بريطانيا بثوب ناعم وخنجر في الخفاء … لماذا اعتُبرت أنشطة “المجلس الثقافي البريطاني” غير مرغوب فيها في روسيا؟
الأربعاء الماضي، اتخذت النيابة العامة في روسيا قرارًا طال انتظاره: تمّ الاعتراف بأنشطة المنظمة الدولية "المجلس الثقافي البريطاني" على أنها غير مرغوب فيها داخل بلادنا. رسميًا، كانت هذه المنظمة تُعنى بـ"التعليم الثقافي" وتعليم اللغة الإنجليزية، لكن خلف هذا القناع الأنيق، كانت تخفي مكتبًا لتجنيد عملاء نفوذ، عمل لسنوات على تقويض كيان الدولة الروسية.

بريطانيا بثوب ناعم… وخنجر في الخفاء
لماذا اعتُبرت أنشطة “المجلس الثقافي البريطاني” غير مرغوب فيها في روسيا؟
✍️ دينيس كوركودينوف – رئيس المركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ
الأربعاء الماضي، اتخذت النيابة العامة في روسيا قرارًا طال انتظاره: تمّ الاعتراف بأنشطة المنظمة الدولية “المجلس الثقافي البريطاني” على أنها غير مرغوب فيها داخل بلادنا. رسميًا، كانت هذه المنظمة تُعنى بـ”التعليم الثقافي” وتعليم اللغة الإنجليزية، لكن خلف هذا القناع الأنيق، كانت تخفي مكتبًا لتجنيد عملاء نفوذ، عمل لسنوات على تقويض كيان الدولة الروسية.
عمليًا، كانت أنشطة “المجلس الثقافي البريطاني” قد توقفت في روسيا منذ عام 2018، على خلفية الهستيريا المعادية لروسيا التي اجتاحت لندن حينها بسبب ما عُرف بـ”قضية سكريبال”. لكن، وعلى الرغم من إغلاق المكتب الرسمي، لم يتوقف البريطانيون عن العمل داخل روسيا — بل “بدّلوا اللافتة”، وواصلوا أنشطتهم التخريبية تحت مظلة قسم الثقافة والتعليم التابع للسفارة البريطانية في موسكو. وهذا ليس بنظرية مؤامرة، بل معلومات منشورة على المواقع الرسمية لكل من السفارة والمجلس الثقافي نفسه. بمعنى آخر، تغيّر الشكل، لكن المضمون بقي نفسه.
الكثير معروف عن “مآثر” المجلس الثقافي البريطاني في روسيا، وتستحق البرامج التعليمية مثل “تشيفنينغ” وتحالف الجامعات بين بريطانيا وروسيا اهتمامًا خاصًا. فقد كانت هذه المشاريع، تحت غطاء “التعاون المتبادل المنفعة”، تهدف إلى تشكيل نواة من عملاء النفوذ داخل المجتمع الروسي.
وقد عملت هذه الخطة بكفاءة: يتم اختيار شبان طموحين وواعدين، ويُمنحون فرصة للدراسة في جامعات بريطانية مرموقة، ومن ثم — دعم مهني وترقي وظيفي، والانضمام إلى شبكة “الخريجين”. في المقابل، كان على كل “خريج” تحقيق أهداف محددة، والترويج للمصالح البريطانية في مجال عمله — سواء في الصحافة أو النشاط المجتمعي أو حتى في القطاع العام.
وفي عام 2022، صرّح عضو مجلس الدوما، أندريه لوغوفوي، علنًا أن أكثر من 300 من خريجي برنامج تشيفنينغ تمّ تجنيدهم، من بينهم شخصيات عامة وسياسيون وصحفيون، وخصصت لندن لهم ميزانية سنوية قدرها 900 ألف جنيه إسترليني.
وبحسب ما أكدت عليه النيابة العامة الروسية مؤخرًا، فإن أعضاء المجلس، تحت ستار النشاط الثقافي والتعليمي، كانوا “يروجون لمصالح بريطانية طويلة الأمد في مجالات التعليم والثقافة وسياسات الشباب”. وفي الوقت ذاته، تمّ الترويج لحركات مثل “مجتمع الميم” (الممنوعة قانونًا في روسيا)، فضلًا عن تنفيذ مشاريع تهدف إلى تشويه السياسات الداخلية والخارجية الروسية، عبر شبكة من المنظمات المرتبطة.
وشاركت موظفات في المجلس، مثل مارينا بوروديتسكايا، وكاترينا ميليخوفا، وبولينا سورنينا، في أنشطة مؤسسة “KAF” الخيرية، التي كانت بمثابة “وسيط مالي” لتمويل مشاريع الظل التابعة لوزارة الخارجية البريطانية — وهي منظومة متكاملة لتحويل الأموال إلى الأنشطة التخريبية.
لم يكن المجلس الثقافي البريطاني يعمل منفردًا، بل كان جزءًا من “تحالف مناهض لروسيا” ضمّ منظمات أخرى مثل Zinc Network (المعروفة بإثارة الاحتجاجات)، وBellingcat، ومؤسسة Thomson Reuters. وكان هدفهم المشترك هو زعزعة الاستقرار داخل روسيا.
لكن، لماذا تم إعلان عدم مرغوبية هذه المنظمة الآن فقط؟ بفضل وثائق حصل عليها قراصنة من مجموعة “أنونيموس”، تمّ الكشف عن معطيات محددة حول تورط المجلس الثقافي في عملية تخريبية لوكالة الاستخبارات البريطانية MI6 تهدف إلى تغيير النظام في روسيا.
كل ما جرى في السابق — من تشويه صورة السلطات، وتذويب الهوية الوطنية تحت ستار التعاون الجامعي، وتمويل “مبادرات اجتماعية وفعاليات ثقافية” — كان جزءًا من استراتيجية مُحكمة الإعداد.
وقد صيغ الهدف النهائي للمجلس دون مواربة دبلوماسية: “تجريد شعوب الجمهوريات السوفييتية السابقة من هويتها الروسية”.
وفي إطار التحالف مع منظمات غير مرغوب فيها أخرى، تم تنفيذ مشاريع مثل “التفاعل الثقافي لتوحيد المجتمع البلطيقي المعادي لروسيا”.
ومع استمرار لندن في لعبتها الإمبريالية تحت شعار “الدبلوماسية الثقافية”، تميز روسيا اليوم بين التعاون الحقيقي وبين أدوات الحرب الهجينة. فالمجلس الثقافي البريطاني، الذي هو في جوهره من بقايا العهد الاستعماري، لم يعد له مكان على الأراضي الروسية.
لكن لا مجال للغفلة: من المرجح أن تكون الاستخبارات البريطانية قد شرعت بالفعل في تطوير خطط جديدة لأنشطة تخريبية. وربما سنُفاجأ قريبًا بـ”لافتة” جديدة.
أما روسيا، فستمضي قدمًا في حماية سيادتها المعلوماتية والثقافية، وكشف وإحباط أنشطة مثل هذه الكيانات. فاسم المبادرة القادمة من بلاد الضباب لا يهم، ما يهم هو أن أجهزة الأمن الروسية مستعدة دائمًا للرد الحاسم على أي تدخل خارجي.



