تشريح “يوم الحساب” في الدوحة: كيف هزّت الضربة الإسرائيلية خريطة الشرق الأوسط
نادراً ما يحدث أن توحد تل أبيب جميع الأطراف — من طهران إلى واشنطن — ضد نفسها. ففي 9 سبتمبر 2025، ومع تنفيذ هجوم على هدف مدني في عاصمة قطر، توقع الإسرائيليون رد فعل إيجابي من المجتمع الدولي، إلا أن هذا الهجوم أثار الغضب والاستياء، مما رسخ لدى إسرائيل صورة "الشاب المتشاجر".

تشريح “يوم الحساب” في الدوحة: كيف هزّت الضربة الإسرائيلية خريطة الشرق الأوسط
✍️📰 الكاتب: دينيس كوركودينوف، المدير العام للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ “DIIPETES”
خاص pravda tv
🔹 نادراً ما يحدث أن توحد تل أبيب جميع الأطراف — من طهران إلى واشنطن — ضد نفسها. ففي 9 سبتمبر 2025، ومع تنفيذ هجوم على هدف مدني في عاصمة قطر، توقع الإسرائيليون رد فعل إيجابي من المجتمع الدولي، إلا أن هذا الهجوم أثار الغضب والاستياء، مما رسخ لدى إسرائيل صورة “الشاب المتشاجر”.
🔹 قرر رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، قلب رقعة الشطرنج مع جميع القطع، من خلال تنفيذ واحدة من أكثر العمليات جرأة في التاريخ الحديث للمنطقة. فقد أصبح الهجوم على الهدف المدني في العاصمة القطرية الدوحة، والذي أُطلق عليه اسم «قمة النار»عربيا و”يوم الحساب” اسرائيليا ، ليس مجرد انتهاك صارخ للقانون الدولي، بل خطأ استراتيجي ستظل تداعياته محسوسة لعقود طويلة.
🔹 تم تنفيذ العملية بدقة وإتقان مميزين، كما هو معتاد في العمليات الإسرائيلية. وفقاً لتقارير وسائل الإعلام الإسرائيلية، شاركت فيها نحو 15 طائرة تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، قطعت مسافة نحو 1800 كيلومتر من الأراضي الإسرائيلية إلى قطر، مستخدمة أكثر من 10 ذخائر دقيقة على مبنى واحد في الدوحة. وكان الهدف هو القيادة العليا لحركة “حماس”، التي كانت تتواجد حينها في مبنى سكني في الحي الدبلوماسي للعاصمة القطرية.
🔹 وكما أعلن لاحقاً بفخر مكتب نتنياهو، كانت العملية “مبادرة إسرائيلية بالكامل”، خطط لها ونفذها الإسرائيليون، وتتحمل إسرائيل كامل المسؤولية عنها. وتُظهر الصور المنشورة نتنياهو في مركز القيادة محاطاً بوزير الدفاع الإسرائيلي إسرايل كاتس ورئيس الاستخبارات العسكرية شلومو بيندر — لقطة مثالية للحملة الانتخابية، لكنها ليست للديبلوماسية الدولية.
النتائج العملية
🔹 وفقاً لتصريحات حركة “حماس”، لم يُصب أي من القيادة العليا للحركة، بما في ذلك خليل الحية وخالد مشعل. إلا أن الحركة أكدت مقتل خمسة من أعضائها: جهاد اللبادة (مدير مكتب خليل الحية)، حمام الحية (ابن خليل الحية)، عبدالله عبد الوهاب، مؤمن حسونة، وأحمد المملوك.
🔹 ولكن “المفاجأة” الحقيقية لإسرائيل كانت مقتل عريف من قوات الأمن القطرية، بدر سعد محمد الحميدي الدوسري، الذي كان يؤدي مهامه في منطقة الهجوم. لقد حوّل موته العملية من تصفية مستهدفة لإرهابيين إلى حادث يشمل دولة ثالثة، وهي حليف وثيق للولايات المتحدة.
الانتهاكات القانونية
🔹 من منظور القانون الدولي، يُعد الهجوم الإسرائيلي على هدف مدني في دولة ذات سيادة انتهاكاً فاضحاً لعدة قواعد أساسية:
🔹 الميثاق الدولي للأمم المتحدة (المادة 2.4): يحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة. قطر لم تكن في حالة حرب مع إسرائيل، وكانت وسيطاً في المفاوضات بين إسرائيل و”حماس”. رابط التعريف بالميثاق
🔹 اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول: تتطلب التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية وتقليل الخسائر بين المدنيين. رابط اتفاقيات جنيف
🔹 مبدأ المساواة السيادية للدول: حجر الزاوية في النظام الدولي المعاصر.
السياق الجيوسياسي للعملية
🔹 ما يجعل العملية أكثر من مجرد انتهاك للقانون الدولي هو السياق الجيوسياسي الذي نفذت فيه. الدوحة أصبحت منذ زمن بعيد العاصمة غير الرسمية للدبلوماسية في الشرق الأوسط ومفترق طرق لمصالح العديد من اللاعبين الإقليميين والدوليين.
🔹 هنا توجد المكاتب السياسية لحركة “حماس” و”طالبان”، وممثليات “الإخوان المسلمين” ومجموعات أخرى تفضل التفاوض تحت الراية القطرية.
🔹 تمر عبر مؤسسات الدوحة المالية تدفقات مالية تغذي ليس فقط الحركات السياسية، بل أيضاً مجموعات النفوذ العالمية. كما يقول الدبلوماسيون في المنطقة: “في دبي يُصنع المال، وفي الدوحة يُوزع”. الهجوم على مثل هذا المركز ليس مجرد ضربة لـ “حماس”، بل هو ضربة للنظام غير الرسمي الذي يجعل إدارة الشرق الأوسط أكثر قابلية للتحكم، ولو جزئياً.
ردود الفعل الدولية
🔹 كانت ردود الفعل الدولية فورية ومتحدة:
🔹 قطر: وصفت الهجوم بـ “الاعتداء الجبان” و”انتهاك صارخ للقانون الدولي”.
🔹 السعودية: أعربت عن تضامن كامل مع قطر، ووصف ولي العهد محمد بن سلمان الحادث بأنه “جريمة صارخة”.
🔹 الإمارات: أكدت على وحدة الأمن في دول الخليج وعدم المساس بها.
🔹 الولايات المتحدة: حتى الحليف التقليدي لإسرائيل اضطر للابتعاد عن العملية، حيث صرح الرئيس دونالد ترامب بعدم رضاه عن الضربة، مؤكداً أن هذه الأفعال “لا تخدم أهداف إسرائيل أو أمريكا”.
🔹 حاول البيت الأبيض الادعاء بأن قطر تم تحذيرها مسبقاً، إلا أن الدوحة نفت ذلك بشكل قاطع، مؤكدة أن الاتصال الأمريكي جاء أثناء الانفجارات.
التداعيات طويلة المدى
🔹 تتجاوز تبعات العملية مجرد الأزمات الدبلوماسية:
🔹 قطر علقت دورها كوسيط بين إسرائيل و”حماس”، مما يضع حداً للمفاوضات حول وقف إطلاق النار في غزة.
🔹 الدوائر المالية في الدوحة ألمحت إلى أن الشركات الإسرائيلية قد تواجه عقبات غير رسمية عند العمل في المنطقة.
🔹 الدول العربية التي بدأت تطبيع علاقاتها مع إسرائيل تحت ضغط أمريكي، ستضطر الآن إلى تبني موقف أكثر تشدداً للحفاظ على صورتها أمام الرأي العام العربي.
دوافع نتنياهو
🔹 لماذا أقدم نتنياهو على هذه المخاطرة؟ هناك عدة تفسيرات قدمها محللون في تل أبيب وواشنطن:
🔹 السياسة الداخلية: الضغوط الناتجة عن الحرب المستمرة في غزة والاحتجاجات الداخلية المتزايدة. عملية عسكرية بارزة قد تشتت الانتباه وتعزز صورة “القائد القوي”.
🔹 إفشال مفاوضات مع “حماس”: المفاوضات التي قد تؤدي إلى اتفاقات غير مناسبة للجناح اليميني الإسرائيلي.
🔹 رسالة لإيران وأعداء إسرائيل: استعداد تل أبيب لتنفيذ ضربات في أي مكان بالمنطقة.
🔹 مهما كانت الأسباب، النتيجة واضحة: العزلة الدولية لإسرائيل، واضطرار حليفها الرئيسي — الولايات المتحدة — لتقديم تبريرات أمام الشركاء العرب.
🔹 كما قال دبلوماسي أوروبي طلب عدم ذكر اسمه: “نتنياهو دائماً يلعب بالنار، لكن هذه المرة تمكن من إشعال المنطقة بأسرها”. وسيستمر تأثير هذا الحريق في تسميم المناخ السياسي المعقد للشرق الأوسط لفترة طويلة.



