باقلامهم

فعلها سيد الكرملين

عبد الحليم قنديل

الغربية ، ومزاعمها المدفوعة بالتمنيات عن ضعف “بوتين” ، ناهيك عن نشر قصص بدت مغالية فى “الهطل” ، من نوع هروب “بوتين” من قصر الكرملين ، وقت تقدم قوات “فاجنر” إلى “موسكو” ، وإعلان واشنطن عن تأجيل فرض حزمة عقوبات على “فاجنر” ، وحتى لا يبدو أنها تدعم بوتين المتراجع خوفا من زحف “فاجنر”! ، وإلى حد بدت معه الدعاية الغربية ، وكأنها فيلم مقاولات هابط ، يصور روسيا كأنها دولة فاشلة ضائعة ، انفكت عنها سلاسل الضبط والنظام العام ، وتدفع واشنطن إلى مغازلة “بريجوزين” ، الذى قد تذهب إلى جيبه “أزرار” الحقيبة النووية الروسية ، ويصير سيدا للكرملين ، وبيده قوة “الثالوث النووى” الروسى الرهيب ، ثم كانت النهاية السريعة المفاجئة لما جرى ، وكأنها “دش ثلجى” من أعماق برودة “سيبيريا” ، أغرق تجهيزات الأفراح والشماتة والليالى الملاح فى عواصم الغرب ، التى أمرت أوكرانيا بتطوير “الهجوم المضاد” فى اللحظة الذهبية الموهومة ، وتوجيه ضربة قاضية للوجود الروسى فى شرق أوكرانيا وجنوبها ، وهو ما بدا كانسياق عبثى وراء سراب خادع ، يحسبه الظامئون الغربيون بئر ماء فرات. إنها خيبة الغرب “بالويبة” فى فهم الداخل الروسى ، وقد تكون لهم أعذار فى صعوبة فك الشفرات ، ربما لغلبة أمنياتهم على الواقع ، وربما لأن ألغاز روسيا معقدة فى ذاتها ، فالروس أنفسهم يرددون مثلا يقول “روسيا لا تفهم بالعقل” ، فالبلد الأوسع مساحة بما لا يقاس على كوكب الأرض ، والمتنوع فى قومياته وأعراقه التى تناهز المئتين ، قد يكون مغريا باختراقه وشد أطرافه الكونية ، لكن صلابته برغم تنوعه المدهش ، تأتى من قوة القبضة المركزية فيه ، ومن صبره واحتماله الهائل لمكاره وهزائم ، يخرج بعدها أقوى ، وهو ما بدا فى وقائع تاريخ حديث ومعاصر ، من نوع قهره لحملة “نابليون” و”حملة هتلر” ، ومع تفكيك إمبراطورية موسكو “السوفيتية” أوائل تسعينيات القرن العشرين ، بدا أن قصة روسيا طويت للأبد ، وأنها صارت فريسة للغرب ، ولم يكد يمر عقد من الزمان ، حتى راحت روسيا تنهض من كبوتها ، وتشد عصبها المركزى مع قيادة بوتين رجل المخابرات الغامض ، وفى أجواء المحنة فالإفاقةكانت عصابات “الأوليجارشية” فى الاقتصاد والسياسة والشارع ، تبنى سلطات ظل مسيطرة ، بدأ بوتين التخلص منها بذكاء ومكر وخداع ، ولجأ إلى توظيف بعضها ، أو التخلص التدريجى منها ، وهو ما فعله مع كثير من حيتان روسيا بعد فوضى فترة “بوريس يلتسين” المخمور دائما ، والذى صعد “بوتين” من تحت ذقنه ، تماما كما تكونت ظواهر عصابات المافيا الروسية ، ومليارديرات السلب والنهب ، الذين دخل معهم “بوتين” فى مراوغات فمعارك ، وشئ من ذلك جرى فى دراما علاقته مع ” بريجوزين” ، الذى كان مجرما بطبعه ، وسجينا جنائيا فى أواخر العهد السوفيتى ، كان مدانا بجرائم سطو مسلح ، وخرج للحرية مع سنوات الفوضى ، وبنى سطوته “المافياوية” فى مدينة “سان بطرسبرج” ، وهى مسقط رأس “بريجوزين” و”شويجو” و”بوتين” نفسه ، وقد كان “شويجو” وزيرا فى عشر حكومات توالت منذ أيام “يلتسين” ، وتوثقت صلاته مع “بوتين” ، الذى اصطفاه فى مهمات خاصة ، كان أبرزها توليته “وزارة الطوارئ” شبه العسكرية ، ثم اختاره وزيرا للدفاع ، برغم أنه ليس عسكريا من أصله ، تماما كحالة قائد ومؤسس جماعة “فاجنر”، الذى يعرف بلقب “طباخ بوتين” ، وبنى سلسلة مطاعم شهيرة ، ذاع صيتها بعد حصولها على عقود توريد الأطعمة إلى قصر الكرملين فيما بعد ، وصار “بريجوزين” الذى تضحمت ثروته بسرعة ، رقما فى معادلات “بوتين” وصديقا فى الدائرة المقربة ، ومن حملة أسرار “الكرملين” ، وكلفه “بوتين” بإنشاء “فاجنر” كشركة أمنية ، برغم أن القانون الروسى ، لم يكن يسمح بإنشاء شركات عسكرية خاصة ، وظل الوجود “العرفى” لقوات “فاجنر” يواصل صعوده ، ويبنى أسطورته منذ عام 2016 ، وراح نشاطها “العرفى” يتمدد بسرعة من “الدونباس” الروسى فى أوكرانيا ، وإلى سوريا وليبيا وأفريقيا الوسطى والسودان ومالى وغيرها ، وإلى أن صارت عنوانا مشتهرا للنفوذ الروسى ، تتكون جماعاته المقاتلة أساسا من نخبة عسكريين روس متقاعدين ، إضافة لسجناء ومجرمين من عينة قائدهم “بريجوزين” ، وخاضوا معارك مميتة فى حرب أوكرانيا ، لعل أبرزها جولات “مفارم اللحم” فى “سوليدار” ثم فى “باخموت” ، وبما أغرى قائد “فاجنر” المدعوم من “بوتين” ، أن يناطح بعض قادة الجيش الروسى نفسه ، وأن يتخذ من “شويجو” و”جيراسيموف” موقفا صداميا ، تدرج من نقد بدا متفقا عليه إلى انفجار عصبى ، بعد قرارات صدرت بعلم “بوتين” ، قضت باشتراط تعاقد أى قوات رديفة مع وزارة الدفاع ، أى مع “شويجو” عدو “بريجوزين” ، وهو ما رآه الأخير محاولة لتصفية نفوذه المتضخم ، خصوصا بعد اتهامه لوزارة الدفاع بقصف وقتل الكثير من جنوده ، وإلى أن جرى ما جرى عاصفا وزاحفا باتجاه “موسكو” ، وهنا وجد “بوتين” أن اللحظة قد حانت ، فقد ظل صامتا قبلها لشهور ، وهو يراقب دورات شتائم “بريجوزين” لقادة وزارة الدفاع ، الذين اختفوا بالأمر عن الأنظار فجأة يوم “التمرد”الموصوف ، ولم يصدر عن “شويجو” و”جيراسيموف” حرفا ولا تعقيبا واحدا ، ولا صدر أمر بطلقة رصاص من “بوتين” نفسه ، الذى وجد أن الفرصة نضجت أخيرا لتقليم أظافر “بريجوزين” ، وربما إعادة توظيفه فى مهمات أخرى ، وهو ما أكدته تصريحات “سيرجى لافروف” وزير الخارجية ، التى طمأن فيها دولا أفريقية على استمرار خدمات “فاجنر” لصالحها ، ثم بدت التفاصيل أكثر وضوحا مع إعلان “بوتين” نفسه ، أنه يقدر وطنية وبطولة الأغلبية العظمى من عناصر “فاجنر” ، ويدعوهم إلى واحد من ثلاث خيارات ، إما التعاقد كأفراد مع الجيش الروسى فى الداخل أو فى أوكرانيا ، أو العودة إلى منازلهم ، أو الالتحاق بقائدهم فى “بيلاروسيا” ، مع إعفاء “بريجوزين” وشركته من الملاحقات القضائية ، وبما يوحى فى الحقيقة لا على خشبة المسرح ، أن “بوتين” نفذ تصورا مسبقا لإعادة توزيع خرائط النفوذ ، ربما من دون توجيه الشكر “المخابراتى” المعتاد للأعداء الأغبياء فى عواصم الغرب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »