قصف الدوحة: خطيئة اللعب مع الكبار… وبداية طريق القاهرة
لم تكن الانفجارات التي هزت الدوحة اليوم مجرد غارة جوية، بل كانت صوت انهيار المسرح بأكمله، وسقوط الستار على آخر فصول المسرحية الكبرى التي أتقنها الساحر القطري لعقود... لقد انتهت اللعبة.

قصف الدوحة: خطيئة اللعب مع الكبار… وبداية طريق القاهرة
📰📰✍🏻كتب مشتـاق هاشم العلوي
لم تكن الانفجارات التي هزت الدوحة اليوم مجرد غارة جوية، بل كانت صوت انهيار المسرح بأكمله، وسقوط الستار على آخر فصول المسرحية الكبرى التي أتقنها الساحر القطري لعقود… لقد انتهت اللعبة.
من يقرأ التاريخ بين السطور، ومن يقلب صفحات كتب مثل “ملف العلاقات السرية” الذي كشف المستور، يدرك أن هذا اليوم لم يكن مفاجأة، بل كان نبوءة قديمة تنتظر أوانها. نبوءة تقول إن من يبني قصره على حبال متناقضة، سينتهي به الأمر مشنوقًا بنفس الحبال.
لقد بنت قطر سياستها على معجزة مستحيلة: أن تكون القدس وتل أبيب في آن واحد. أن تكون المنبر الإعلامي الذي يلهب مشاعر الجماهير ضد إسرائيل نهارًا، والممر السري الذي يصافح قادتها ليلًا. أن تكون المأوى الدافئ لقيادة حماس، وفي نفس الوقت الحليف المطيع الذي يستضيف أكبر قاعدة أمريكية تحمي أمن إسرائيل..!
كانت قطر تظن أنها “بوليصة تأمين” ذكية، بينما كانت في الحقيقة “بوليصة انتحار” مؤجلة. كانت تبرر لإسرائيل وجود حماس على أرضها بالقول: “نحن نروضهم لكم”. وتبرر لحماس علاقتها بإسرائيل بالقول: “نحن نحميكم من غدرهم”. كانت تلعب دور “الوسيط” النبيل، بينما كانت في الحقيقة “موزع الورق” على طاولة قمار شيطانية، تظن أن اللعبة ستستمر إلى الأبد..!
لكن، في الحروب الوجودية، لا مكان للوسطاء. وفي لحظة الحقيقة يتحول “المضيف” إلى “شريك”، ويتحول “المأوى” إلى “هدف”…. وهذا ما حدث اليوم.
لقد قررت إسرائيل، بعد أن استنفدت كل أدوار الساحر، أن اللعبة لم تعد مسلية. قررت أنها لم تعد بحاجة إلى وسيط، بقدر حاجتها إلى كبش فداء. لم تعد بحاجة إلى قناة خلفية، لكنها بحاجة إلى رسالة دموية تقول للعالم: “لقد انتهى زمن اللعب المزدوج”. فسقطت القذائف على الدوحة، ليس الهدف منها قتل أفراد، بل قتل “دور”. لقتل فكرة أن دولة صغيرة يمكنها أن ترقص على رؤوس كل الثعابين دون أن تلدغ.
ما نشهده ليس مجرد عدوان على قطر، بل هو إعلان عن موت “السيـاسة القطرية” التي عرفناها. ماتت فكرة “الوسيط النزيه”، وماتت أسطورة “الحصانة الدبلوماسية”. واليوم، تُرك الساحر وحيدًا في منتصف المسرح، بعد أن انقلب عليه الجميع، وأدرك متأخرًا أن الخدعة التي أتقنها على العالم، كانت أكبر خدعة مارسها على نفسه.
السؤال اليوم لم يعد: كيف تم إستهداف قطر؟ بل السؤال: كيف ستنجو الرياض والقاهرة وأبوظبي وبقية العواصم من نفس المصير..؟ إن وهم الحماية الأجنبية قد تبخر، وأسطورة الصداقة مع العدو قد تحطمت، ومشاريع الطوائف الشيعية والإخوان قد أثبتت أنها ليست إلا معاول هدم في جدار الأمة.
لم يبقَ أمامنا إلا طريق واحد، وعرٌ وشاق، ولكنه الوحيد الذي يضمن البقاء: “طريق العودة إلى الذات”. العودة إلى فكرة أن أمن القاهرة هو أمن الرياض، وأن استقرار أبوظبي هو قوة عمّـان، وأن قوة الجيش المصري ليست درعًا لمصر وحدها، بل هي السور الأخير الذي يحمي الأمة بأكملها من السقوط.
لقد آن الأوان لدفن أحقاد الماضي الصغيرة، وتجاوز خلافات الحدود المصطنعة. آن الأوان لتفريغ الخزائن ليس في بنوك الغرب الذي يخذلنا، بل في مصانع السلاح التي تبني قوتنا. آن الأوان لتوجيه الطاقات ليس لمنافسة بعضنا البعض، بل لتشكيل خط دفاع عربي مشترك، قلبه القاهرة، وعمقه الرياض، وجناحاه بقية العواصم الحرة….. فالتاريخ لا يرحم أمةً قررت أن تموت متفرقة.



