مقالات
أخر الأخبار

ترامب والقيادات العربية: تحالف الضرورة أم مسرحية سياسية جديدة؟

تطرح القمة التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع ثمانية من القادة العرب والمسلمين في نيويورك سؤالًا محوريًا: هل نحن أمام تحالف ضرورة تفرضه معادلات القوة والابتزاز السياسي الأميركي، أم مجرد مسرحية سياسية جديدة تهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي وتلميع صورة واشنطن في المنطقة؟

ترامب والقيادات العربية: تحالف الضرورة أم مسرحية سياسية جديدة؟

✍️📰البروفيسور حكيم غريب
الخبير في الشؤون الاستراتيجية والأمنية الجزائر

تطرح القمة التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع ثمانية من القادة العرب والمسلمين في نيويورك سؤالًا محوريًا: هل نحن أمام تحالف ضرورة تفرضه معادلات القوة والابتزاز السياسي الأميركي، أم مجرد مسرحية سياسية جديدة تهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي وتلميع صورة واشنطن في المنطقة؟

 

فالبيان المشترك تحدث عن “سلام عادل ودائم” و”وقف الحرب على غزة”، في الوقت الذي كانت فيه الطائرات الإسرائيلية تواصل قصفها للملاجئ والمستشفيات، تحت عين وبصر الإدارة الأميركية.

 

هذا التناقض يفتح الباب أمام قراءة أعمق: إلى أي مدى يمكن للوعود الأميركية أن تتحول إلى التزامات حقيقية، أم أن الأمر لا يعدو كونه إعادة إنتاج للعبة قديمة، تُدار فيها الأزمات بمهارة المسرح السياسي لا بعقلانية التحالفات الاستراتيجية؟

 

القمة في شكلها العلني قد تبدو مساحة لتوحيد المواقف، لكنها في جوهرها تكشف هشاشة الخيارات العربية، إذ لم تخرج عن دائرة التبعية للبيت الأبيض، الذي يواصل استخدام لغة مزدوجة:

خطاب إنساني أمام الكاميرات، وقرارات سياسية تصب في مصلحة إسرائيل خلف الكواليس. من هنا ينبع التساؤل: هل كان حضور الزعماء العرب فعلًا ضرورة تفرضها التوازنات الدولية، أم أنهم شاركوا في مشهدٍ مسرحي بُني بعناية لإطالة أمد الأزمة وتزييف صورة “السلام” الموعود؟

 

 

المحور الأول: منطق تحالف الضرورة – حسابات الأمن والسياسة

في نظر كثير من العواصم العربية والإسلامية، المشاركة في قمة نيويورك مع ترامب لم تكن خيارًا حرًّا بقدر ما كانت ضرورة سياسية وأمنية تفرضها معادلات معقدة. فالعالم العربي يعيش تحت ضغط أزمات متشابكة:

حرب غزة المستمرة، تهديدات التمدد الإسرائيلي بضم الضفة الغربية، هشاشة اقتصادات مثقلة بالديون، وتصاعد التنافس الإقليمي بين قوى كبرى كإيران وتركيا. في ظل هذا المشهد، بدا الانخراط في لقاء مع الرئيس الأميركي أشبه بمحاولة للحفاظ على “خطوط الأمان” مع واشنطن، باعتبارها اللاعب الأقدر على التحكم في موازين القوة بالمنطقة .

من زاوية أمنية، تدرك بعض الدول العربية أن مواجهة إسرائيل عسكريًا أو حتى دبلوماسيًا بشكل مباشر قد تجر عليها ضغوطًا وعقوبات أميركية قاسية، فضلًا عن احتمال زعزعة استقرارها الداخلي.

لذا فإن الجلوس إلى طاولة ترامب يُقرأ باعتباره تحالف ضرورة لتفادي التصعيد، أو على الأقل لتأمين تعهدات أميركية – ولو لفظية – بوقف بعض خطوات الاحتلال الأكثر خطورة مثل التلويح بضم الضفة الغربية .

أما من منظور السياسة الواقعية، فإن هذا التحالف يمنح القادة العرب فرصة لإظهار حضورهم الدولي كـ”شركاء في صناعة القرار”، حتى لو كان دورهم الفعلي محدودًا. فالأنظمة السياسية العربية تبحث دائمًا عن الشرعية الخارجية لتعزيز موقعها في الداخل، ولا تجد مظلة أوسع من الغطاء الأميركي.

وبذلك، يتحول التحالف مع واشنطن إلى ورقة توازن داخلي بقدر ما هو خيار استراتيجي خارجي .
لكن هذه الحسابات، على الرغم من وجاهتها في سياق توازن القوى الراهن،تطرح سؤالًا خطيرًا: هل تحالف الضرورة هذا يفتح الباب أمام حلول حقيقية، أم أنه مجرد تكتيك قصير الأمد يُبقي المنطقة في دائرة التبعية ويؤجل الانفجار إلى جولات جديدة؟

 

المحور الثاني: المسرحية السياسية – بين الوهم الدبلوماسي وواقع الدم في غزة

إذا كان البعض يرى في قمة نيويورك “تحالف ضرورة”، فإنها في أعين أخرى لا تتجاوز كونها مسرحية سياسية جديدة صُمّمت لإدارة الانطباعات لا لتغيير الحقائق. فبينما تُصاغ البيانات المشتركة بلغة السلام والإنسانية، يستمر على الأرض مشهد مغاير تمامًا: قصف يومي على غزة، آلاف الشهداء والجرحى، وتهجير قسري يذكّر بنكبات الماضي.

 

التناقض الصارخ في القمة

هذا التناقض الصارخ يجعل من القمة مجرد ستار دبلوماسي لإخفاء فشل المجتمع الدولي وعجزه عن وقف نزيف الدم.

المسرحية تتضح ملامحها في ازدواجية الخطاب الأميركي: أمام الكاميرات، يُعلن ترامب رفضه لسياسات الضم وحرصه على “سلام عادل”، لكن خلف الكواليس يستمر تدفق السلاح والتمويل لإسرائيل، وتُمنح لها تغطية سياسية واسعة داخل مجلس الأمن.

وبذلك، يتحول الحضور العربي إلى جزء من مشهدية مُعدّة سلفًا، حيث يظهر القادة كأنهم “شركاء” في صناعة القرار، بينما في الواقع يُستخدم وجودهم لإضفاء شرعية زائفة على استمرار السياسة الأميركية نفسها.

 

على الجانب الآخر، لم يخرج الموقف العربي من دائرة البيانات المكررة التي تكتفي بالتنديد اللفظي دون أدوات ضغط ملموسة. وهنا تتجلى حبكة المسرحية:

واشنطن تُمسك بخيوط النص، إسرائيل تنفذ مشاهد العنف على الأرض، والعرب يكتفون بدور الممثلين الثانويين الذين يكررون العبارات المألوفة. النتيجة هي استمرار المأساة وتكريس صورة “السلام المؤجل”، فيما يتصاعد الإحباط الشعبي وتتعاظم الفجوة بين الشارع العربي وحكوماته .

إن قمة نيويورك بهذا المعنى لم تكن خطوة نحو حل حقيقي، بل كانت فصلًا جديدًا في مسرحية طويلة، يُراد لها أن تُخدّر الضمير العالمي وتطيل أمد النزيف الفلسطيني، تحت عنوانٍ عريض: سلام الوهم .

 

إن قمة نيويورك بهذا المعنى لم تكن خطوة نحو حل حقيقي، بل كانت فصلًا جديدًا في مسرحية طويلة، يُراد لها أن تُخدّر الضمير العالمي وتطيل أمد النزيف الفلسطيني، تحت عنوانٍ عريض: سلام الوهم.

 

 

المحور الثالث: حدود الدور العربي بين العجز والتبعية

تكشف قمة نيويورك عن حدود الدور العربي في التعامل مع القضية الفلسطينية، وهو دور يتأرجح منذ عقود بين العجز البنيوي والتبعية السياسية للولايات المتحدة.

فبدل أن تكون القمم منصة لتشكيل موقف مستقل قادر على فرض إرادة جماعية، تتحول غالبًا إلى مناسبة لإعادة إنتاج بيانات مألوفة تفتقد لأي قوة إلزامية، وكأن الهدف منها إبراء الذمة أمام الرأي العام أكثر من كونه صياغة استراتيجية فعلية .

 

العجز العربي أمام الانحياز الأميركي

⚠️ العجز يظهر أولًا في غياب الأدوات الفاعلة: فلا مقاطعة اقتصادية تُستخدم كورقة ضغط، ولا تحالف دبلوماسي قادر على مواجهة الانحياز الأميركي في مجلس الأمن، ولا حتى توافق داخلي يُبلور رؤية مشتركة.

💡 هذا الفراغ جعل إسرائيل تدرك: أن العرب، مهما ارتفع صوت إدانتهم، لن يتجاوزوا حدود التصريحات. وهو ما يفسر جرأة الاحتلال على التهديد بضم الضفة الغربية دون خشية رد فعل حقيقي.

 

 

أما التبعية، فهي الوجه الثاني للمأساة. إذ اختارت معظم الأنظمة العربية أن تضع رهاناتها الكبرى في سلة البيت الأبيض، معتقدة أن البقاء تحت المظلة الأميركية هو الضمانة الوحيدة للأمن والاستقرار الداخلي. لكن هذه التبعية لم تجلب سوى مزيد من الضعف الاستراتيجي، حيث تحولت المبادرات العربية نفسها إلى مجرد ملحقات في المسرح الأميركي، تُستدعى حين تحتاج واشنطن إلى غطاء سياسي، وتُهمل حين تتعارض مع أولوياتها .

 

إن حدود الدور العربي بهذا الشكل تجعل من أي قمة – مثل قمة نيويورك – مجرد حلقة مفرغة:

  • حضور بلا تأثير.
  • خطاب بلا فعل.
  • تبعية تعيد إنتاج العجز.

وهو ما يفرض تساؤلًا ملحًا: هل يمكن للعرب أن يتحرروا من هذه الحلقة المفرغة ويعيدوا صياغة استراتيجياتهم بأدواتهم الخاصة، أم سيبقون أسرى دور ثانوي في مشهد يُكتب نصه خارج حدودهم؟

 

الخاتمة

تكشف قمة نيويورك، بما حملته من وعود أميركية وتصريحات عربية، عن معادلة مأزومة: عربٌ عالقون بين العجز والتبعية، وواشنطن التي تتقن لعبة المسرح السياسي أكثر من صناعة السلام الحقيقي.

فالتحالف مع الولايات المتحدة قد يُقدَّم كضرورة لحماية الأنظمة وتفادي الضغوط، لكنه في جوهره لا يفضي إلا إلى إطالة عمر الأزمة الفلسطينية وتعميق المأساة في غزة والضفة .
بالنسبة للعرب، الرسالة واضحة إن استمرار الارتهان للبيت الأبيض يعني المزيد من فقدان القدرة على التأثير، وتحوّل القمم إلى طقوس خطابية لا تغيّر شيئًا من معادلات القوة.

 

لقد حان الوقت لإدراك أن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تظل ورقة بيد واشنطن، بل يجب أن تتحول إلى مشروع عربي–إسلامي مستقل يُبنى على تحالفات واقعية وأدوات ضغط حقيقية، سياسية واقتصادية ودبلوماسية.

أما بالنسبة لأميركا، فإن استمرار ازدواجية الخطاب – بين تبنّي لغة السلام من جهة، وتوفير الغطاء الكامل لإسرائيل من جهة أخرى – لن يمر دون ثمن. فصورة “الوسيط النزيه” قد تآكلت إلى حد بعيد، ومع كل مجزرة في غزة وكل تهديد بضم جديد في الضفة، يتضح أن واشنطن تفقد ما تبقّى من شرعية أخلاقية أمام شعوب المنطقة والعالم.

وعاجلًا أم آجلًا، ستكتشف الإدارة الأميركية أن حماية مصالحها لن تتحقق عبر الانحياز الأعمى لإسرائيل، بل عبر صياغة سلام عادل يضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية ويعيد التوازن إلى علاقاتها مع العالمين العربي والإسلامي .

إن قمة نيويورك كانت فصلًا جديدًا في مسرحية طويلة، لكن فصول المستقبل لم تُكتب بعد. وكتابتها لن تكون بيد واشنطن وحدها، بل بقدرة العرب على التحرر من الرهان الخاسر وإعادة صياغة مصيرهم بأيديهم، قبل أن يطويهم التاريخ في خانة “المتفرجين” على مآسي أوطانهم

 

✍️📰البروفيسور حكيم غريب

الخبير في الشؤون الاستراتيجية والأمنية – الجزائر

تعرف أكثر على الكاتب

أبرز نقاط المقال:

📌القمة الأميركية–العربية في نيويورك: تحالف ضرورة أم مسرحية سياسية؟

📌التناقض بين الخطاب الأميركي العلني والسياسات الواقعية تجاه غزة وفلسطين.

📌المسرحية السياسية: البيانات المشتركة لا تنعكس على أرض الواقع.

📌حدود الدور العربي: العجز والتبعية أمام السياسات الأميركية.

📌ضرورة إعادة صياغة المشروع الفلسطيني عربي–إسلامي مستقل بأدوات ضغط حقيقية.

📌ازدواجية الخطاب الأميركي: بين السلام الظاهر والغطاء الكامل لإسرائيل.

تطرح القمة التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع ثمانية من القادة العرب والمسلمين في نيويورك سؤالًا محوريًا: هل نحن أمام تحالف ضرورة تفرضه معادلات القوة والابتزاز السياسي الأميركي، أم مجرد مسرحية سياسية جديدة تهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي وتلميع صورة واشنطن في المنطقة؟

فالبيان المشترك تحدث عن “سلام عادل ودائم” و”وقف الحرب على غزة”، في الوقت الذي كانت فيه الطائرات الإسرائيلية تواصل قصفها للملاجئ والمستشفيات، تحت عين وبصر الإدارة الأميركية.

هذا التناقض يفتح الباب أمام قراءة أعمق: إلى أي مدى يمكن للوعود الأميركية أن تتحول إلى التزامات حقيقية، أم أن الأمر لا يعدو كونه إعادة إنتاج للعبة قديمة، تُدار فيها الأزمات بمهارة المسرح السياسي لا بعقلانية التحالفات الاستراتيجية؟

القمة في شكلها العلني قد تبدو مساحة لتوحيد المواقف، لكنها في جوهرها تكشف هشاشة الخيارات العربية، إذ لم تخرج عن دائرة التبعية للبيت الأبيض، الذي يواصل استخدام لغة مزدوجة: خطاب إنساني أمام الكاميرات، وقرارات سياسية تصب في مصلحة إسرائيل خلف الكواليس.

المحور الأول: منطق تحالف الضرورة – حسابات الأمن والسياسة

في نظر كثير من العواصم العربية والإسلامية، المشاركة في قمة نيويورك مع ترامب لم تكن خيارًا حرًّا بقدر ما كانت ضرورة سياسية وأمنية تفرضها معادلات معقدة…

روابط مفيدة ومرتبطة بالواقع:

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »