اخبار دولية
أخر الأخبار
كتب إدريس أحميد:«نحو إعادة صياغة قوانين إنسانية في عالم متنافس»
تُخلق البشرية لتعيش في غابة، ولم يُوجد الإنسان ليُحكم بالقوة. منذ أن وعى الإنسان معنى الاجتماع، سعى إلى بناء قواعد تضبط سلوكه، وتحمي الضعيف من بطش القوي، وتُنهي منطق الفوضى الذي حكم المراحل الأولى من التاريخ.

«نحو إعادة صياغة قوانين إنسانية في عالم متنافس»
🧾✍️كتب: إدريس أحميد ـ باحث ومحلل وكاتب سياسي
🟢 لم تُخلق البشرية لتعيش في غابة، ولم يُوجد الإنسان ليُحكم بالقوة. منذ أن وعى الإنسان معنى الاجتماع، سعى إلى بناء قواعد تضبط سلوكه، وتحمي الضعيف من بطش القوي، وتُنهي منطق الفوضى الذي حكم المراحل الأولى من التاريخ.
هكذا وُلدت القوانين، وهكذا تشكلت فكرة العدالة، وهكذا حلمت الشعوب بعالم تحكمه قواعد العقل لا شريعة الغاب.
🔵 غير أن هذا الحلم، ومع كل ما أُنجز باسمه من مواثيق وتشريعات، ظل يصطدم بواقع قاسٍ تحكمه المصالح، وتسيّره القوة، وتُعطّل فيه القوانين حين لا تخدم الأقوياء. فبين نصوص القانون الدولي وواقع السياسة الدولية، مسافة واسعة امتلأت بـ الحروب، الاستعمار، الاحتلال، وازدواج المعايير، حتى بات السؤال مشروعًا: هل نعيش في عالم يحكمه القانون… أم في نظام دولي تحكمه الغابة؟
🟡 وُضعت القوانين والتشريعات منذ بدايات التاريخ الإنساني لتنظيم حياة الأفراد والمجتمعات، بعد عصور طويلة ساد فيها منطق القوة والغلبة.
ومع تطور المجتمعات وتعقد العلاقات بين الدول, تطورت القوانين بدورها، سعيًا لضبط السلوك الإنساني وترسيخ قيم العدالة والاستقرار. واستندت في جوهرها إلى قيم الأديان السماوية التي دعت إلى العدل، وحرّمت الظلم، وصانت كرامة الإنسان.
🔴 لكن انتهاك القانون الدولي لم يكن استثناءً، بل رافق نشأته منذ بداياته. فمنذ الحرب العالمية الأولى، تعرض لاختبارات قاسية، حين أشعلت ألمانيا النازية حروبًا مدمّرة في أوروبا، ضاربةً بكل الأعراف والاتفاقيات عرض الحائط، ومؤسسةً لمرحلة طغى فيها منطق القوة على أي التزام قانوني أو أخلاقي.
🟢 ولم تكن ألمانيا وحدها. فقد مارست قوى أوروبية كبرى، مثل فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال، سياسات استعمارية ممنهجة انتهكت أبسط مبادئ القانون الدولي، وسيطرت بالقوة على شعوب وأراضٍ في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ونهبت الثروات، وفرضت أنظمة تابعة، وأسهمت بشكل مباشر في تخلف تلك الدول، تحت شعارات زائفة عن التحضر والتمدين، بينما كان الواقع احتلالًا سافرًا يناقض حق الشعوب في تقرير مصيرها.
🔵 أما الولايات المتحدة الأمريكية، التي تُقدّم نفسها حاميةً للنظام الدولي، فقد انتهكت بدورها القانون الذي وقّعت عليه مرارًا. فمن فيتنام وكوريا، إلى غرينادا وبنما، مرورًا بـ العراق ولبنان، شنت واشنطن حروبًا وتدخلات عسكرية خارج إطار الشرعية الدولية، متذرعة تارة بمحاربة الشيوعية، وتارة بنشر الديمقراطية أو مكافحة الإرهاب. وكانت الحصيلة دائمًا واحدة: دمار دول، سقوط ملايين الضحايا، انهيار مجتمعات بأكملها، دون مساءلة أو محاسبة.
🟡 وتبقى فلسطين النموذج الأوضح والأكثر فجاجة لانهيار القانون الدولي وازدواج المعايير. فمنذ وعد بلفور المشؤوم، الذي منح من لا يملك أرضًا لمن لا يستحق، تعرض الشعب الفلسطيني لعملية اغتصاب منظم لأرضه، رافقها تهجير قسري، قتل، استيطان، وسياسات قمع وإبادة لم تتوقف.
ورغم عشرات القرارات الدولية التي أدانت الاحتلال الإسرائيلي، لم يُحاسَب المعتدي، وبقيت القرارات حبرًا على ورق، في مشهد يعكس عجز النظام الدولي أو تواطؤه.
🔴 ولم تقتصر الانتهاكات على فلسطين، بل امتدت إلى لبنان والحروب العربية–الإسرائيلية، حيث ارتُكبت مجازر وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين، دون أن يتحرك المجتمع الدولي إلا ببيانات إدانة شكلية. جرائم غير مسبوقة في تاريخ البشرية الحديثة، ليس فقط من حيث حجمها واستمراريتها، بل من حيث الحماية السياسية التي حظيت بها من قوى كبرى تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان.
🟢 وقد بلغ هذا العجز ذروته حين أقرّ الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، صراحةً بأن المنظمة الدولية غير قادرة على إرغام إسرائيل على وقف جرائمها، في اعتراف صادم يكشف حجم الشلل الذي أصاب منظومة الأمم المتحدة، وعجزها عن تنفيذ قراراتها أمام دولة محمية سياسيًا وعسكريًا من قوى نافذة.
🔵 واذا كانت الأمم المتحدة عاجزة عن فرض القانون، فكيف الحال مع الولايات المتحدة الأمريكية التي ترى نفسها فوق القانون الدولي، وتستخدم حق النقض لحماية حلفائها، وتُعطّل العدالة حين تتعارض مع مصالحها؟
🟡 وقد تجلّى هذا الانهيار الأخلاقي والقانوني بوضوح فيما شهدته غزة مؤخرًا من انتهاكات تندى لها جبين الإنسانية: قتل جماعي، تدمير شامل، تجويع ممنهج، وسط دعم أمريكي وغربي، وصمت دولي مخزٍ، كشف أن حياة الإنسان لم تعد متساوية في ميزان العدالة الدولية.
🔴 و آخر هذه النماذج ما شهدته فنزويلا، من استباحة لسيادتها، وتدخل سافر في شؤونها الداخلية، في سابقة خطيرة تؤكد أن سيادة الدول لم تعد مصونة إذا تعارضت مع مصالح القوى الكبرى، وأن منطق القوة عاد ليتقدم على منطق القانون.
🟢 أمام كل ذلك، يبرز السؤال الجوهري: من يحمي الشعوب؟ لقد تحوّل القانون الدولي من مرجعية أخلاقية وقانونية إلى أداة انتقائية، تُستخدم ضد الضعفاء، ويُستثنى منها الأقوياء. ولم يعد الرهان على المؤسسات الدولية وحدها كافيًا، ما دامت رهينة لإرادة القوى النافذة.
🔵 إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق شعوب العالم، التي عليها أن تتحد، وتتجاوز الحدود والانقسامات, لفرض موقفها الأخلاقي والإنساني. فالتاريخ يثبت أن الشعوب، حين تعي قوتها, قادرة على كسر منطق الهيمنة وفرض معادلات جديدة.
🟡 في عالم اختل فيه ميزان القوة، يبقى صوت الشعوب هو الأمل الأخير… للانتقال من شريعة الغاب إلى منطق القانون, ومن حكم القوة إلى سيادة العقل, ومن عالم يُدار بـ السلاح إلى عالم يُحكم بـ العدالة.
إدريس أحميد –
باحث ومحلل وكاتب سياسي

📌 البشرية لم تُخلق لتعيش في غابة، بل للعيش وفق قوانين وعدالة.
📌 رغم وجود مواثيق وتشريعات دولية، تحكم المصالح والقوة معظم العلاقات الدولية.
📌 القانون الدولي واجه انتهاكات منذ نشأته، بدءًا من الحرب العالمية الأولى وألمانيا النازية.
📌 قوى أوروبية كبرى مارست سياسات استعمارية ممنهجة انتهكت الحقوق الأساسية للشعوب.
📌 الولايات المتحدة الأمريكية انتهكت القانون الدولي مرارًا في فيتنام وكوريا وغرينادا وبنما والعراق ولبنان.
📌 فلسطين نموذج صارخ لانهيار القانون الدولي وازدواج المعايير.
📌 الأمم المتحدة عاجزة عن تنفيذ قراراتها أمام دولة محمية سياسيًا وعسكريًا.
📌 القانون الدولي تحول إلى أداة انتقائية ضد الضعفاء واستثناء الأقوياء.
📌 الشعوب هي الأمل الأخير لفرض العدالة وتحقيق سيادة القانون على القوة.



