اخبار دولية
أخر الأخبار
كتب دينيس كوركودينوف:48 ساعة فاصلة: من الضربة الجوية إلى احتمالات الانفجار النووي ــ الغموض الاستراتيجي بعد بدء عملية “الوعد الصادق – 4”
لا يزال مكان وجود 440.9 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% غير معروف بعد الضربات على أصفهان. وقد وجّهت إيران ضربة إلى قاعدة الأسطول الخامس الأميركي في البحرين، ما أظهر احتفاظها بقدراتها الهجومية. كما أن تصريح طهران باستعدادها لسيناريوهات تتجاوز عقيدتها النووية يغيّر الصورة العملياتية للصراع.

كتب دينيس كوركودينوف:48 ساعة فاصلة: من الضربة الجوية إلى احتمالات الانفجار النووي
الغموض الاستراتيجي بعد بدء عملية “الوعد الصادق – 4”
الكاتب: دينيس كوركودينوف
المدير العام للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي «DIIPETES»
لا يزال مكان وجود 440.9 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% غير معروف بعد الضربات على أصفهان. وقد وجّهت إيران ضربة إلى قاعدة الأسطول الخامس الأميركي في البحرين، ما أظهر احتفاظها بقدراتها الهجومية. كما أن تصريح طهران باستعدادها لسيناريوهات تتجاوز عقيدتها النووية يغيّر الصورة العملياتية للصراع.
العملية العسكرية التي انطلقت صباح 28 شباط 2026 تمثل تحولًا نوعيًا في ميزان القوى الاستراتيجي في المنطقة. وعلى عكس جولات تبادل الضربات السابقة، تتميز المرحلة الحالية بثلاثة عناصر جديدة جوهرية: أولًا، الانخراط المباشر للولايات المتحدة في حملة جوية واسعة النطاق؛ ثانيًا، الرد الإيراني بضربة على البنية التحتية العسكرية الأميركية في البحرين؛ وثالثًا، الفقدان الكامل للرقابة الدولية على 440.9 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ما يخلق ظروفًا تمكّن طهران من تحقيق اختراق نووي خلال فترة زمنية قصيرة.
وبعد 25 دقيقة فقط من بدء العملية العسكرية الإسرائيلية، عند الساعة 09:45، تبيّن أن آية الله علي خامنئي قد أُخلي قبل 40 دقيقة من الضربة التي استهدفت مقر إقامته. وهذا المعطى ذو أهمية حاسمة في تقييم فعالية العمل الاستخباراتي: فإما أن الموساد وأمان، اللذان أفادت مصادر إسرائيلية بأنهما كانا يعدّان للهجوم منذ كانون الثاني 2026، لم يمتلكا معلومات دقيقة آنية عن موقع المرشد، أو أن تسريبًا حدث مكّن جهاز أمن المرشد الأعلى من تنفيذ الإخلاء في الوقت المناسب. وفي كلتا الحالتين، لم يتحقق هدف “قطع الرأس”، وبقيت قيادة الحرس الثوري الإيراني تحت إدارة مركزية.
غير أن السؤال الأهم الذي سيحدد مسار الصراع لا يتعلق بالنجاحات أو الإخفاقات التكتيكية الأولى، بل بوضع البرنامج النووي الإيراني. ففي 27 شباط 2026، قبل يوم واحد من بدء العملية، نشرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريرًا شكّل عمليًا الشرارة التي دفعت واشنطن إلى قرار الضربة الواسعة. وللمرة الأولى، حددت الوكالة موقع تخزين جزء من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60% — وهو مجمع أنفاق تحت الأرض في منشأة نووية بأصفهان. ووفقًا للتقرير، تمتلك إيران 440.9 كيلوغرامًا من هذا اليورانيوم، وهي كمية تكفي، بعد رفع التخصيب إلى 90%، لإنتاج ما بين أربع إلى عشر رؤوس نووية، تبعًا لمستوى التطور التقني للتصميم.
كما أشارت الوكالة إلى رصد حركة مستمرة لآليات نقل قرب مداخل الأنفاق في أصفهان عبر صور الأقمار الصناعية. لكنها أكدت في الوقت نفسه عدم قدرتها على الوصول إلى أي من المنشآت الإيرانية الأربع المعلنة للتخصيب، وعدم تمكنها من التحقق من حجم المخزون أو موقعه الدقيق أو حتى من وقف عمليات التخصيب.وبذلك، كان التحكم الدولي بالمواد النووية الإيرانية القريبة من مستوى الاستخدام العسكري قد فُقد بالكامل لحظة تنفيذ الضربات في 28 شباط.
الصور الفضائية أظهرت انهيار سقف قاعة الإنتاج الرئيسية في أصفهان وحُفرًا قرب مدخلين من أصل ثلاثة للمجمع تحت الأرض. غير أن غياب مؤشرات على حريق كبير أو تسرب سادس فلوريد اليورانيوم — مثل الدخان المميز أو الشذوذات الحرارية — يرجح أن المخزونات الأساسية لم تكن موجودة في تلك القاعات لحظة الضربة.
وحركة النقل التي رُصدت قبل يوم قد تعني أن إيران، توقّعًا للتصعيد، قامت بتفريق المواد الحساسة. وإذا صحّ ذلك، فإن 440.9 كيلوغرامًا من اليورانيوم باتت في موقع غير معروف، خارج نطاق الرصد الفضائي والضربات الجوية.
وفي هذه الحالة، فإن الحملة الأميركية – الإسرائيلية، مهما بلغت فعاليتها التكتيكية، لم تحقق هدفها الاستراتيجي بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، بل ربما وفّرت دافعًا أقوى لتسريع البرنامج النووي.
في هذا السياق يجب قراءة تصريح آية الله علي خامنئي بأن الرد سيكون “ساحقًا”، وأن على الطاولة سيناريوهات لم تكن مطروحة سابقًا، إلى جانب تحذير رئيس لجنة الأمن في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي: “لقد حذرناكم.
الآن دخلتم طريقًا ليست نهايته بأيديكم”. مثل هذه التصريحات الصادرة عن مسؤولين رسميين لا تُعد مجرد خطاب انفعالي، بل قد تشير إلى مراجعة قيود عقائدية أساسية، وعلى رأسها فتوى عام 2003 التي تحظر تطوير واستخدام السلاح النووي.الفتوى ليست نصًا دستوريًا جامدًا، ويمكن لمن أصدرها أو لخلفه تعديلها في ظروف تهديد وجودي للنظام.
في المقابل، تمتلك إسرائيل قدرات نووية، والولايات المتحدة إرادة سياسية واضحة. وإذا أعلنت إيران بدء العمل العلني على إنتاج سلاح نووي أو تأكدت أجهزة الاستخبارات من بدء رفع التخصيب إلى مستوى عسكري، فسيكون أمام إسرائيل هامش ضيق جدًا للتحرك الوقائي.
وقد يُنظر إلى استخدام سلاح نووي تكتيكي منخفض القدرة — مثل قنابل B61-12 ذات القوة التفجيرية القابلة للتعديل — كخيار “أقل ضررًا” مقارنة باحتمال ظهور قنبلة نووية إيرانية خلال أيام.
ويصبح سيناريو استخدام الولايات المتحدة سلاحًا نوويًا تكتيكيًا أكثر ترجيحًا إذا ألحقت إيران أضرارًا جسيمة بالبنية العسكرية الأميركية، بما في ذلك مجموعات حاملات الطائرات، أو نفذت قوى حليفة لها هجمات واسعة ضد مواطنين أميركيين.
أما إذا استخدمت إيران سلاحًا نوويًا ضد إسرائيل، فسيكون الرد الأميركي حتميًا وعلى الأرجح نوويًا أيضًا.
أما مكان وجود المرشد الأعلى حاليًا فغير معروف، لكن يُرجّح نقله إلى أحد مراكز القيادة تحت الأرض في الجبال قرب طهران أو قم، مع وجود منظومة بدائل وخطوط اتصال محمية ومنشآت قيادة متنقلة.
في المقابل، قد يكون الرد غير المتكافئ عبر استهداف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ففي تشرين الأول 2025 أعلن وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب أن بلاده حصلت على بيانات شخصية لـ189 موظفًا إسرائيليًا من قطاعات نووية وعسكرية، وتمكنت من اختراق منشآت في مركز ديمونا النووي.
وإذا صحت هذه المعطيات، فقد يمتلك الحرس الثوري معلومات كافية لاستهداف شخصيات عسكرية وعلمية، وربما قيادات سياسية رفيعة.
وفي هذه الظروف، يضطر جهاز “الشاباك” إلى توسيع إجراءات حماية رئيس الوزراء إلى مستويات غير مسبوقة، تشمل التحصين ضد الصواريخ، وتشديد أمن المقرات، وتأمين الحماية خارج البلاد.
ومع ذلك، لا توجد ضمانة مطلقة في ظل إعلان “مطاردة”، خصوصًا مع تنامي نشاط “حزب الله” على الحدود الشمالية.
في المحصلة، سيتحدد مسار الأحداث بثلاثة عوامل:
أولًا، قدرة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية على تحديد موقع مخزون اليورانيوم الإيراني وتدميره.
ثانيًا، قرار سياسي محتمل بتسريع البرنامج النووي والخروج من معاهدة عدم الانتشار.
ثالثًا، حجم الضربات الصاروخية الإيرانية وما إذا كانت ستوقع خسائر تُعد غير مقبولة.
تفاعل هذه العوامل خلال 48 إلى 72 ساعة سيحدد ما إذا كان الصراع سيبقى ضمن إطار الحرب التقليدية أم سينتقل إلى مرحلة نووية ذات عواقب غير قابلة للتنبؤ على المنطقة والعالم.
📌 أبرز نقاط المقال
- 📌 فقدان الرقابة على اليورانيوم الإيراني: 440.9 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% أصبح موقعه غير معروف بعد الضربات على أصفهان.
- 📌 الرد الإيراني المباشر: هجوم على قاعدة الأسطول الخامس الأميركي في البحرين، ما أظهر القدرة الهجومية لطهران.
- 📌 فشل هدف “قطع الرأس”: إخلاء آية الله علي خامنئي قبل 40 دقيقة من الضربة، مما أبقى قيادة الحرس الثوري تحت إدارة مركزية.
- 📌 تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية: تحديد موقع جزء من اليورانيوم تحت الأرض في أصفهان، مع عدم القدرة على التأكد من المخزون أو توقف التخصيب.
- 📌 احتمالات التصعيد النووي: تصريحات علي خامنئي ورئيس لجنة الأمن تشير إلى مراجعة قيود عقائدية قد تسمح بتسريع البرنامج النووي الإيراني.
- 📌 الرد الوقائي المحتمل: إسرائيل قد تلجأ لسلاح نووي تكتيكي منخفض القدرة (مثل B61-12) إذا ثبت بدء إيران رفع التخصيب لمستوى عسكري.
- 📌 حماية قيادات إسرائيلية: الشاباك يوسع إجراءات حماية نتنياهو بسبب بيانات استخباراتية حصل عليها الحرس الثوري الإيراني.
- 📌 العوامل الحاسمة لمسار الصراع: 1) قدرة الاستخبارات على تحديد موقع اليورانيوم وتدميره، 2) قرار تسريع البرنامج النووي، 3) حجم الضربات الصاروخية الإيرانية. تفاعل هذه العوامل خلال 48-72 ساعة سيحدد إذا كان الصراع سيبقى تقليديًا أم يتحول نوويًا.



