، إسرائيل: توازن محفوف بالمخاطر في خضم اشتباك إقليمي متفجر
في ظل اشتداد الصراع في الشرق الأوسط، وتحديدًا على جبهة المواجهة بين إيران وإسرائيل، يبرز الموقف الروسي كلاعب دقيق يوازن بين التحالفات والاعتبارات الجيوسياسية.
فموسكو، التي تربطها علاقات استراتيجية بطهران وتحالفات تاريخية مع تل أبيب، تجد نفسها أمام اختبار معقّد من حيث الحفاظ على الحياد، دون التضحية بمصالحها الحيوية في الإقليم، لا سيما في لحظة دولية مضطربة بفعل الحرب في أوكرانيا، وانحسار الدور الأمريكي التقليدي في المنطقة.
ولفهم أعمق لهذا التوازن، وسبر أغوار الموقف الروسي من التصعيد الجاري، حاورت Pravda TV
مدير مركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي دينيس كوركودينوف، الذي قدّم تحليلًا معمقًا يُسلّط الضوء على رؤية الكرملين الدقيقة تجاه التطورات، وعلى دور روسيا كقوة دولية تحاول ضبط الإيقاع الإقليمي دون أن تنخرط عسكريًا.
فيما يلي النص الكامل للحوار، مصاغًا بصيغة تحليلية دقيقة كما ورد، دون أي اختصار أو حذف، وفق ترتيب محاور منهجي يوضح أبعاد الرؤية الروسية.
توازن دقيق بين طهران وتل أبيب: حذر استراتيجي لا حياد سلبي
يرى كوركودينوف أن الحفاظ على التوازن بين إيران وإسرائيل يمثل لروسيا تحديًا معقدًا يتأثر بعوامل عديدة، مثل البرنامج النووي الإيراني، والنزاعات الإقليمية، وسياسة الحياد الاستراتيجي. فموسكو لا ترغب في التورط بصراع جديد قبل إنهاء النزاع القائم في الفضاء السوفييتي السابق، أي الحرب في أوكرانيا. الدخول في حرب على جبهتين قد يقوض جهود روسيا في تحقيق الاستقرار على جبهتها الغربية.
ويضيف أن موسكو تُدرك أن أي تدخل خارجي في النزاع الإيراني-الإسرائيلي لن يخفف التوتر، بل سيزيده سوءًا، خصوصًا في ظل الدعم الأمريكي (ولو غير المباشر) لتل أبيب، ما يُضفي على الصراع بعدًا دوليًا يزيد من احتمالات الفوضى.
لماذا تجاهلت إيران مقترحات الدفاع الجوي الروسية؟
يوضح كوركودينوف أن الدفاع الجوي الإيراني، رغم الأضرار التي خلفتها الغارات الإسرائيلية، لا يزال من أقوى أنظمة الدفاع في العالم. فإيران تملك قيادة موحدة لإدارة الدفاع الجوي تُعرف بـ”مقر خاتم الأنبياء”، وتضم أنظمة متطورة من روسيا وبيلاروسيا والصين، إضافة إلى صناعة محلية متقدمة. كما تملك طهران ترسانة صاروخية تتراوح ما بين 2000 إلى 3000 صاروخ، بعضها قادر على بلوغ إسرائيل في غضون 12 دقيقة.
ورغم هذه القوة، إلا أن كوركودينوف يرى أن إيران قد تضطر لاحقًا إلى طلب الدعم من شركائها، وعلى رأسهم روسيا. ومع ذلك، لا تسعى طهران حاليًا إلى توريط موسكو في الصراع، مدركة أن روسيا تضع أولويتها العسكرية في أوكرانيا، وتسعى لتجنب إغضاب واشنطن. لكنه لا يستبعد تغير هذا الوضع بعد نهاية الأزمة الأوكرانية.
الوجود الروسي في بوشهر: رسالة ردع غير معلنة؟
يشير كوركودينوف إلى أن استهداف محطة بوشهر النووية سيكون كارثيًا، مشابهًا لكارثة تشيرنوبل. رغم التوتر، فإن الأطراف المعنية تتجنب التصعيد النووي، وتكتفي بضربات محدودة. لكن وجود الخبراء الروس في بوشهر يشكل عامل ردع غير مباشر: أي استهداف قد يقتل مواطنين روس، ما يعطي موسكو ذريعة للتدخل – وإن بشكل غير مباشر – إلى جانب إيران.
بوتين يؤكد سلامة المنشآت النووية الإيرانية: صفعة استخباراتية للغرب؟
بحسب كوركودينوف، فإن البنية التحتية النووية الإيرانية محمية جيدًا تحت الأرض وبإجراءات هندسية معقدة تجعل من استهدافها ضربًا من المستحيل. فإيران أنشأت أيضًا مواقع وهمية مضللة، جعلت من الصعب على إسرائيل والولايات المتحدة تحقيق أهدافهما. لذا فإن تأكيد بوتين على سلامة المنشآت النووية هو بيان واقعي ورسالة تطمين لطهران.
التحذير الروسي من استهداف خامنئي: رسالة واضحة لواشنطن؟
يفصح كوركودينوف عن معلومات لدى الاستخبارات الروسية تفيد بوجود مجموعات تخريبية أمريكية-إسرائيلية داخل مدن إيرانية كبرى هدفها اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. إحدى هذه المحاولات وقعت بالفعل في 13 يونيو، لكن خامنئي نجا بعد مغادرته مقر إقامته قبل الضربة.
ويضيف أن اغتيال خامنئي لن يكون فقط ضربة سياسية، بل دينية خطيرة، كونه المرجع الأعلى للشيعة وذو نسب نبوي. أي محاولة ناجحة لاغتياله ستشعل موجة من التطرف والانتقام في العالم الإسلامي ضد إسرائيل وأمريكا.
إصرار روسيا على إظهار إيران كدولة مستقرة: خطوة تمهيدية لتوسيع النفوذ؟
يؤكد كوركودينوف أن أي تلميح روسي لضعف إيران سيُفسَّر كخيانة ويُفقد موسكو حيادها، ما قد يدفع طهران للرد، وربما حتى عسكريًا. من هنا، تأتي تصريحات روسيا الداعمة لقدرات إيران كوسيلة ذكية للحفاظ على الحياد وضمان شراكات اقتصادية وعسكرية مستقبلية.
الدور الوسيط لروسيا في ظل فراغ القيادة العالمية
يرى كوركودينوف أن موسكو تلعب دور الوسيط المحايد بذكاء، حيث تبقي مسافة متساوية من الطرفين. فتورط الولايات المتحدة في دعم إسرائيل قد يرتد عليها إذا انهزمت تل أبيب، أما موسكو، بفضل حيادها، فستكون الأقدر على التكيّف مع نتائج الصراع.
ويضيف أن خوف الغرب من تعاظم النفوذ الروسي هو السبب وراء تجاهل مبادرات موسكو. فنجاحات روسيا في ملفات كثيرة تفقد الغرب الثقة في قدرته على الهيمنة، وتدفعه لعرقلة أي دور روسي.
بفضل اتصالاتها اليومية مع طهران وتل أبيب، نجحت روسيا في الحفاظ على صورة الطرف المسؤول والمستعد لحماية مصالحه دون استفزاز أحد، وهذا أكسبها احترامًا دوليًا لا يمكن تجاهله.
ويؤكد كوركودينوف أن روسيا تدعم برنامج إيران النووي السلمي بالكامل، وتشارك حتى في بناء منشآت نووية على أراضيها، وهي الأعلم بعدم وجود أي أهداف عسكرية وراء هذا البرنامج.
الموقف الإيراني في ضوء الدعم السياسي الروسي
يقول كوركودينوف إن الالتفاف الشعبي حول القيادة الإيرانية فاجأ الغرب. فقد اعتمدت واشنطن وتل أبيب على معلومات خاطئة من أجهزة استخبارات لم تدرك عمق الوطنية الإيرانية والارتباط الديني بقيادتها.
ويضيف أن الرد الإيراني كان دفاعيًا ولم يكن هجومًا، ولو أراد الإيرانيون، كما قال، لأزالوا إسرائيل في يوم واحد. لكن التماسك الداخلي والدعم الروسي عززا من قدرة طهران على الرد المحدود والواعي.
وبحسب كوركودينوف، لا توجد مؤشرات لدى روسيا على نية إيران لتحويل برنامجها النووي إلى عسكري، وهو ما أكده بوتين صراحة.
وتعتبر موسكو إيران شريكًا استراتيجيًا موثوقًا به، وتكنّ احترامًا كبيرًا للثورة الإسلامية ولقائدها آية الله خامنئي، الذي يحظى باحترام كبير في روسيا.
الصمت العسكري الروسي والاستراتيجية الرمزية
يرى كوركودينوف أن بوتين يدير الوضع بحنكة: لا يرغب في إظهار انحياز واضح لإيران، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يصطدم بالولايات المتحدة أو إسرائيل.
ويشير إلى أن الدعم قد لا يكون علنيًا فقط، بل ربما هناك مساعدات عسكرية غير معلنة، تجنبًا للتصعيد الغربي.
كما يرى أن بوتين يُدرك أن أي قصف لمحطات نووية قد يؤدي لنهاية العالم، ولذلك تُكثف موسكو دعواتها لوقف الحرب.
مستقبل روسيا ودورها في النظام العالمي الجديد
ليست هناك قيادة كاملة بعد، كما يقول كوركودينوف، لكن المؤشرات تُظهر اتجاهًا لتزايد النفوذ الروسي.
ويؤكد أن العالم دخل مرحلة “ما بعد يوم القيامة”، إذ بات التهديد النووي حقيقيًا، وهذا سيُطلق مرحلة جديدة عنوانها: البقاء في عصر ما بعد النووي.
ويرى كوركودينوف أن من الصعب التنبؤ الآن، فالصراع لا يزال مفتوحًا، لكن الدور الروسي سيتشكل بناءً على مخرجاته.
روسيا بين الخطوط الحمراء ومهارة ضبط التوازن
من خلال هذا الحوار، يتضح أن روسيا لا تتحرك في الشرق الأوسط من موقع الحياد البارد، بل من منطلق استراتيجي دقيق يوازن بين المصالح والتهديدات، ويُراعي كل تعقيدات الصراع الإيراني–الإسرائيلي.
كوركودينوف قدّم رؤية تؤكد أن موسكو تُدير سياستها الإقليمية على أساس “الردع الهادئ”، لا التصعيد، وتحاول تأمين نفوذ مستدام دون الانزلاق إلى مواجهات مباشرة.
وبينما يزداد الغموض حول مستقبل المنطقة، تبدو روسيا مستعدة للعب دور الضامن الإقليمي، إن لم يكن القائد البديل، في نظام عالمي يتشكل على وقع القنابل… والدبلوماسية الصامتة.



