فورين أفيرز :بين إيران وروسيا كيف تستطيع أميركا أن تباعد بين اثنين من خصومها الرئيسيين

فورين أفيرز :بين إيران وروسيا كيف تستطيع أميركا أن تباعد بين اثنين من خصومها الرئيسيين
منذ سقوط النظام السوري في الثامن من شهر ديسمبر/كانون الأول الحالي، برز اندفاع تركي واسع النطاق تجاه دمشق. وسجلت زيارات متلاحقة لكبار المسؤولين الأتراك، وسط تصريحات تؤكد دعم أنقرة الكامل للسلطة الجديدة في سورية أقرب ما تكون إلى تبنيها ورغبتها في أن يكون لها دور مؤثر في تشكيل العديد من هيئات السلطة الجديدة. وكان رئيس جهاز المخابرات التركي إبراهيم قالن أول الواصلين إلى دمشق، ثم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. كما أعلن فيدان في 14 من الشهر الحالي، استئناف العمل في سفارة بلاده في دمشق بعد توقف استمر نحو 12 عاماً. وسبقت زيارة قالن وفيدان دمشق وصول وزراء خارجية عرب في تأكيد على النفوذ الكبير الذي باتت تتمتع به أنقرة في سورية.
لكن وعلى الرغم من أن تركيا وقفت إلى جانب السوريين في ثورتهم منذ العام 2011، فإن ذلك لا يلغي وجود قلق لدى قطاع واسع من السوريين من اتساع النفوذ التركي في بلادهم على حساب المصالح السورية. كذلك هناك قلق عربي من توسع نفوذ تركيا في سورية بشكل يتخطى ذلك العربي، بما يؤثر على مصالحهم.
ونقلت وكالة بلومبيرغ للأنباء الثلاثاء الماضي عن وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، قوله إن بلاده تعتزم بدء مفاوضات مع سورية لترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط، معتبراً أن مثل هذه الصفقة ستسمح للبلدين “بزيادة منطقة نفوذهما” في استكشاف الطاقة. وأوضح أن أي اتفاق في المستقبل سيكون متوافقاً مع القانون الدولي.
وعارضت اليونان، في بيان أصدرته في 15 الشهر الحالي، اعتزام تركيا إبرام اتفاق بحري مع سورية، ووصفت الحكومة السورية بأنها “سلطة انتقالية” غير قادرة على توقيع اتفاقيات صحيحة من الناحية القانونية، بحسب ما أوردته صحيفة “إيكاتيميريني” اليونانية. وقالت مصادر دبلوماسية يونانية للصحيفة، إن “الوضع في سورية انتقالي، ولا يضفي الشرعية على مثل هذه الاتفاقيات”، مضيفة: “نراقب التطورات عن كثب، وإننا على اتصال دائم مع قبرص والدول المجاورة والاتحاد الأوروبي”. وحذر مسؤولون يونانيون، بحسب وكالة أسوشييتد برس، من أن الاتفاق قد يقوض الحقوق السيادية لبلادهم، ويشكل سابقة تتحدى الحقوق البحرية لجزر مثل كريت وقبرص. يشار إلى أن اتفاقاً بحرياً تم توقيعه بين تركيا وليبيا في العام 2019، كان قد أدى إلى تصعيد التوترات بين تركيا واليونان، بشأن استكشاف الطاقة في البحر المتوسط.
رأى الباحث السياسي أحمد القربي أن كل الدول في العالم تسعى لمد نفوذها “سواء بالقوة الخشنة أو الناعمة”، مضيفاً أن الوجود التركي العسكري في سورية مؤقت، ومن ثم ستعتمد أنقرة على القوة الناعمة في ترسيخ نفوذها، وأعتقد أنه سيكون لتركيا دور كبير في إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية في سورية وتسليحها، وخاصة أن انقرة لعبت دوراً كبيراً في إسقاط نظام الأسد”.
في المقابل، تبرز مخاوف لدى قطاع واسع من السوريين من اتساع نطاق النفوذ التركي في بلادهم، وخاصة أن أنقرة بدأت سريعاً الحديث عن ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، ما يعزز المخاوف من محاولات الأتراك ترسيخ نفوذهم على حساب المصالح السورية. ورأى المحلل السياسي مضر الدبس أنه “من المبكر جداً الحديث عن أي نوع من ترسيم الحدود”، مشيراً إلى أن “هذا الأمر يتعلق بالقرار السيادي الذي لم يتبلور في سورية”، مستغرباً الحديث التركي عن هذا الموضوع في الوقت الراهن. وقال: المسألة السياسية السورية، مصلحة استراتيجية لدول الجوار جميعها، وبهذا المعنى يتوقع السوريون من الأصدقاء، الذين لديهم مصلحة استراتيجية في بناء الدولة السورية الجديدة، أن يتيحوا لهم الوقت الكافي لإعادة بناء هذه السيادة، ومن ثم التفكير فعلاً في العلاقات التي تخدم المنطقة وشعوبها بمن فيهم الأتراك.
(في الوقت الحالي، تميل واشنطن إلى وضع إيران وروسيا في سلة واحدة، ومعاملتهما باعتبارهما يمثلان محوراً يهدد المصالح الأميركية. ولكن نظراً للاختلافات العديدة بين البلدين، فيتعين على المسؤولين الأميركيين أن يعاملوهما كأصحاب مصالح مشتركة وهذا يعني أن واشنطن بدلاً من وضعهما في سلة واحدة، لابد أن تبحث بصبر عن السبل الكفيلة بإبعادهما عن بعضهما البعض.
يتعين على الولايات المتحدة أن تسلط الضوء على الطرق التي تتعارض بها مصالح البلدين. على سبيل المثال، ينبغي للحملات الإعلامية أن تكشف عن الكيفية التي تدعم بها روسيا أولويات السعودية والإمارات في الشرق الأوسط على حساب أولويات إيران. ويتعين على الغرب أيضاً أن يسلط الضوء على العلاقات الدائمة بين روسيا وإسرائيل. وفي بعض الحالات، يستطيع الغرب أن يستغل هذه الحقائق من خلال رفع السرية عن المعلومات التي تكشف عن هذه التوترات.
التعامل مع البلدين كوحدة واحدة لا يكفي للحد من قوتهما المشتركة. يجب على واشنطن أن تحرضهما ضد بعضهما البعض بأفضل ما في وسعها. لقرون من الزمان، كانت علاقتهما متوترة، ولسبب وجيه يجب أن تكون الاستراتيجية الأمريكية هي المساعدة في زيادة هذه التوترات، وليس تجاوزها).
فورين أفيرز، مقال: الشراكة الهشة بين إيران وروسيا: كيف تستطيع أميركا أن تباعد بين اثنين من خصومها الرئيسيين



