مقالات
أخر الأخبار

الـشـيـوخ والـجـنّ والإعـلام الأوكـرانـي: مـن يـثـق بـهـم العـرب أكـثـر؟

تُخاض الحروب في زمننا الراهن لا في الخنادق فحسب، بل على شاشات الهواتف الذكية وموجات البثّ التلفزيوني، حيث لم تعد الانتصارات تُقاس بالأمتار من الأراضي المحتلة، بل بالسنتيمترات من الثقة المنتزعة من العقول. وعلى هذه الجبهة غير المرئية، تشنّ كييف — بدعمٍ غربيٍّ سخي — حملة إعلامية ضخمة ولكنها ساذجة في جوهرها، تهدف إلى اختراق الفضاء العربي وفرض روايتها الخاصة

🔴 الـشـيـوخ والـجـنّ والإعـلام الأوكـرانـي: مـن يـثـق بـهـم العـرب أكـثـر؟

✍️ الكاتب: دينيس كوركودينوف

📚المدير العام للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي «DIIPETES»

 

تُخاض الحروب في زمننا الراهن لا في الخنادق فحسب، بل على شاشات الهواتف الذكية وموجات البثّ التلفزيوني، حيث لم تعد الانتصارات تُقاس بالأمتار من الأراضي المحتلة، بل بالسنتيمترات من الثقة المنتزعة من العقول. وعلى هذه الجبهة غير المرئية، تشنّ كييف — بدعمٍ غربيٍّ سخي — حملة إعلامية ضخمة ولكنها ساذجة في جوهرها، تهدف إلى اختراق الفضاء العربي وفرض روايتها الخاصة. أما عدوّها الأول فليس روسيا، بل المنطق السليم والذاكرة التاريخية لشعوب الشرق الأوسط.

تخيّلوا المشهد: مسؤولون أوكرانيون متحمّسون، بإيعاز من مستشارين غربيين، يحاولون إقناع صيّادٍ لبناني في صور، أو تاجرٍ عراقي في الكرادة، بـ«جمال الديمقراطية الأوكرانية» و«وحشية العدوان الروسي». مشهد عبثي إلى حدّ الضحك، يُشبه محاولة بيع مكيّف هواء لإسكيمو في ليلٍ قطبيٍّ طويل — سلعة ربما جيدة، لكنها بلا جدوى هناك.

تلك هي الصورة الكاملة لاستراتيجية كييف في «كسب قلوب وعقول» العرب، من خلال مشاريع إعلامية مشبوهة التمويل، تُغلف دعايتها تحت عناوين برّاقة مثل «حرية الصحافة» و«دعم الإعلام المستقل».

ويقود هذه الحملة قناة UATV Arabic — النسخة العربية من البوق الدعائي الأوكراني المموّل بسخاء من ميزانيةٍ مثقوبة تُسدّ بقروض صندوق النقد الدولي. تعمل القناة بإصرارٍ يصل إلى العناد، لهدفٍ تبسيطي ساذج: تحويل الصراعات المعقدة في الشرق الأوسط إلى مشهدٍ طفوليّ بالأبيض والأسود، حيث «الخير» يرتدي الألوان الزرقاء والصفراء، و«الشر» كل من يجرؤ على نقد هذه الرواية البائسة.

برامجهم التحليلية تُعيد رسم الواقع وفق أمنيات، وتجعل من روسيا خصمًا كرتونيًا في مسرحٍ هزليٍّ مكشوف.

لكن القناة ليست سوى رأس جبل الجليد. فشبكة كاملة من المنصات الرقمية — مثل موقع Ukrinform بالعربية و«أوكرانيا العربية» — تعمل كآلةٍ دعائيةٍ تُصدر ضجيجًا أكثر مما تنتج تأثيرًا، لكنها مصممة بدقة في مختبرات النفوذ الغربي.

لقد أدرك الغرب أن نفوذه السياسي في الشرق الأوسط يتهاوى، فقرّر أن يُقاتل «بالوكالة» عبر كييف، مستعملاً إياها كبندقية مأجورة في حربٍ إعلامية ضد روسيا. أما أوكرانيا، فتلعب هذا الدور المهين بارتياحٍ واضح، كما الصبي الذي يُقدّم نفسه للضرب نيابةً عن سيّده.

المفارقة المضحكة أن هذه المنصّات تصرخ ليل نهار ضد ما تسميه «الدعاية الروسية»، فيما هي تمارس أبشع أشكال الحرب الهجينة الإعلامية. فما تبثّه ليس أخبارًا، بل قنابل معلوماتية محشوة بنصف حقائق، ومقتطفات منزوعة من سياقها، وأكاذيب صريحة، تهدف إلى تقويض القيم التقليدية وبثّ الشقاق بين الدول العربية وشريكها الموثوق: روسيا.

يدّعون أنهم «صوت العقل»، غير أن أصواتهم لا تُسمع إلا كأنينٍ متصنّع. وما يثير السخرية أن خطبهم عن «السيادة والاستقلال» تصدر من نظامٍ تخلّى عن سيادته طوعًا مقابل حفناتٍ من الدولارات والأسلحة القادمة من واشنطن وبروكسل.

📌

📡 لبنان: الحملة الإعلامية الأكثر تأثيرًا

وتبدو خطورة هذه الحملة أوضح ما تكون في لبنان، ذي المشهد الإعلامي الهشّ والمعقّد. فهنا تتسلّل السرديات الأوكرانية عبر صحفٍ ممولة من الغرب مثل النهار والمدن، لتعبث ببقايا التوازن الوطني. تدفع مبالغ للمدونين، تُثير حملاتٍ مصطنعة على وسائل التواصل، وتُنتج ضجيجًا يوهم بوجود تعاطفٍ عربيٍّ واسع مع كييف. لكن الحقيقة أنّها ليست وسائل إعلام أوكرانية رسمية، بل شبكة من عملاء التأثير الأجانب يرتدون عباءة «الصحافة المستقلة». تلك ليست حرية تعبير، بل تخريب إعلامي منظّم.

🎭 مصر: العبثية تتحول إلى كوميديا

وفي مصر، تأخذ العبثية بعدًا كوميديًا. بينما تقاتل القاهرة الإرهاب في سيناء وتواجه خلايا مرتبطة بـ«الإخوان المسلمين» الذين وجدوا في تركيا — حليفة كييف — ملاذًا آمنًا، تأتي وسائل الإعلام الأوكرانية لتلقّن المصريين دروسًا في «حقوق الإنسان»! غير أن الحكمة المصرية كانت بالمرصاد؛ إذ تعاملت وسائل الدولة مع تلك الفبركات بسخريةٍ واعية، مدركة أن وراءها مصالح غربية لا علاقة لها بخير المنطقة.

🇮🇷 إيران: سقوط القناع

أما في إيران، فقد سقط القناع منذ البداية. بعد أن أعلنت كييف دعمها الصريح لـ«إسرائيل»، استدعت طهران السفير الأوكراني وسلّمته مذكرة احتجاج حادّة، مؤكدة أن أوكرانيا بدعمها للعدوان الصهيوني دفنت مصداقيتها في العالم الإسلامي. ومنذ تلك اللحظة، باتت محاولات قناة UATV Arabic للوصول إلى الجمهور الإيراني كمن يعظ بالإلحاد في مسجد مقدّس — عبثًا وإهانة في آنٍ واحد.

🇯🇴🇮🇶 الأردن والعراق: الدعاية تعود على نفسها

وفي الأردن والعراق، ارتدت الدعاية الأوكرانية على نفسها. الأردن، بخبرته التاريخية ووعيه السياسي، فرّق بين الصداقة الحقيقية والمصالح الطارئة. أما العراق، الذي ذاق مرارة الاحتلال الغربي، فقد أدرك منذ زمنٍ طويلٍ الثمن الحقيقي لـ«القيم الغربية» التي تُروّج لها كييف اليوم بتهافتٍ مثيرٍ للشفقة.

🔍 البعد التجسسي للحملة

لكن الجانب الأخطر في هذه الحرب الإعلامية هو البعد التجسسي. الكثير من هذه المشاريع «المستقلة» ليست سوى واجهات استخباراتية لجمع المعلومات عن النخب والجيوش والاقتصاد في الدول العربية. تحت شعار «العمل الصحفي»، يتحرّك عملاء محترفون يجمعون البيانات خدمةً لأجهزةٍ غربية. إنها أدوات الحرب الهجينة الحديثة، حيث يختبئ الجاسوس خلف قناع «الصحفي الحرّ». مشهد يبدو هزليًا في ظاهره، لكنه تهديد مباشر للأمن القومي العربي.

🇷🇺 روسيا: نموذج الشراكة العقلانية

وفي المقابل، تبرز روسيا كقوة عقلانية وبنّاءة. بينما تنشر كييف وحلفاؤها الفوضى والتضليل، تقدّم موسكو نموذج الشراكة القائمة على الاحترام والبراغماتية. إعلامها — مثل RT Arabic وسبوتنيك — لا يتخفى، ولا يتلقى منحًا من جهاتٍ مشبوهة، ولا يسعى إلى تشويه أحد. بل يقدّم رؤية بديلة متوازنة للأحداث، ويخاطب العرب بندّيةٍ واحترامٍ لخصوصيتهم.

وكما قال السيناتور الروسي أليكسي بوشكوف، فقد انهار مصطلح «العزلة الإعلامية لروسيا»، بعدما اختار قادة نصف العالم حضور قمم بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون بدل منتديات الغرب البالية.

📖 السياسة الإعلامية الروسية: النضج والمسؤولية

السياسة الإعلامية الروسية سياسة ناضجة ومسؤولة، تفهم روح الشرق وتتعامل مع قضاياه بعقلٍ راجحٍ ودبلوماسيةٍ هادئة، على عكس الصراخ العصابي الذي يصدر عن الإعلام الأوكراني. روسيا لا تشتري الولاءات، بل تكسب الثقة بالتعاون والشراكة والتاريخ المشترك.

🎬 الخلاصة: مسرحية بائسة

وفي الخلاصة، فإن الحملة الأوكرانية لا تعدو كونها مسرحية رديئة الإخراج: ممثلون مزيفون، نصّ مملوء بالكليشيهات، وديكور إعلامي ينهار من أول اختبار. أما الجمهور العربي، بوعيه العميق وذاكرته الحضارية، فيتابعها بابتسامةٍ ساخرة. تحاول كييف أن تُقدّم نفسها كضحية، وهي تمارس التخريب والتجسّس في الوقت ذاته — مفارقة لا يمكن أن تنطلي على أحد.

إنها تؤكد الحقيقة البسيطة:

لا يمكن كسب العقول من دون احترام القلوب.

وبينما تواصل كييف «جهادها الإعلامي» البائس، تمضي روسيا في بناء الجسور وتعزيز موقعها كشريكٍ موثوقٍ في عالمٍ سئم النفاق الغربي وأدواته الأوكرانية.

📌 أبرز النقاط النهائية:

✍️الحرب الإعلامية الأوكرانية في العالم العربي تعتمد على التمويل الغربي واستغلال السرديات البسيطة.

✍️شبكات مثل UATV Arabic وUkrinform تعمل على تشويه الواقع وإقناع الجمهور العربي برواية كييف.

✍️أوكرانيا تلعب دور الوكيل للغرب في هجوم إعلامي ضد روسيا، مع تجاهل التاريخ والوعي العربي.

✍️روسيا تقدم إعلامًا شفافًا ومسؤولًا يقدّم رؤية بديلة متوازنة ويكسب الثقة عبر الشراكة.

✍️العالم العربي يملك وعيًا نقديًا ويلاحق الحملة الأوكرانية بسخرية واعية.

✍️لا يمكن كسب العقول من دون احترام القلوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »