باقلامهم
أخر الأخبار

الانشغال بسرائر الناس يفتح باب الظنّ… ويؤجج نار الظلم..

كم من مرة جلست تتأمل في أنفس الناس، وحاولت أن تخترق أسرارهم، فتطوّعت للانشغال بما وراء الأقنعة، معتقدًا أنك تملك مفاتيح الحقيقة.

الانشغال بسرائر الناس يفتح باب الظنّ… ويؤجج نار الظلم..

✍️كتبت فاطمة يوسف بصل

كم من مرة جلست تتأمل في أنفس الناس، وحاولت أن تخترق أسرارهم، فتطوّعت للانشغال بما وراء الأقنعة، معتقدًا أنك تملك مفاتيح الحقيقة.

لكن هل تساءلت يومًا كم من ضرر نلحقه بأنفسنا وبالآخرين حين نغوص في سرائرهم؟ إن الانشغال بسرائر الناس ليس مجرد فضولٍ عابر، بل هو فتيلٌ يُوقد نار الظنون، ويشعل لهيب الظلم في القلوب.

في عالم يسوده التوتر والاختلاف، يغدو الظنّ أداة سهلة بين أيدينا، نتعامل بها كما لو كانت سلاحًا دفاعيًا، دون أن ندرك أنها قد تكون سلاحًا موجهًا نحو الآخرين وأحيانًا نحو أنفسنا. ننسى أن الله عز وجل أمر بالستر، وأوصى بعدم التسرع في كشف ما يخفيه الآخرون، حتى لو كنت واثقًا من سوء نواياهم. تحكي قصة حكيمٍ مرَّ ذات يوم بامرأة تحمل وعاءً مغطى، فسألها عن مضمونه، فأجابت: “لماذا غطيناه؟” ففهم الحكيم حينها أن الستر حكمة، وأن كشف الأسرار أحيانًا هو مفتاح لفتح أبواب الظلم والافتراء.

حين ينشغل الإنسان بسرائر غيره، يتحول فضوله إلى ظنون، وهذه الظنون قد تقود إلى أحكام ظالمة تنحت على جبين الحقيقة. فالظلم الذي يولده الظنّ لا يقتل الآخرين فقط، بل يقتل فينا إنسانيتنا، ويشوه مشاعرنا، ويحول علاقاتنا إلى أراضٍ قاحلة يخيم عليها سوء الفهم والبعد.

 فلنتأمل كيف يُرينا الزمن أن من يركض خلف سرائر الناس ينسى أن ينظر إلى نفسه، فتراوده شكوك لا تنتهي، ويغمر قلبه اضطراب لا يهدأ. وكم من علاقات صدرت أحكامها بالظلم بسبب ظنون لم تُروَّ، أو أحاديث لم تُحقّق.

إن الصمت الحكيم والستر الجميل ليسا فقط من فضائل الأخلاق، بل هما من أدوات حفظ السلام الداخلي والسلام الاجتماعي. إذ أن لكل إنسان حقًا في أن تحمى حياته الخاصة، وأن يُمنح فرصته في أن يُروى قصته بعيدًا عن أحكام مسبقة.

فلنحرص على أن نُبعد أنفسنا عن أبواب الظنون، ونغلق نوافذ الفضول التي تؤدي إلى منازل الظلم. ولنختار دومًا حسن الظن، ونتعلم فن الاستماع والصفح، لنمنح الحياة بهجتها وألوانها الحقيقية.

فكما قال الإمام علي (ع)   

“الستر زينة الفقير، وكسوة الغني، ودواء الهمّ، وعزّ الرجال.”

وفي ختام هذا الكلام، أقول: إننا حين نحرص على ستر عيوب الناس وحفظ أسرارهم، نُعيد لأنفسنا وللمجتمع بريق الإنسانية وألق السلام. فلتكن رحابة صدورنا، وحكمة صمتنا، وجمال سترنا شمعةً تضيء دروبنا المظلمة، ونورًا يشع في عالم يتعطش إلى الرحمة والمحبة.

_وقد صدق الشعر بقوله:  

وإذا عجز الصمت عن الكلام,  

فالكلمة تداوي ولو بجُرح.

فلنحسن اختيار كلماتنا، ونملأ قلوبنا بالنور، لننهي رحلة الظنون والظلم، ونبدأ رحلة الصفاء والحب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »