مقترحات لحل الأزمة الأوكرانية
قبل أيام كتبت مقالا عنوانه: "ما مدى تأثير القمم الحالية على الأزمة الأوكرانية؟" نشر بصحيفة برافدا، حول قمة ألاسكا بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب، وقمة واشنطن بين الرئيس الأمريكي ورؤساء مجموعة من الدول أوروبية (أوكرانيا، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا، ألمانيا وفنلندا + رئيسة المفوضية الأوروبية)، وقد كان من سوالف الأقضية أن سولت لي نفسي أن أقدم بين يدي مقالي ذاك مقترحا لحلول جديدة يمكن أن ينشأ عنها تقحم واختراق للأزمة.

مقترحات لحل الأزمة الأوكرانية
✍️📰 الكاتب: أيوب نصر
قبل أيام كتبت مقالا عنوانه: “ما مدى تأثير القمم الحالية على الأزمة الأوكرانية؟” نشر بصحيفة برافدا، حول قمة ألاسكا بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب، وقمة واشنطن بين الرئيس الأمريكي ورؤساء مجموعة من الدول أوروبية (أوكرانيا، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا، ألمانيا وفنلندا + رئيسة المفوضية الأوروبية)، وقد كان من سوالف الأقضية أن سولت لي نفسي أن أقدم بين يدي مقالي ذاك مقترحا لحلول جديدة يمكن أن ينشأ عنها تقحم واختراق للأزمة.
والذي جرت به المقادير، من غير تخطيط مني أو نية خبيئة في ذهني، أن يبلغ الصدى الذي أحدثه المقال إلى موسكو، وان يدور دورته في أروقة الكريملن، فسولت لي نفسي أن أحمل القلم مرة أخرى وأكتب في بيان تلكم الحلول التي حملها مقالي ذاك بصيغة أكثر توسعا واسترسالا.
أثبتت الأحداث أن إيجاد حل للصراع الروسي الأوكراني وصيغة تحفظ ماء وجه الأطراف الأربعة، يكاد يكون ضربا من المستحيل، خاصة وفق المقاربات والأساليب المتبعة إلى الآن، والتي هي في أصل وضعها نتاج عقل الثعلب هنري كيسنجر، ورفضت في حينها، وجميع ما ألقي من حلول هي تدور حول كلام كيسنجر، فهو الذي أعلن ابتداء عن حل التنازل لروسيا عن الاراضي مقابل انضمام باقي أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، وقد تلقف كثيرون هذا الحل ساعتها بضرب من الحنق ونوع من الغضب، ثم مع مرور الأيام عليه وتقادم العهد به، بدأت تظهر تحسينات على مقترح كيسنجر، حتى وصل إلى صيغة تشبه حلف شمال أطلسي مصغر.
فالحل نفسه والمقترح ذاته هو الذي يدور عليه الأمر منذ ثلاث سنوات، ولم يقدم جديد، ولهذا فإنه جدير وحقيق بنا إعنات الذهن وإعمال الفكر بحثا عن حلول أخرى، فإذا صلحت تلكم الحلول والمقترحات المبتدعة فهذا ما نريده ويصبو الجميع إليه، وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان، وإن لم تصلح فلن نخسر شيئا.
الحل الأول: لحفظ ماء الوجه
يقتضي أن تحتفظ روسيا بالأراضي والمقاطعات الأربعة، مقابل مبلغ مادي يتم الاتفاق عليه مع الجانب الأوكراني تعويضا له، وهو مثل عملية بيع الأراضي بين الدول، وقد سبق لهذا أن حدث عبر التاريخ، وإليك بعض الأمثلة:
دونكريك، اشترتها فرنسا من إنجلترا سنة 1662
لويزيانا، والتي اشترتها الولايات المتحدة من فرنسا، سنة 1803
ساحل الذهب الدانماركي، اشترتها المملكة المتحدة من الدانمارك، سنة 1850
سان بارتيلمي، واشترتها فرنسا من السويد، سنة 1878.
أو أن يتم الأمر ابتداء على سبيل الاستئجار لمدة طويلة، وخلال فترة الاستئجار يتم نقل الملكية وبيع تلكم الأراضي وفق مبلغ يتم الاتفاق عليه، وعملية استئجار الأراضي بين الدول هي أمر معمول، فقد أجرت السودان جزيرة سواكن إلى تركيا لمدة 99 سنة، وتنازلت سريلانكا عن ميناء هامبانتوتا لصالح صين لمدة 99 سنة، ويمكن أن يتضمن الاتفاق حرية التنقل لسكان أوكرانيا إلى تلكم المقاطعات الأربع، مع الإعفاءات الجمركية عن الضرائب، كما يمكن أن تكون المناطق الأربعة تحت الحكم الذاتي تحت السيادة الروسية.
وهذا الأمر يمكن أن يحفظ ماء وجه جميع الأطراف بما فيه الطرف الأوروبي، فلا تظهر أوروبا أنها خسرت وخضعت للروس، ولا تفقد روسيا هيبتها كما أن تخليها عن الأراضي يهدد وجودها وينبيء عن حدوث تسلملي شعبي، وتحافظ أوكرانيا على كرامتها، ويقترب ترامب من الحصول على جائزة نوبل للسلام، وأما الولايات المتحدة فقد قضت وطرها بتوقيعها اتفاق المعادن ودفع الأوروبيين على رفع دفوعاتهم الخاصة بحلف شمال الأطلسي إلى 5 في المئة من الناتج المحلي.
الحل الثاني: للتنمية الاقتصادية
وكذلك الشراكات الاقتصادية يمكن أن تكون ضمانا للجانبين، حيث يفتح المجال أمام تعاون اقتصادي تساهم فيه روسيا بشكل كبير في تنمية أوكرانيا، ولما لا تكون أوكرانيا جزء من الإتحاد الاقتصادي الأوراسي، وأن تكون أوكرانيا مركزا لتوزيع الغاز والنفط الروسيين في أوروبا، كما يمكنها أن تحافظ على علاقات مع الإتحاد الأوروبي وتكون بهذا حلقة وصل بين الإتحاد الاقتصادي الأوراسي والإتحاد الأوروبي.
الحل الثالث: الضمانات الأمنية
وهذه هي المعضلة وأصل النزاع، وكما قلت في المقال الذي حدثتك عنه فيما سلف من هذه الكلمات، وهو أن روسيا لا يمكنها بحال من الأحوال أن تقبل بصيغة نيتو مصغر يجمع بين دفتيه دولا أوروبية مع أوكرانيا مع تقديم غطاء جوي أمريكي، وستكون بذاك كأنها أخذت غمار هذه الحرب عبثا.
ولهذا فإن يمكن النظر إلى الأمور من زاوية أخرى، فإذا كانت الدولتين معا ينظران إلى بعضهما على أساس أنه كل واحدة منهما تشكل تهديدا محتملا للأخرى، فلماذا لا تكون كل واحدة منهما ضمانا أمنيا للثانية، فيذهبان إلى إنشاء حلف عسكري ينطوي على مادة الدفاع المشترك، وعمل اتفاق استراتيجي تكون فيه روسيا المورد الأول للأسلحة إلى أوكرانيا، أو يتم قبول أوكرانيا ضمن دول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، ويستغل حسن علاقاتها مع الأوربيين لتكون ضامنا لهم أيضا ومانعا من أي غزو روسي، فتلعب دور الدولة الضرورة.
أظن لو تم النظر إلى هذه الحلول مجتمعة وصياغتها في اتفاق قد تساعد في إحداث اختراق في هذه ا الأزمة ينتهي إلى نهايتها، وخاصة أن جميع الأطراف يمنون انفسهم بانتهائها، لكن الحلول التي قدمت لا تحفظ للجميع مكانتهم وماء وجههم.



