أيوب نصر يكتب: من أوكرانيا إلى المغرب العربي — ترامب وويتكوف بين استعراض السلام وصراع النفوذ
أما قبل، فيبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تعلم من أخطاء الماضي، حين إدعى أنه سيوقف الحرب الروسية الأوكرانية في 24 ساعة، ثم نكص راسه، بعد أن مضت عشرة أشهر، ولم يقدر على الوفاء بوعده، أما تعلمه من أخطاء الماضي فقد ظهر جليا واضحا على لسان مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف، وهو يتحدث عن تدخل الولايات المتحدة في الأزمة المغاربية بين الإخوة الأعداء المغرب والجزائر، وأنه سيحل خلال الشهرين القادمين.

أيوب نصر يكتب: من أوكرانيا إلى المغرب العربي — ترامب وويتكوف بين استعراض السلام وصراع النفوذ
✍️🧾📰 الكاتب: أيوب نصر
أما قبل، فيبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تعلم من أخطائي الماضي، حين إدعى أنه سيوقف الحرب الروسية الأوكرانية في 24 ساعة، ثم نكص راسه، بعد أن مضت عشرة أشهر، ولم يقدر على الوفاء بوعده، أما تعلمه من أخطاء الماضي فقد ظهر جليا واضحا على لسان مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف، وهو يتحدث عن تدخل الولايات المتحدة في الأزمة المغاربية بين الإخوة الأعداء المغرب والجزائر، وأنه سيحل خلال الشهرين القادمين.
فإذا كان المشكل الروسي الأوكراني إقترب من السنة ولم يحل، وإنما يزداد تعقيدا مع توالي الأيام وتعاقب الليل والنهار، فما بالك بالمشكل المغربي الجزائري الأكثر أصالة وتجذرا والأكثر تعقيدا وشابكا بل والأكثر غرابة، فكيف يملك ترامب، والولايات المتحدة، حله في شهرين؟؟
الأسباب الخفية وراء هذا التصريح
دائما التصريحات في السياسة لا تؤخذ على ظاهرها، ففي أحيان كثيرة تكون مضللة، ويراد منها إخفاء شيء ما، علمه من علمه وجهله من جهله، بيد أن كل كلام إلا وفيه شيء من نفس صاحبه يواريه أو غرض يخفيه، وويتكوف ليس بدعا ولا استثناء، فكلامه يبين لنا عن أغراض أخرى، وإلا ما كان جاء على ذكر لفظ ( السلام) الذي يجعل أول شيء يسبق إلى الذهن حين سماع كلامه هو وجود حرب بين البلدين، بينما الذي يوجد بينهما هو قطع العلاقات، وهذا يجعلنا نحيد عن ظاهر الكلام إلى أسباب أخرى وهي:
📌 الأول
أن يكون احتمال فشل لقاء بوتين وترامب ضئيلا ومهملا، وأن يكون حل الأزمة الأوكرانية بعيد الخطى صعب المنال، وترامب رجل يحب الاستعراض، فيريد التورية على احتمال فشل اللقاء مع بوتين، بالتوجه نحو شمال إفريقيا ليحل فيه السلام الموجود أصلا، على سبيل الاستعراض، وما لفظ السلام الذي صدر عن ستيف ويتكوف إلا تهيئة للرأي العام العالمي الذي في غالبيته الكثيرة لا يعرف شيئا عما يحدث بين المغرب والجزائر.
📌 الثاني:
أن يكون للأمر علاقة بالإتفاقيات الإبراهيمية، ورغبة من ترامب ومبعوثه الخاص بجعل الجزائر تدخل في هذه الإتفاقيات، خاصة أنها إذا دخلت ستتبعها تونس على الراجح من الأمر، وهذا السبب هو أوهن الأسباب في نظري، ولكنه غير ممتنع.
📌 الثالث:
في آخر زيارة لوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى موسكو ولقائه وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، قال هذا الأخير أن روسيا “مستعدة للمساهمة في تسوية العديد من الأزمات والخلافات بالطرق السلمية” الخاصة بمنطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وروسيا إذا تدخلت في أهم مشكل في شمال إفريقيا وهو الخلاف المغربي الجزائري، فإن هذا سيقوي تواجدها في المنطقة على حساب الولايات المتحدة خصوصا والغرب الجماعي عموما، وسيدعم موقفها في الأزمة الأوكرانية، ويمكن أن يكون جاء كلام ويتكوف ضمن هذا السياق رغبة من الولايات المتحدة في غلق الباب أمام النفوذ الروسي في منطقة شمال إفريقيا، ومنها التضييق عليها في دول الساحل.
👤الرأي الراجح
🗣️يبقى السبب الراجح في نظري هو السبب الثالث، وذلك لما يفرضه سياق الأحداث الذي، فكلامه جاء بعد لقاء لابروف وبوريطة في موسكو.
وقد سبق لي أن عرضت لمسألة التدخل الروسي لحل المشكل المغربي الجزائري، في أكثر من مناسبة، وقلت أن روسيا لو تمكنت من التوفيق بين البلدين فستكون حصلت على مكسب جيوسياسي كبير، وكان أول مقال أعرض فيه لهذا الأمر هو “الاتحاد المغاربي.. مصر.. روسيا والصين” والثاني هو تصريح أعطيته لصحيفة برافدا قبل أيام، قلت فيه: “الاستقطاب العالمي الناتج عن الحرب الروسية-الأوكرانية أتاح لدول شمال إفريقيا فرصة لتحقيق مكاسب اقتصادية وجيوسياسية محددة.
ومع ذلك، التواجد الروسي والصيني في المنطقة ضعيف نسبياً ولا يملك التأثير الفعلي المطلوب.
🗣️لو فتحت إحدى هذه الدول أرضها لتكون منصة للحوار الإقليمي، فإن ذلك قد يسهم في تقريب وجهات النظر حول الخلافات السياسية، ويعيد ترتيب التحالفات الإقليمية، ويقلل النفوذ الأمريكي-الغربي، محولًا المنطقة من مجرد حقل للصراعات إلى لاعب إقليمي قادر على المنافسة على الساحة الدولية.”
الدول العربية والإفريقية.. مفتاح الحسم في الصراع الروسي الغربي بأوكرانيا
الدول العربية والإفريقية، سواء كانت تدرك ذلك أم لا، هي الحاسمة في تحديد مسار الصراع الروسي الغربي في أوكرانيا. ولهذا السبب، تزداد حدة الاستقطاب عليها، وتشتعل نار التوترات بشكل مضاعف.
💡 كيف يحدث ذلك؟
📌 عزل روسيا عالميًا
📌 زيادة تأثير العقوبات على اقتصادها، مما يحشرها في الزاوية
📌 إجبارها على الذهاب الى طاولة المفاوضات تحت ضغط، وهي في حالة من الضعف والاستسلام
ولكن إذا تمكنت روسيا وآلتها الدبلوماسية، من جلب الدول العربية والإفريقية إليها وكسب ثقتها وبناء علاقات جيدة معها، فإن هذا سيجعل روسيا في فسحة من الظروف الاقتصادية، ستتمكن معها من إطالة زمن الحرب، واستنزاف الغرب، فيضطر الغرب بعد ذلك إلى البحث عن طاولة المفاوضات والرضى بكل الشروط الروسية، وهذا الذي تنشده روسيا وترجو تحقيقه من خلال جولتها العربية والإفريقية.
الخلاصة
ويتكوف ليس له غرض في تحقيق السلام بين المغرب والجزائر، كما قال، لأنه لا توجد حرب بين الدولتين في الأصل حتى نتكلم عن سلام، بل إن أكثر المناطق في العالم سلاما هي المغرب والجزائر، لكن لكلامه ظاهرا وباطنا، وباطنه لا يخرج عن الأسباب الثلاثة، والسياق يؤكد السبب الثالث.
📌📌 أبرز النقاط الواردة في المقال
📌 ترامب فشل في إنهاء الحرب الروسية-الأوكرانية، وتصريح ويتكوف قد يكون لتغطية هذا الفشل.
📌 المشكل المغربي-الجزائري أكثر تعقيدًا وتجذرًا من الأزمة الأوكرانية، ولا يمكن حله بسهولة.
📌 تصريحات ويتكوف عن “السلام” تعكس أغراضًا سياسية وخفية أكثر من كونها دعوة حقيقية للسلام.
📌 الأسباب الثلاثة المحتملة: استعراض ترامب، الاتفاقيات الإبراهيمية، والحد من النفوذ الروسي في شمال إفريقيا.
📌 السبب الأكثر ترجيحًا: محاولة واشنطن الحد من توسع النفوذ الروسي بعد لقاء بوريطة-لافروف.
📌 الدول العربية والإفريقية ستكون الحاسمة في ميزان القوى بين الغرب وروسيا، واستقطابها يهم كلا الطرفين.
🧾✍️📰الكاتب أيوب نصر
باحث مغربي متخصص في المذاهب الفكرية والعقائد والاستشراق والشأن الروسي والاوراسي. كاتب للعديد من مقالات ودراسات ، يُعرَف بآرائه النقدية والتحليلية حول القضايا السياسية والثقافية في العالم العربي والإسلامي 



