مقالات
أخر الأخبار

التوتر بين روسيا الاتحادية وأوروبا: قراءة الباحث إدريس أحميد

تشهد العلاقات بين روسيا والدول الأوروبية تصاعدًا غير مسبوق في التوتر خلال السنوات الأخيرة، وصل إلى حد القطيعة في كثير من الملفات. وإذا كان اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 هو الشرارة المباشرة، فإن جذور الأزمة أعمق بكثير، إذ ترتبط بصراع طويل على النفوذ والطاقة والأمن، يهدد اليوم بإعادة رسم ملامح النظام الدولي.

التوتر بين روسيا الاتحادية وأوروبا: قراءة الباحث إدريس أحميد

✍️ الباحث إدريس أحميد – كاتب وباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي

تشهد العلاقات بين روسيا والدول الأوروبية تصاعدًا غير مسبوق في التوتر خلال السنوات الأخيرة، وصل إلى حد القطيعة في كثير من الملفات. وإذا كان اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 هو الشرارة المباشرة، فإن جذور الأزمة أعمق بكثير، إذ ترتبط بصراع طويل على النفوذ والطاقة والأمن، يهدد اليوم بإعادة رسم ملامح النظام الدولي.

💶 اقتصاد مرتبك ودعم متعثر

لم تفلح المليارات التي أنفقها الاتحاد الأوروبي لدعم أوكرانيا في تغيير مسار الحرب بشكل حاسم. بل على العكس، انعكست الأزمة على الداخل الأوروبي بأزمات اقتصادية متلاحقة؛ من ارتفاع أسعار الطاقة إلى تباطؤ النمو وزيادة الضغوط الاجتماعية.

هذه التداعيات فتحت الباب أمام دول مثل المجر وسلوفاكيا لمعارضة استمرار العقوبات على موسكو، نظرًا لارتباطها التاريخي والاقتصادي بها. وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مدى قدرة أوروبا على الصمود طويلًا في مواجهة استنزاف اقتصادي لا يبدو أن نهايته قريبة.

🌏 التحالف الروسي – الصيني.. مصدر قلق مضاعف

في موازاة ذلك، عززت روسيا تحالفها مع الصين، ليشمل الطاقة والتجارة وحتى التنسيق السياسي في المحافل الدولية. هذا التقارب منح موسكو متنفسًا اقتصاديًا وسياسيًا، ووفّر لها بديلًا عن الأسواق الأوروبية.

الأوروبيون ينظرون إلى هذا التحالف باعتباره تحديًا استراتيجيًا مضاعفًا، إذ يهدد بتشكيل محور دولي جديد يضعف نفوذ الغرب، ويعزز قدرة روسيا على مواصلة سياساتها التي يصفها الأوروبيون بـ”التوسعية”.

🇬🇧 بريطانيا.. عداء تقليدي متجدد

المملكة المتحدة كانت دائمًا في طليعة المواجهة مع روسيا. فمنذ القرن التاسع عشر، حملت لندن عداءً تاريخيًا لموسكو، واستمر ذلك بعد الحرب الباردة.

مع خروجها من الاتحاد الأوروبي، وجدت بريطانيا في الأزمة الأوكرانية فرصة لتأكيد دورها كذراع قوية للناتو، عبر مواقف متشددة واتهامات مباشرة لموسكو. ويصف مراقبون هذا السلوك بأنه استمرار لسياسات بريطانية “خبيثة” اعتادت الاستثمار في الأزمات الدولية لتعزيز نفوذها.

🇩🇪 ألمانيا.. من شريك إلى رأس الحربة

لم تكن أي دولة أوروبية أقرب إلى موسكو مثل ألمانيا في عهد أنجيلا ميركل، حيث جمعت بينهما مشاريع اقتصادية كبرى أبرزها خط “نورد ستريم” لنقل الغاز.

غير أن اندلاع الحرب في أوكرانيا قلب المعادلة رأسًا على عقب؛ إذ تحولت برلين إلى رأس الحربة الأوروبية في فرض العقوبات ودعم كييف عسكريًا واقتصاديًا. هذا التحول أثار تساؤلات حول ما إذا كان تحولًا استراتيجيًا دائمًا أم مجرد رد فعل ظرفي مع ضغوط الداخل.

🇫🇷 فرنسا.. بين التشدد والتهدئة

الموقف الفرنسي بدا أكثر تذبذبًا. فتارة تتبنى باريس خطابًا متشددًا ضد موسكو، وتارة أخرى تطرح دعوات للتهدئة والحوار.

هذا التردد يرتبط بتمدد النفوذ الروسي في إفريقيا، خاصة في مناطق الساحل ومالي والنيجر، حيث ترى باريس أن مصالحها التاريخية تتعرض لتحدٍ مباشر. بالنسبة لفرنسا، فإن المواجهة مع روسيا ليست مسألة أوكرانيا فقط، بل صراع على مناطق نفوذ استراتيجية تمثل عمقها الجنوبي.

🛡️ أوروبا وأمريكا.. تحالف على المحك

التحدي الروسي أعاد تقريب المسافة بين ضفتي الأطلسي. فالاتحاد الأوروبي بات أكثر اعتمادًا على المظلة الأمريكية عسكريًا وأمنيًا. لكن مستقبل هذا التحالف يظل غير مضمون.

ففي الوقت الذي تتبنى إدارة بايدن موقفًا متشددًا ضد موسكو، يطرح صعود دونالد ترامب إلى المشهد السياسي الأمريكي تساؤلات جديدة.

📌 خيارات روسيا في مواجهة أوروبا

من جانبها، تراهن موسكو على عدة أوراق لموازنة الضغوط الأوروبية:

  • استخدام الطاقة كسلاح ضغط على اقتصادات أوروبا.
  • التحالف مع الصين ودول أخرى خارج المنظومة الغربية.
  • التمدد في إفريقيا لتقويض النفوذ الأوروبي هناك.
  • الاستفادة من الانقسامات الأوروبية الداخلية بين الدول المتشددة وتلك البراغماتية.

⚖️ إلى أين؟

أوروبا لا ترى في روسيا مجرد تهديد عابر، بل خصمًا استراتيجيًا يهدد أمنها ونفوذها. وحتى إذا قدمت موسكو ضمانات بعدم التوسع في أوكرانيا، فإن القلق الأوروبي يتجاوز الحدود الجغرافية ليصل إلى طبيعة الدور الذي تريد روسيا أن تلعبه في النظام العالمي. ومع تصاعد التحركات العسكرية الأوروبية في البحر الأسود والبلطيق، لا يُستبعد أن تنزلق الأزمة إلى مواجهات أوسع.

خاتمة

يمكن القول إن العلاقات الروسية الأوروبية وصلت إلى مفترق طرق خطير. فهي اليوم محكومة بالتوتر والصراع، في حين تتضاءل فرص الحوار والتسوية. ويبقى السؤال: في ظل التوترات الحالية بين روسيا والدول الأوروبية، تبدو إمكانية استعادة التفاهم بين الطرفين رهينة بتشابك مصالحهما وتعقيد العلاقات الاقتصادية والسياسية. أي تصعيد محتمل يحمل مخاطر كبيرة، لا تقتصر على الأطراف المباشرة فحسب، بل تمتد لتشمل القوى الكبرى التي ترتبط مصالحها بشكل مباشر أو غير مباشر بالصراع الأوروبي–الروسي.

في هذا السياق، تصبح الحاجة إلى إيجاد أرضية مشتركة للحوار أكثر إلحاحًا، مع التركيز على الحلول الواقعية لتجنب الانزلاق نحو مواجهة طويلة الأمد قد تعيد أجواء الحرب الباردة، وربما تفتح الباب أمام صراع عالمي أوسع.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »