سوريا واوكرانيا.. هل هناك أوجه شبه بين الحالتين؟
أصبحت كل من أوكرانيا وسوريا تمثلان ساحتين مركزيتين للصراع الدولي، تتقاطع فيهما المصالح الإقليمية والعالمية في ظل التحولات البنيوية الجارية في النظام الدولي، وفاقد البصر أو البصيرة فقط من لا يلاحظها.

سوريا واوكرانيا.. هل هناك أوجه شبه بين الحالتين؟
ماذا تخبرنا الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك
دراسة مقارنة.. خفيفة
✍️كتب الإعلامي سعد خلف – موسكو
تقديم:
أصبحت كل من أوكرانيا وسوريا تمثلان ساحتين مركزيتين للصراع الدولي، تتقاطع فيهما المصالح الإقليمية والعالمية في ظل التحولات البنيوية الجارية في النظام الدولي، وفاقد البصر أو البصيرة فقط من لا يلاحظها.
ورغم تباعد السياقين جغرافياً، فإن هناك تشابها لافتا في منطلقات الصراع وأساليبه، وكذلك في تفاعلات القوى الكبرى داخله.. وهو ما يجعل المقارنة بين الحالتين ضرورية لفهم أعمق للدور الذي تلعبه الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك في إعادة تشكيل موازين القوى.
أولاً: الجغرافيا السياسية- من يملك الأرض يملك القرار؟
اوكرانيا:
تقع أوكرانيا في موقع حيوي يفصل روسيا عن أوروبا الشرقية، وكانت.. ولا تزال، ممراً رئيسياً للغاز الروسي إلى أوروبا، ما يمنحها ثقلا استراتيجيا كبيراً. هذا الموقع الجغرافي جعلها مسرحا لصراع طويل بين مشاريع الانضمام إلى الغرب، وأقصد الناتو أو الاتحاد الأوروبي، وبين محاولات روسيا لإعادتها إلى دائرة النفوذ السوفيتي السابق.
سوريا/اسرائيل- الجولان نموذجاً:
تحتل إسرائيل هضبة الجولان السورية منذ عام 1967، وهي عبارة عن منطقة مرتفعة توفر ميزة عسكرية واستراتيجية هائلة، كونها تطل على شمال إسرائيل وجنوب سوريا، وتكشف كل هذه الأراضي من الجهتين، لذلك السيطرة على الجولان تمثل بعداً جغرافياً عسكرياً يحسم معادلات الردع، فضلا عن ذلك تعكس حدوداً مفروضة بحكم السلاح.. لا بحكم القانون الدولي.
ثانياً: الجيوبوليتيك- صراعات النفوذ والتدخلات الخارجية
اوكرانيا:
تعتبر الأزمة الأوكرانية أبرز تجليات الصراع الجيوبوليتيكي المعاصر، فهي تمثل محاولة روسية لعرقلة تمدد الناتو شرقاً نحو حودوها وداخل مجال نفوذها الحيوي، في مقابل مساع غربية حثيثة ممتدة لأكثر من ربع قرن لتكريس النفوذ داخل الفضاء السوفيتي السابق.
ومنذ 2014، لحظة ضم القرم، ثم 2022 وإطلاق بوتين العملية العسكرية الواسعة، أصبحت أوكرانيا خط تماس مباشر بين روسيا والغرب.. وهذا وضع بالغ الخطورة للأمن العالمي ككل.
سوريا/إسرائيل:
تمثل سوريا حلقة مركزية في صراع جيوبوليتكي أوسع يشمل إيران وروسيا من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. إسرائيل توظف النزاع السورع الداخلي (الحرب الأهلية التي لم تنته بعد كما يظهر من التطورات الأخيرة في مناطق الساحل حيث الأغلبية العلوية، والدروز في الجنوب) لتوسيع هامشها الأمني وتصفية التهديدات الإيرانية تماماً، والتركية المحتملة، عبر ضربات جوية دقيقة. في المقابل، تواجه روسيا الآن في سوريا صعوبات لم تكن تحسب لها حساب! بعدما كانت تستفيد بقوة من سوريا الأسد لتعزيز وجودها في شرق المتوسط، بينما يبدو أن خسارة إيران أفدح، والتي كانت تتخذ من سوريا قاعدة أمامية في المعركة التي كانت تخوضها على النفوذ الإقليمي الممتد من دمشق إلى بيروت.
والاستنتاج:
تبرز المقارنة بين الحالتين الأوكرانية والسورية-الإسرائيلية أن الجغرافيا وحدها لا تخلق الصراع، لكنها توفر شروطا موضوعية لنشؤ التنافس الدولي. وفي كلتا الحالتين، استخدمت القوى الإقليمية والدولية، طبعا، الأدوات الجيوبوليتيكية لتعزيز نفوذها أو حماية مصالحها، ما أدى إلى حروب طويلة ومكلفة.
لكن الفارق الجوهري، في رأيي، يكمن في طبيعة الدعم الدولي.. واتساع رقعة الصراع: ففي حين أن أوكرانيا أصبحت بالفعل ساحة مواجهة دولية مباشرة تهدد بخطر جدي الأمن العالمي بالكامل.. يظل الصراع السوري- الإسرائيلي محصوراً في الإقليم، لكنه لا يقل أهميه في ميزان القوى العالمي.



