د. ماجد الشويلي لـ Pravda TV يكشف: هل يتحوّل صمود غزة إلى نصر في صراعات غير متكافئة؟
لا يقتصر صراعُنا مع قوى الاستكبار العالمي على المواجهات الآنية أو الحروب العسكرية، ولا يقف عند حدود المقاييس التقليدية في تحديد النصر أو الهزيمة، بل يتخطّى ذلك كلّه ليستحوذ على كلِّ حيثيات وجزئيات هذا الصراع؛ صراعٍ تتشابك فيه المفاهيم، وتنعكس على منظومة القيم والمعارف والإدراك البشري.

د. ماجد الشويلي لـ Pravda TV يكشف: هل يتحوّل صمود غزة إلى نصر في صراعات غير متكافئة؟
إشكالية للنقاش:
في النزاعات غير المتكافئة، كيف يمكن تعريف “النصر”؟
هل يُقاس بالسيطرة الميدانية والخسائر المادية، أم بالقدرة على الصمود والردع وحماية المدنيين؟
في هذا السياق، هل يمكن لغزة أن تُعتبر منتصرة إذا نجحت في الحفاظ على كرامة المدنيين وردع العدوان، رغم الأضرار المادية والخسائر البشرية؟
د. ماجد الشويلي
أستاذ القانون الدولي الخاص – بغداد
لا يقتصر صراعُنا مع قوى الاستكبار العالمي على المواجهات الآنية أو الحروب العسكرية، ولا يقف عند حدود المقاييس التقليدية في تحديد النصر أو الهزيمة، بل يتخطّى ذلك كلّه ليستحوذ على كلِّ حيثيات وجزئيات هذا الصراع؛ صراعٍ تتشابك فيه المفاهيم، وتنعكس على منظومة القيم والمعارف والإدراك البشري.
فحرب غزة – وإن بدت بظاهرها خاضعةً للمعايير العسكرية التقليدية – إلا أنّها في حقيقتها انعكاسٌ وتجسيدٌ لحربٍ ضروس، ناجمة عن عمق الخلافات والتقاطعات الفكرية والعقلية بين معسكر الحق ومعسكر الباطل.
ولذلك فإنّ تحديد معنى النصر ومفهومه عندنا يختلف جذريًّا عن فهم قوى الشرّ له، وعليه فإنّنا لا نحاكم نتائج هذه الحرب وفق المعايير المألوفة، بقدر ما نحكم عليها بما تستبطنه من مضامين تصوّب منهجيتنا في التفكير، وتنسجم مع فهمنا للحياة، بما يعزز قيمنا في أنفسنا وعند أمّتنا.
ومن هنا نُجزم جزمًا قاطعًا أنّ غزّة قد انتصرت انتصارًا مذهلًا، حتى لو اعتمدنا المعايير المادية لتحديد النصر، فإنّ غزّة أيضًا قد حقّقتها وانتصرت.
إننا نقرّ في الوقت نفسه بأنّ حربنا مع الصهاينة ومن خلفهم قوى الاستكبار العالمي لم تكن حربًا متكافئة، وهذا صحيح؛ فلا وجه للمقارنة بين ما تملكه إسرائيل وما تملكه حماس والمقاومة الفلسطينية على جميع الصعد.
ومع ذلك، فبمجرد أن عجزت آلة الحرب الصهيونية–الأمريكية الفتّاكة عن تحقيق هدفها في احتلال غزّة أو تهجير أهلها، فإنّ إسرائيل قد هُزِمت. وبمجرد أن اضطُرّت للتفاوض مع حماس لإنهاء الحرب، فإنّ حماس قد انتصرت. وبمجرد أن نجحت المبادرة الأمريكية بموافقة حماس، فذلك يعني أنّ المقاومة قد فرضت شروطها، وتمكّنت من منع العدوّ عن تحقيق أهدافه، وهذا بحدّ ذاته نصرٌ كبير.
إنّ غزّة لم تصمد فحسب، بل جعلت إسرائيل تفقد القدرة على الحسم السريع، وعرّضت استراتيجيتها للارتباك والضبابية، وتمكنت من تحميل حلفائها أعباءً اقتصاديةً وأمنيةً خطيرة في الملاحة الدولية ومواقع انتشار قواعدهم العسكرية.
وأصبحت مصالح أمريكا والغرب تحت رحمة أنصار الله في باب المندب، وأدرك الغرب – الذي كان يرى في الوجود الإسرائيلي عنصرَ قوةٍ له في المنطقة – أنّ هذا الوجود تحوّل إلى عبءٍ ثقيلٍ عليه.
وهذا يُفسّر جانبًا من الإقبال الأوروبي المتزايد على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وكان خير شاهدٍ على ذلك إعلان ترامب لمبادرة السلام وفرضها على نتنياهو.
ورغم كلّ الويلات التي صبّت على شعب غزّة، والتي لم يعرف لها التاريخ مثيلًا، فإنّ هذا الشعب لم ينقلب على مقاومته، ولم يتبرّأ منها، بل على العكس، ازدادت جماهيريّتها رسوخًا.
لقد تمكّنت المقاومة الفلسطينية من إلحاق هزيمةٍ نفسيةٍ كبرى بإسرائيل – جيشًا وشعبًا –، وحطّمت صورتها النمطية التي غرسها الإعلام في العقل العربي والغربي. واستمرّت المقاومة حتى آخر لحظة وهي تمتلك توازن الرعب، وتتكيف مع مقتضياته.
لقد حطّمت المقاومة السردية الإسرائيلية القائمة على “الهولوكوست”، ووجدت صدىً فكريًّا وأخلاقيًّا واسعًا في ضمائر الشعوب كافة.
وتمكّنت المقاومة من إحداث تغييراتٍ جيوسياسيةٍ كبرى في معادلة الصراع، فللمرة الأولى تدخل حرب المياه على خط المواجهة مع إسرائيل، وتدخل حسابات السيطرة على الممرات المائية ضمن استراتيجيات الردع.
وللمرة الأولى تُضرَب إسرائيل من دولةٍ خارج دول الطوق، بل من خارج المنظومة العربية، من إيران تحديدًا.
كما تمكّنت المقاومة من تحريك سياقات النظام الدولي، وأحدثت رجّةً عنيفةً في الخرائط الجيوسياسية، دفعت العالم إلى حافة الحرب العالمية.
نعم، كانت القضية الفلسطينية على هامش الاهتمام العالمي، فإذا بها اليوم تتصدّر المشهد السياسي الأممي.
وبمجرّد أن شعرت إسرائيل للمرة الأولى منذ تأسيسها بـ التهديد الوجودي الحقيقي، فإنّ المقاومة قد انتصرت. نعم، وللمرة الأولى تُقصَف تل أبيب حتى كادت أن تصبح حُطامًا تحت وطأة الصواريخ الإيرانية، وهي المرة الأولى التي يُقصَف فيها منزل رئيس الوزراء الصهيوني نفسه.
لقد انتصرت غزّة لأنها بقيت غزّة المقاومة، وستظل كذلك، ولن تكون “ريفيرا الشرق”. انتصرت لأنها لم تستسلم، بل تفوقت في إدارة الحرب، وانتصرَت لأنها أجبرت أقوى دولةٍ في العالم على التفاوض معها بعد عامين من حرب الإبادة ضدّها.
إنّ غزّة المقاومة انتصرت بكل المعاني والمقاييس، وبكل الأبعاد التي ينطوي عليها مفهوم النصر الحقيقي.
<
أبرز نقاط المقال
عن الكاتب
د. ماجد الشويلي – أستاذ القانون الدولي الخاص – بغداد.
- 📌النصر في النزاعات غير المتكافئة لا يُقاس بالمعايير العسكرية التقليدية فقط.
- 📌غزّة صمدت أمام قوة إسرائيلية–أمريكية هائلة، وفرضت شروطها في الحرب.
- 📌المقاومة الفلسطينية حققت هزيمة نفسية كبرى لإسرائيل وأعادت تشكيل صورة الصراع في الإعلام الدولي.
- 📌حرب غزّة أثرت على الاستراتيجيات العسكرية والاقتصادية لدول الغرب وأجبرتهم على مراجعة سياساتهم تجاه القضية الفلسطينية.
- 📌دخول عوامل جديدة مثل حرب المياه والتدخل الإيراني أعطى أبعادًا جديدة للردع والمواجهة.
- 📌صمود غزّة عزز مكانة القضية الفلسطينية على الساحة السياسية الأممية بعد أن كانت هامشية.




