كتب د.سعد خلف:الدرع النووي الأوروبي.. وتكلفة الخروج من الجلباب الأمريكي – قراءة في طموحات أوروبا النووية وحدود القدرة وكيف تراها موسكو
ترامب يريد أوروبا أقوى، نعم، لكن أوروبا منافسة لأمريكا، لا. كل خطوة أوروبية لبناء صناعة دفاع مستقلة تعزز القدرة العسكرية الأوروبية على الجناح الشرقي للناتو، لكنها في الوقت نفسه لا تخرج أوروبا من السيطرة الأمريكية.

☢️ الدرع النووي الأوروبي.. وتكلفة الخروج من الجلباب الأمريكي
قراءة في طموحات أوروبا النووية وحدود القدرة وكيف تراها موسكو
✍️✍️الدكتور سعد خلف – موسكو
في خطابه عن حالة الاتحاد يوم 24 فبراير 2026 قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوضوح إن دول الناتو وافقت على طلبه رفع الانفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي بدلاً من 2%، والتي كانت سارية قبل عودته إلى البيت الأبيض، فضلاً عن ذلك أكد ترامب أن ما يتم إرساله إلى أوكرانيا من سلاح أمريكي يمر عبر الناتو، ويتم دفع مقابله بالكامل للمصانع العسكرية الأمريكية.
رسالة ترامب للأوربيين هذه المرة تجاوزت مسألة التذكير التقليدي الذي اعتاد عليه بأن الزمن قد تغير وأن عليهم أن يتقاسموا الأعباء إذا كانوا يريدون استمرار الحماية، بل ويمكن القول إنه صاغ معادلة جديدة لتعامل واشنطن مع بروكسل، بصفتها الأوروبية لا البلجيكية، بأن على عواصم القارة العجوز الدفع أكثر والتحرك أسرع وتولي الجزء الأكبر من أمن بلدانها بأنفسهم، لكنه في الوقت نفسه حذرهم من مجرد التفكير في تحويل ذلك إلى استقلال صناعي يؤدي إلى خروج الشركات الأمريكية من اللعبة.
في مقابل هذه اللغة الترامبية المهينة لأغلب الأوروبيين، تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة وتيرة النقاشات الأوروبية عن ضرورة إنشاء منظومة ردع نووية مشتركة خارج نطاق المظلة النووية الأمريكية.
استغل الأوروبيون قاعات مؤتمر ميونخ للأمن لمداولات طرحوا خلالها مسألة أن الأوان آن لتعزيز القدرات النووية الأوروبية، لكنهم ربطوها بسياق الحرب الأوكرانية مستغلين كالعادة البعبع الروسي مقترناً بتشكيكهم المتنامي في استدامة الضمانات الأمريكية النووية.
برلين وباريس سارعتا، خوفاً من رد فعل ترامب، للقول بأن هذه المشاورات الأوروبية لا تستهدف استبدال المظلة الأمريكية، بل دعمها وتكاملها.
الدعوات الأوروبية لإعادة تقييم مفهوم الردع التقليدي والنووي في آن واحد، وخصوصاً ما رصدته من تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تعكس بلا شك تحوّلاً في المزاج الاستراتيجي داخل أوروبا، وتأكيدات برلين وباريس رسمياً أن أي ترتيبات أمنية أوروبية لن تكون بديلاً للمظلة الأمريكية، بل مكملاً لها، يمكن كذلك أن نفسرها بطريقة معكوسة، لأن مجرد طرح فكرة التكامل النووي الأوروبي يعني بلا جدال أن الثقة المطلقة في الضمانات الأمريكية لم تعد قائمة كما كانت على مدى العقود السابقة.
لكن كيف تقرأ موسكو هذا التحول وهذه المساعي؟ من واقع متابعة الرد الفعل الروسي، سواء على المستوى الرسمي أو على مستوى التحليل السياسي والعسكري، لا يوجد لدى الدوائر الروسية أي وهم بأن السياق ليس سياق حرب أوكرانيا حصراً، وإنما يأتي في إطار أوسع يتعلق بإعادة تعريف وترتيب وتنظيم الأمن الأوروبي الذي تتشارك فيه روسيا، شاءت ذلك أم أبت، مع دول أوروبا الناتوية ذات الطموحات النووية الوليدة، وخصوصاً ألمانيا.
فتصريحات ميرتس بأن ” القيادة الأمريكية أصبحت محل تساؤل، وربما فُقدت بالفعل” تعكس إدراكاً أوروبياً بأن أولويات واشنطن الاستراتيجية في ظل حكم ترامب، ومن سيأتي بعده من ذات التيار، آخذة في التحول نحو آسيا والمحيط الهادئ.
أما ماكرون الذي دعا إلى “إعادة التفكير في الردع النووي الأوروبي” فهو يتحرك ضمن رؤيته الفرنسية القديمة التي تقوم على ضرورة استقلالية القرار الاستراتيجي والعسكري الأوروبي، ونتذكر هنا دعواته منذ سنوات، خلال فترة حكم ترامب الأولى، إلى إنشاء جيش أوروبي موحد وقوله إن “مخ الناتو مات”. الحرب الأوكرانية منحت هذه الرؤية زخماً غير مسبوق.
وبالحديث عن حدود القدرة الأوروبية، تمتلك أوروبا بالفعل قوتين نوويتين معترف بهما، وهما فرنسا وبريطانيا. تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام لعام 2025 تؤكد أن كل منهما يمتلك قرابة 290 رأسا نوويا، مع تفوق فرنسي طفيف في عدد الرؤوس المنتشرة. فرنسا تعتمد على أربع غواصات نووية استراتيجية وقوة جوية نووية، بينما ترتكز بريطانيا حصرياً تقريباً على غواصات “فانغارد”.
ومن الضروري الإشارة إلى حقيقة أن فرنسا تمتلك كل عناصر الثالوث النووي، مثلها مثل روسيا والولايات المتحدة، فضلاً عن قدرتها على تصنيع عسكري متكامل لكل أنواع الأسلحة. الاتفاق الدفاعي المحدث بين باريس ولندن، والذي ينص على تنسيق الردع في حال تهديد المصالح الحيوية لأي منهما، يمثل بلا جدال تطوراً نوعياً في المسرح الأوروبي.
بالطبع هذه الكتلة، رغم رمزيتها، تبقى محدودة جداً عند مقارنتها بالترسانة الروسية أو الأمريكية سواء من حيث الكم أو تنوع وسائل الإيصال ومدياتها وقدراتها.
والسؤال المحوري هنا: هل يمكن تعميم المظلة الفرنسية-البريطانية لتشمل ألمانيا وبولندا ودول البلطيق؟ الجواب تقنياً نعم، لكن من الناحية القانونية والاستراتيجية يبقى معقداً.
فرنسا ليست عضواً في مجموعة التخطيط النووي لحلف الناتو، وتصر على أن قرار استخدام السلاح النووي الفرنسي هو قرار سيادي بالكامل وبيد رئيس الجمهورية فقط. ألمانيا لا تزال مقيدة باتفاقية “4+2” لعام 1990 التي تحظر عليها إنتاج أو امتلاك سلاح نووي، لذا فإن طموحها يقتصر على المشاركة وليس الامتلاك. بولندا أقرب إلى استضافة قدرات نووية حليفة، ودول البلطيق تبحث عن مظلة سياسية وعسكرية تعزز شعورها بالأمن في مواجهة روسيا.
إجمالاً، الحديث عن درع نووي أوروبي لا يعني استعداد أوروبا لحرب نووية وشيكة مع روسيا، لكنه يعني أن الحرب الأوكرانية أعادت النووي إلى مركز التفكير الاستراتيجي في أوروبا. أوروبا لا تملك بنية ردع مستقلة، وأي محاولة لتوسيع المظلة النووية الأوروبية ستصطدم بتعقيدات قانونية وسيادية داخل دول القارة.
ترامب يريد أوروبا أقوى، نعم، لكن أوروبا منافسة لأمريكا، لا. كل خطوة أوروبية لبناء صناعة دفاع مستقلة تعزز القدرة العسكرية الأوروبية على الجناح الشرقي للناتو، لكنها في الوقت نفسه لا تخرج أوروبا من السيطرة الأمريكية.
في النهاية، أوروبا عالقة بين خوفين: خوف من روسيا على حدودها، وخوف من أن تصبح رهينة مزاج سياسي أمريكي متقلب. بين الخوفين يعود شبح النووي إلى الواجهة، ليس لأن أوروبا تريد حرباً نووية، بل لأن السياسة حين تفقد الثقة تبحث عن الضمانة القصوى، ولو كانت مجرد خطاب.
📌 أبرز نقاط المقال
الكاتب: سعد خلف – موسكو
لمتابعة الدكتور سعد على على فيسبوك
☢️ ترامب يطالب دول الناتو بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي.
☢️ أوروبا تبحث عن منظومة ردع نووية مشتركة خارج المظلة الأمريكية.
☢️ برلين وباريس تؤكدان أن أي ترتيبات أوروبية لن تكون بديلاً للمظلة الأمريكية.
☢️ فرنسا وبريطانيا تمتلكان قوى نووية معترف بها مع الثالوث النووي الفرنسي.
☢️ أي محاولة لتوسيع المظلة النووية الأوروبية تواجه تعقيدات قانونية وسياسية.
☢️ أوروبا عالقة بين خوف من روسيا وخوف من مزاج سياسي أمريكي متقلب.



