عقد الإيجار: كيف تم تأجير اليمن لمدة 99 عامًا؟
في ظل لعبة الكراسي الموسيقية الدائرة في محافظات شرق اليمن، حيث نشاهد قوات تنسحب صباحًا لتسلم مواقعها، ثم تعود مساءً لتقتحمها، يقف المواطن اليمني مذهولاً، محاولاً فك طلاسم هذه المسرحية العبثية

عقد الإيجار: كيف تم تأجير اليمن لمدة 99 عامًا؟
🧾 كتب ✍🏻 مشتاق هاشم العلوي – كاتب ومحلل سياسي
في ظل لعبة الكراسي الموسيقية الدائرة في محافظات شرق اليمن، حيث نشاهد قوات تنسحب صباحًا لتسلم مواقعها، ثم تعود مساءً لتقتحمها، يقف المواطن اليمني مذهولاً، محاولاً فك طلاسم هذه المسرحية العبثية.
والحقيقة، بعيدًا عن هذا الضجيج، هي أن ما يجري ليس فوضى عفوية، بل هو الفصل الأخير من عملية “استحواذ عدائي” مكتملة الأركان، تم بموجبها تصفية أصول الدولة اليمنية وتوقيع عقد إيجار طويل الأمد لبلادنا.
لقد تحولت اليمن إلى ما ندرسه في تخصص إدارة الأعمال الدولية تحت مصطلح “الشركة المتعثرة”، التي يتم تفكيكها وبيع أصولها الأكثر ربحية. وهذا بالضبط ما يحدث الآن، حيث يتم تقسيم بلادنا فعليًا إلى ثلاث “مناطق امتياز” واضحة، لكل منها وظيفتها وراعِيها الإقليمي.
المنطقة الأولى هي “منطقة الامتياز البحرية”، وقد ذهبت من نصيب أبوظبي.
تشمل هذه المنطقة كل ما يلامس البحر، وتحديدًا مواقع المنطقة العسكرية الثانية في ساحل حضرموت، بالإضافة إلى الموانئ الاستراتيجية كعدن والمكلا، والجزر الحاكمة كسقطرى. هذه هي الأصول المدرة للدخل، وقد تم تسليم إدارتها للمجلس الانتقالي الجنوبي كوكيل محلي.
الهدف ليس بناء دولة جنوبية مستقلة، بل إنشاء “شركة تابعة” مهمتها حماية أصول الشركة الأم الإماراتية، وضمان هيمنتها على الممرات المائية.
أما المنطقة الثانية فهي “منطقة الامتياز البرية”، وهي من نصيب الرياض.
أصول هذه المنطقة استراتيجية وليست تجارية مثل: آبار النفط والغاز في مناطق نفوذ المنطقة العسكرية الأولى بصحراء حضرموت ومأرب، والمساحات الشاسعة التي تشكل عمقًا أمنيًا للحدود السعودية.
الوكلاء المحليون هنا خليط من القبائل وقوات ماتسمى “درع الوطن”، ومهمتهم هي إدارة “محمية” شاسعة تضمن ألا يصبح اليمن مصدر تهديد للرياض.
إنها ليست دولة، بل أشبه بقسم أمن وحراسة لحدود المستأجر، يتم التحكم فيه عبر العطايا وشراء الولاءات.
وبين هاتين المنطقتين، تقع المنطقة الثالثة. وإن صح التعبير يمكن تسميتها “منطقة الحجر الصحي” التي يديرها الحوثيون في صنعاء.
يتم التعامل مع هذه المنطقة كأمر واقع خطير، يتم احتواؤه وعزله، مع السماح له بالبقاء طالما أنه لا يهدد بشكل وجودي مصالح المستأجرين الآخرين. بقاء الحوثي كـ”فزاعة” يمنح الشرعية لوجود المستأجرين في مناطق امتيازهم، ولهذا لن تكون هناك حرب حقيقية وشاملة لاستئصاله.
وإن تم الترويج لعودة الحرب فلن تكون سوى هندسة نهائية لترتيب الجغرافيا، ومناطق النفوذ كما يجب ان تكون.
هذه هي الخريطة الحقيقية لـ“اليمن المؤجَّر”. والمواطن اليمني، الذي كان يحلم بدولة، وجد نفسه مجرد مقيم في منطقة امتياز تابعة لشركة أجنبية.
والمشاهد السريالية التي نراها اليوم من تسليم ثم اقتحام، وانسحاب ثم عودة، ليست سوى خلافات بين المستأجرين ووكلائهم على تفاصيل إدارة هذه الأصول.
إن المستقبل الذي يُطبخ لنا ليس خيارًا بين الوحدة أو الانفصال، فهذه خيارات مزيفة طُرحت لتضليلنا.
والمستقبل الحقيقي هو العيش في ظل “عقد الإيجار” هذا، كغرباء في أرضنا، وعمال في مشاريع لا نملكها.
ومهمتنا الأولى الآن، قبل الحلم باستعادة الماضي، هي أن نقرأ بنود هذا العقد جيدًا، أن نفهم شروطه القاسية، وأن نبدأ في البحث عن ثغرة، قانونية كانت أم تاريخية، قد تسمح لنا يومًا ما بفسخه واستعادة وطننا المسلوب.

أبرز نقاط المقال
✍🏻 مشتاق هاشم العلوي
أبرز النقاط الواردة في المقال :
📌 اليمن تُعامل كـ”شركة متعثرة” تُفكك وتباع أصولها.
📌 تقسيم البلاد إلى ثلاث مناطق امتياز: بحرية، برية، ومنطقة حجر صحي.
📌 أبوظبي تستحوذ على السواحل والموانئ والجزر الاستراتيجية.
📌 الرياض تسيطر على المناطق البرية وحقول النفط والعمق الحدودي.
📌 الحوثيون يديرون منطقة تُستخدم كأداة احتواء و”فزاعة” لبقاء النفوذ الخارجي.
📌 ما يجري من انسحابات واقتحامات هو صراع بين المستأجرين ووكلائهم.
📌 المستقبل ليس وحدة أو انفصالاً بل استمرار “عقد الإيجار” المفروض على اليمن.
📌 الحل يبدأ بفهم بنود هذا العقد والبحث عن ثغرات تمكن من استعادة الوطن.



