قصف اميركي لنيجيريا: حماية للمسيحيين أم صناعة نبوءة خطيرة؟
كتب ✍️ 🧾 إدريس آيات- قسم العلوم السياسية- جامعة الكويت
– أو ما بعد الضربة: هنا كيف ستعيد داعش تشكيل العنف في نيجيريا، تحت ذرائع محاربة ” الصليبيين الجُدد”!
في عشيّة عيد الميلاد، أعلن ترامب أنّ وزارة الدفاع الأميركية نفّذت غارات جوية في شمال غرب نيجيريا.
مرّ الإعلان سريعًا في الفضاء الإعلامي، وأُدرج ضمن سياق أوسع عن العنف وداعش في نيجيريا، دون توقف يُذكر عند تفاصيل المشهد النيجيري نفسه.
لكن هنالك حدثٌ مهم، أودّ أن نقف عنده. قبل هذا الهجوم بيوم واحد، وقع تفجير داخل مسجد في مدينة مايدوغوري؛ Maiduguri شمال شرقي نيجيريا، أثناء وقت الصلاة، وأدّى إلى سقوط عدد من المصلّين. المنطقة معروفة بنشاط جماعات مسلّحة، في مقدّمتها داعش أو ” الدولة الإسلامية ولاية غرب أفريقيا” Islamic State West Africa Province، إلى جانب فصائل من بوكو حرام.
رغم ذلك، لم يحظَ الهجوم باهتمام دولي يُذكر، لا على مستوى الإدانة، ولا في توصيف الضحايا، ولا حتى في التعامل الإعلامي مع الحدث بوصفه اعتداءً على مصلّين داخل مكان عبادة. هذا التجاهل لا يمكن فصله عن الطريقة التي تُقدَّم بها نيجيريا في الخطاب الإعلامي الغربي خلال الأشهر الماضية، حيث يهيمن سرد واحد عن العنف الإسلامي الذي يستهدف المسيحيين، ويُعاد إنتاجه بعناوين جاهزة، ويُقدَّم بوصفه الإطار التفسيري الوحيد لما يجري في البلاد.
تجلّت هذه الإشكالية بوضوح في صياغة بعض العناوين الإعلامية الأمريكية. فقد اختارت قنوات، من بينها Channels Television، عنوانًا يشير إلى “انفجار هزّ مايدوغوري عشية عيد الميلاد”، دون ذكر المسجد، ودون الإشارة إلى المصلّين، ودون تحديد انتمائهم الديني. التوقيت جرى تقديمه بوصفه العنصر الأبرز، بينما غابت طبيعة المكان، وغاب الضحايا أنفسهم
بينما في المقابل، أوضحت قنوات الجزيرة وغيرها تقارير أخرى أنّ الهجوم استهدف مسجدًا معروفًا في المدينة، ونُفّذ أثناء الصلاة، وكان موجّهًا ضد مصلّين مسلمين ومات العشرات، وأصيب العديدون. هذا الفارق في الصياغة له مغزى أكثر من لغوي، فهو دلالي أساسًا. فحين تمحي القنوات الأمريكية المكان (المسجد)، وتُختزل الحادثة في “انفجار”، ويُستدعى عيدٌ لا علاقة له بالضحايا، يتغيّر معنى الحدث في وعي المتلقّي.
هنا تبرز المشكلة الحقيقية. ما الذي يربط هجومًا إرهابيًا على مسجد بعيد الميلاد المسيحي؟ أي منطق يبرّر هذا الربط، إن لم يكن القصد منه إعادة إدراج الحدث داخل سردية جاهزة، تُسيّس العنف، وتؤدلج الضحايا، وتتعامل مع الأرواح الأفريقية بوصفها مادة خطابية قابلة للتوظيف؟ حين يُمحى المسجد من العنوان، ويُستبدل بتوقيت ديني لا علاقة له بالضحايا، يصبح التضليل فعلًا واعيًا، كعادة الصحافة الأمريكية.
▪️ ما الذي يزعجني أنا بالتحديد؟
على المستوى الشخصي، لا أجد حرجًا في القول إنّ التخلّص من الجماعات الإرهابية الداعشية التي تفجّر المصلّين في المساجد، وتقتل الأبرياء في الكنائس، هو مصلحة إنسانية قبل أن يكون خيارًا سياسيًا. هؤلاء لا يمثّلون دينًا، ولا قضية، ولا مظلومية. وإذا كان ترامب جادًا في خطابه عن مواجهة إرهابهم، فلا معنى لأي انتقائية في هذا المجال.
ضحايا تنظيمات مثل داعش والقاعدة، مسلمين كانوا أم مسيحيين، ينتمون إلى الفئة نفسها في وجهة نظري؛ مدنيون قُتلوا بلا سبب.
غير أنّ ما يلفت الانتباه ليس إعلان محاربة الإرهاب، بل حدود هذه المحاربة واتجاهها. فإذا كان الخطاب الأميركي يركّز على “حماية المسيحيين”، فمن المنطقي أن يبدأ حيث يتعرّض هؤلاء لقتلٍ واسع ومنهجي. إذْ تنشّط في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، عبر ما يُعرف بتنظيم الدولة ” ولاية وسط أفريقيا”، وقد سقط هناك مئات المدنيين المسيحيين خلال السنوات الأخيرة. يتكرّر الأمر نفسه في شمال دولة موزمبيق، في مناطق وُصفت إعلاميًا بـ«حزام المسيحيين»، حيث نفّذت الجماعة نفسها عمليات قتل وتهجير واسعة.
ومع ذلك، لا يظهر هذا الحضور في أولويات الخطاب السياسي الأميركي للرئيس دونالد ترامب. لأنّ الكونغو، التي خضعت خلال الفترة الأخيرة لتفاهمات دولية هشّة مع رواند برعاية أمريكية ترامبية، أصبحت مفتوحة أمام ترتيبات اقتصادية وأمنية تضمن الوصول إلى ثرواتها الباطنية من الكوبالت والكولتان.
وموزمبيق، الغنية بالغاز الطبيعي والأحجار الكريمة، تشهد استثمارات لشركات أميركية وفرنسية، من بينها TotalEnergies وشركات أسترالية. في هذا السياق، يتراجع الإنسان المسيحي أمام الحسابات، ويصبح القتل تفصيلًا يمكن تجاوزه.
يمكن تبسيط الصورة أكثر. نعم، هناك مسيحيون سقطوا ضحايا للإرهاب، وهذا أمر واقع ومؤلم. لكنّ الأرقام تُظهر أنّ الضحايا المسلمين هم الأكثر، وبفارق كبير.
ولو كان الدافع إنسانيًا خالصًا، لَكان من الطبيعي توفير حماية متساوية، وسياسات لجوء عادلة، للنازحين من هذا العنف، بدل انتقاء فئات بعينها. المفارقة أنّ الإدارة الأميركية أبدت تعاطفًا واسعًا مع جماعات بيضاء في جنوب أفريقيا رغم غياب أي اضطهاد منهجي موثّق بحقّهم، في حين ظلّ ضحايا الإرهاب “المسيحيون” خارج هذا الاهتمام.
هنا يصبح السؤال مختلفًا: لماذا نيجيريا تحديدًا؟ ولماذا الآن؟ الإجابة لا تتعلّق بحماية جماعة دينية بقدر ما تتعلّق بالصورة العامة. ترامب، في جوهره، رجل سرديات.
خبرته جاءت من عالم تلفزيون الواقع والكازينوهات، حيث تُبنى الصورة، ويُعاد تلميعها باستمرار، ويُقدَّم كل فعل ضمن قصة جذّابة لجمهور محدّد. السياسة بالنسبة له، في هذا الإطار، تتحوّل إلى امتداد لهذه المهارة، حتى وإن كان ثمنها توظيف مآسي حقيقية للمسيحيين الأفارقة، أو إدراج أرواح أبرياء ضمن مشهدٍ دعائي يخدم القاعدة الانتخابية أكثر مما يخدم العدالة أو الأمن. ولا ينجب أن ننسى حسابات النفط والغاز النيجيري، وصداقاتها الجديدة مع الصين والتي تزعج واشنطن.
فترامب الذي يفتح الطريق لشرطته بقتل السود المسيحيين في بلده أمريكا، لن يكون أكثر رحمةً تجاه السود المسيحيين الأفارقة الذين ما فتئ يهاجم بلدانهم وقادتها في كل فرصة سانحة.
▪️ لكن هنالك ما هو أكثر قلقًا:
ما يثير القلق أكثر من كل ما سبق، أنّ الضربة الأميركية لم تُوجَّه أصلًا إلى مناطق نشاط تنظيم داعش في نيجيريا. المعروف أمنيًا أنّه ينشط أساسًا في الشمال الشرقي للبلاد، في محيط بحيرة تشاد وولاية بورنو.
أمّا الغارات التي أُعلن عنها فقد استهدفت الشمال الغربي، وهي منطقة مختلفة في طبيعة التهديد، وتنتشر فيها ظواهر أخرى، أبرزها عصابات الجريمة المنظمة واللصوصية المسلحة، وفي مقدّمتها جماعة تُعرف باسم Lakurawa، خصوصًا في ولايات سوكوتو، زامفارا، كيبي، وكاتسينا.
يضع هذا التناقض الجغرافي والأمني -في رأيي- الرواية الرسمية النيجيرية موضع تساؤل. فحديث الحكومة الفدرالية عن تنسيق كامل مع الضربة لا يبدو مقنعًا، لأنّ التنسيق الحقيقي يفترض دقّة في تحديد الأهداف. من الصعب تصوّر أن تُخلط نيجيريا، في بلدها، بين مناطق داعش ومناطق جماعات إجرامية محلية تختلف عنها تنظيمًا وسلوكًا وامتدادًا. ما يرجّح أكثر أنّ الأمر اقتصر على إبلاغ مسبق بالضربة، لا على تخطيط مشترك. ويعزّز هذا الانطباع أنّ البيان النيجيري اكتفى بالإشارة إلى العلم بالعملية وبطلبها، من دون أن يذكر صراحة أنّها استهدفت تنظيم داعش في نيجيريا، بينما كلّ البيانات الأمريكية تؤكد ضربها لداعش، وفقط داعش.
هنا يفرض السؤال نفسه: ما الذي يفسّر قصف نيجيريا، إذا كان الهدف المعلن هو حماية المسيحيين من إرهاب داعش؟ أعيد تكرار ما ذكرته، سالفاً، فالجواب لا يحتاج إلى كثير تعقيد. المسألة، في جوهرها، مرتبطة بالداخل الأميركي أكثر من ارتباطها بالواقع النيجيري.
يخاطب جمهورًا محدّدًا، من الإنجيليين واليمين المتطرّف، ويحرص على تقديم نفسه بوصفه رئيسًا حاسمًا، قادرًا على التدخّل في أي مكان، وحاملًا لسردية “حماية المسيحيين المضطهدين” حتى في أكثر بقاع العالم بُعدًا وفي أدغال أفريقيا.
واختيار ليلة عيد الميلاد المسيحي كان جزءًا من بناء صورة رمزية موجّهة للرأي العام الأميركي. بهذا المعنى، تتحوّل الضربة إلى فعل دعائي قبل أن تكون خطوة أمنية مدروسة.
▪️ الجانب الأخطر، تداعيات الضربة العسكرية الأميركية لنيجيريا؛
ما ارتأيته أنّ تداعيات الضربة، على المستوى الجيوسياسي، ثقيلة الوطأة وخطيرة المآلات. وإذا قدرنا وتجاوزنا البعد العنصري الكامن في تجاهل ضحايا الإرهاب من الأطفال والفتيات الصغيرات والنساء المسلمات، فقط لأنّ انتماءهم الديني لا يدخل ضمن دوائر التعاطف السائدة لدى جمهور ترامب الإنجيلي، وإذا جرى تجاوز الانحدار الأخلاقي في بعض التصريحات التي تحمل قابلية واضحة لتأجيج صراعٍ طائفي داخل مجتمع كان، إلى وقت قريب، ينظر إلى الإرهاب بوصفه خطرًا عامًا لا يميّز بين مسلم ومسيحي، فإنّ ما يتبدّى اليوم هو تحوّل مقلق في المزاج الاجتماعي؛ تحوّل بدأ فيه المسلم يتوجّس من المسيحي، ويبدأ فيه المسيحي بدوره في النظر إلى المسلم بعين الريبة.
هذا التحوّل لم يكن حتميًا. كان في وسع ترامب، لو أراد معالجة الخطر فعليًا، أن يوجّه ضرباته إلى تنظيمات داعش والقاعدة في نيجيريا ضمن تنسيقٍ أمني هادئ وخفّي، وأن يوفّر الموارد اللازمة لحليفته النيجيرية بعيدًا عن الاستعراض الهوليوودي، ودون بيانات وتصريحات تُحمَّل بدلالات دينية وسياسية.
غير أنّ اختيار العلن، والإصرار على الخطاب، وكل ما رافقه من توصيفات، فتح المجال أمام تفكّك داخلي، ودفع بالبلاد نحو قراءات طائفية ومناطقية لم تكن جزءًا من المشهد بهذه الحِدّة.
وحتى لو افترضنا جدلًا القدرة على تجاوز هذه الطبقة من التداعيات العنصرية والأخلاقية كما ذكرت آنفًا، يظلّ ما يثير القلق أكثر متعلّقًا بطبيعة التدخّل نفسه.
فإذا كان الهدف المعلن هو حماية ما يُسمّى «الضحايا المسيحيين»، فإنّ ذلك لا يتحقّق بضربة أو اثنتين، ولا حتى بسلسلة ضربات متقطّعة يعقبها انسحاب.
تفترض المعالجة، في هذا السياق، انخراطًا جادًا وممتدًا في مواجهة تنظيم داعش في نيجيريا، وصولًا إلى تفكيكه أو تحييد قياداته الأساسية. دون ذلك، يصبح التدخّل عاملَ خطرٍ إضافي، لا عنصرَ حماية.
حيث تُظهر التجربة مع هذه التنظيمات بوضوح أنّ الضربات الخارجية غير القاضية لا تُضعفها على المدى المتوسط، بل تمنحها قدرة أكبر على إعادة تنظيم صفوفها، وتوسيع دائرة التجنيد داخل البيئات القبلية والاجتماعية التي تتحرّك فيها. في مثل هذه الحالات، تُسوّق هذه الجماعات نفسها بوصفها في مواجهة «حرب خارجية أو حملة صليبية» ذات طابع ديني، وتُعيد تأطير الصراع على أنّه استهداف للمسلمين، وهو خطاب يجد قابلية للانتشار، ثم يتحوّل تدريجيًا إلى استهداف فعلي للمسيحيين، هذه المرّة بوصفهم جزءًا من سردية الصراع.
بهذا المسار، يتخذ العنف طابعًا دينيًا صريحًا، لم تكن المؤشرات الرقمية السابقة تدلّ عليه بهذا الشكل. عندها تتحقّق ما يُعرف بـ«النبوءة ذاتية التحقيق»، لا بوصفها توصيفًا نظريًا، بل كواقعٍ ميداني تُنتجه السياسات والخطابات معًا، وبصورة سلبية هذه المرّة.
في أفضل السيناريوهات، قد تنزلق البلاد إلى صراعٍ عقائدي داخل مجتمع كان، رغم قسوة الإرهاب، يحاول التعايش معه والتكاتف في مواجهته. وفي أسوأها، يُفتح الباب أمام تصوّرات انفصالية، دولة للمسيحيين وأخرى للمسلمين، بما يحوّل نيجيريا من دولة تعاني هشاشة أمنية بسبب الإرهاب إلى كيانٍ مهدَّد في بنيته واستقراره، ومن أزمة أمنية قابلة للاحتواء إلى انهيار أمني شامل.
✍️
📌 أبرز نقاط المقال 📌
📌 ترامب أعلن غارات جوية في شمال غرب نيجيريا عشية عيد الميلاد، مستهدفًا تنظيم داعش.
📌 الهجوم وقع بعيدًا عن مناطق نشاط داعش الحقيقية في الشمال الشرقي، حيث تتركز ولاية بورنو وبحيرة تشاد.
📌 تفجير مسجد مايدوغوري قبل يوم من الغارات لم يحظَ بتغطية دولية كافية، بينما غالبًا ما يركز الإعلام الغربي على الضحايا المسيحيين.
📌 الخطاب الأمريكي ركّز على “حماية المسيحيين”، بينما الأرقام تظهر أن غالبية الضحايا هم مسلمون.
📌 الضربات الخارجية غير القاضية تمنح داعش فرصة لإعادة التنظيم والتجنيد، وتحوّل الصراع لاحقًا إلى طابع ديني.
📌 التدخل الأمريكي يخاطب الداخل السياسي الأمريكي والقاعدة الانتخابية لترامب أكثر من أنه يخدم الواقع النيجيري.
📌 التداعيات قد تؤدي إلى توتر طائفي داخلي، وربما تصوّرات انفصالية داخل نيجيريا، مما يهدد الاستقرار القومي.
📌 أمثلة مشابهة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق تظهر انتقائية التدخل الأمريكي بحسب مصالح اقتصادية واستثمارية.
✍️ الكاتب: إدريس آيات – قسم العلوم السياسية – جامعة الكويت